الموقف الفلسطيني من أزمة التنظيمات الأصولية في لبنان

إبراهيم عبدالكريم: الموقف الفلسطيني من أزمة التنظيمات الأصولية في لبنان

  • 14 يونيو 2007

يبيّن تحليل المستجدات الأمنية على الساحة اللبنانية، بشقها المتعلق باندلاع أزمة التنظيمات الأصولية/الإرهابية في المخيمات الفلسطينية، أن هذه التنظيمات ظهرت في سياق عام معقد للوضع اللبناني، تتصف معالمه الرئيسة بالتنازع والخلاف بين الموالاة والمعارضة حول موضوعات متعددة، تتعلق بحكومة الوحدة الوطنية، وبالمحكمة الخاصة بالمتهمين في قتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق "رفيق الحريري"، وبالحالة الدستورية والاستحقاقات الجارية والمرتقبة في البلاد، وبالتدخلات والمخططات الخارجية.

 وفي ظل غياب الدولة، ووجود فراغ أمني عانى منه لبنان خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وبعدها، والوضعية الأمنية الخاصة للمخيمات وللسلاح الفلسطيني داخلها وخارجها، وبتأثير واضح للأجواء العاصفة التي شهدها لبنان، أخذت هذه التنظيمات تتكاثر كفطور غريبة، سرعان ما اكتشفت خاصتها السمية القاتلة، التي تستهدف -من بين مجمل مراميها- القضية الفلسطينية والسلم الأهلي والأمن في لبنان، على حد سواء.

 وبعد مقدمات مستغربة، اتخذت طابع الإشارات المتلاحقة بفواصل زمنية، وجد الفلسطينيون في لبنان أنفسهم في مرمى النيران، بفعل تحصّن القوى الأصولية/الإرهابية (وأبرزها: "فتح الإسلام"، "جند الشام"، "عصبة الأنصار") بالمخيمات الفلسطينية، وخصوصاً في مخيمي نهر البارد وعين الحلوة، ومحاولة الجيش اللبناني تصفية هذه الظاهرة بالقوة العسكرية. وكان لافتاً، منذ بداية الأزمة، أن التقديرات الفلسطينية المتعلقة بها، اتسمت بالتقارب الشديد، بصرف النظر عن تعدد مرجعياتها التنظيمية. وتمحورت التباينات في المواقف والتصورات حول نقاط ثانوية تتعلق بالسبل الإجرائية لكيفية الخروج من تلك الأزمة.

 وكانت التوصيفات الفلسطينية المتعددة تلتقي عند قناعات ورؤى مشتركة، تؤكد افتراق حسابات هذه التنظيمات الأصولية/الإرهابية عن المصالح الوطنية الفلسطينية واللبنانية، وعن المصالح العليا للأمتين العربية والإسلامية في الوقت ذاته. ولاحظت قوى فلسطينية وجود خط يصل بين تورط تنظيم "فتح الإسلام" بجرائمه التي ارتكبت في لبنان (عين علق، محيط جامعة بيروت العربية.. إلخ ) وبين استهداف الجيش اللبناني. ولكن هذه القوى الفلسطينية لم تتمكن من تحديد الأطراف التي دعمت تنظيم "فتح الإسلام" وغيره، على خلفية تعدد الاتهامات بين تلك الأطراف، والتي تشمل: قوى 14 آذار برئاسة تيار المستقبل؛ بعض الفصائل الفلسطينية؛ المخابرات السورية؛ بعض الجهات الإقليمية والدولية، وتنظيم "القاعدة"..إلخ.

 واستناداً إلى تجربتها الغنية في العمل السياسي والنضالي، تمكنت القوى الفلسطينية من تحديد الأهداف الرئيسة لإثارة هذه الأزمة الجديدة في المخيمات، وأبرزها: وجود محاولة لإقحام الفلسطينيين في مشكلة كبيرة ذات أبعاد داخلية وإقليمية ودولية، ليكونوا بعد ذلك جزءاً من حل يراد له أن يصفي حسابات متعددة الهوية والتبعية، لاسيما مع ظهور دعوات مشبوهة لإثارة موضوع المخيمات والسلاح الفلسطيني (تحت عنوان المليشيات المسلحة) وزج هذا الموضوع في حلبة السجال الداخلي بين الأطراف اللبنانية، بهدف استعداء الجيش اللبناني على الفلسطينيين، وحرف المواجهات، لتصبح على مسار الأفعال وردود الأفعال المتبادلة بينه وبين التنظيمات الفلسطينية، فضلاً عن إشغال التنظيمات الفلسطينية بنزاع جانبي وتناقضات جديدة، بما يؤدي إلى إضعاف حركتها السياسية والنضالية الموجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي ومساعيه الرامية لتصفية القضية الفلسطينية.

 كما تنبعث من تجليات هذه الأزمة الجديدة الناتجة عن تفجر الأوضاع في المخيمات رائحة اختبار إمكانية تدويل الوضع الأمني فيها، عبر نشر قوات اليونيفيل أو سواها، وإخضاعها للمعايير الخاصة السائدة حالياً في المناطق الجنوبية، بعد الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وفي مقدمتها مصادرة أسلحة التنظيمات الفلسطينية داخل المخيمات وخارجها، وإظهار ضعف الجيش اللبناني، بعد إنهاكه بقتال استنزافي، يسهل طرح خيار الاستعانة بقوات دولية لنشرها على جميع الأراضي اللبنانية، بانتظار بناء الجيش القادر على القيام بمختلف مهماته.

 ومن الأهداف التي يرى الفلسطينيون أيضاً أنها تقف خلف إثارة هذه الأزمة هو محاولة استخدامها كأداة لخنق الأصوات الداعية لاعتماد لغة الحوار بين الأطراف اللبنانية، والتخاطب بمصطلحات تمهد لعودة الاقتتال المسلح، وهو ما يتضح من خلال التركيز على "الطابع السني" لهذه التنظيمات الأصولية/الإرهابية، وإبراز هذه السمة وكأنها موجهة ضد الطوائف الأخرى، لدفع المشكلة في منحى الفتنة الطائفية، ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تهتم تلك التنظيمات بمناطق معينة على تماس مع تنظيم حزب الله وحركة أمل (الجنوب، قرب الشياح وحارة حريك..إلخ). وقد اعترف القائد العسكري لتنظيم "فتح الإسلام" شهاب القدور(أبو هريرة) بوجود "قواعد وخلايا نائمة تابعة له في أكثر من منطقة لبنانية". 

 كما أن هناك من يعتقد أن هذه التنظيمات الأصولية/الإرهابية تهدف من وراء القيام بعملياتها القذرة ترهيب المسيحيين، لدفعهم إلى الهجرة من البلاد وتمرير مشروع توطين الفلسطينيين. فضلاً عن تغذية عوامل الاحتقان وتأجيج التأزم بين لبنان وسورية، عبر اتهام سورية بالوقوف وراء تلك التنظيمات الأصولية/الإرهابية، مع أن عناصر هذه التنظيمات مطلوبون للأمن السوري، وحدثت مواجهات بين الطرفين أدت إلى مقتل العديد من أعضائها.

 وعلى أرضية الوعي الفلسطيني بهذه الأهداف، ونظائرها، سارعت القوى الفلسطينية إلى صياغة تصورات واتخاذ مواقف والقيام بخطوات لحل الأزمة، تركزت في الخطوات الآتية:/n (1) نفي الصفة الفلسطينية عن تنظيم "فنح الإسلام" و"جند الشام"، وتبرئة الفلسطينيين من ممارساتهما الإرهابية، بالتركيز على أنهما يضمان عناصر من جنسيات متعددة، من مختلف الدول العربية، وحتى من دول أخرى مثل باكستان وبنغلادش وسواهما، وأن الفلسطينيين يشكلون نسبة ضئيلة جداً بين منتسبي هذين التنظيمين، إضافة إلى مطالبة عناصر هذه التنظيمات الأصولية/الإرهابية بمغادرة المخيمات، ومحاسبة المتورطين منهم بالهجمات الإرهابية وفق القوانين والأنظمة اللبنانية.

 (2) انتهاج سياسة عدم التدخل في الشأن اللبناني الداخلي، والوقوف بصورة مبدئية إلى جانب الجيش اللبناني في سعيه لإنهاء المشكلة، مع التحذير من احتمال امتداد التفجيرات إلى بقية المخيمات في ظل المطالبة الشعبية الفلسطينية بحماية الفلسطينيين من نيران الجيش اللبناني. ويلاحظ هنا أنه في مقابل تأكيد كثير من الأطراف اللبنانية في الحكم والمعارضة على العلاقة الأخوية مع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والوقوف في مواجهة الأخطار والتحديات المشتركة، كان هناك تعبير عن موقف مماثل، بالمضامين ذاتها، من قبل منظمة التحرير والفصائل والسلطة الفلسطينية.

 (3) تجريم توجيه السلاح ضد الجيش اللبناني، والمطالبة في الوقت نفسه بعدم توجيه النيران إلى أي مخيم، تلافياً لإزهاق أرواح بريئة، لكون التنظيمات الأصولية/الإرهابية تتخذ من سكان المخيمات دروعاً بشرية، مع العمل على إنقاذ المدنيين الفلسطينيين وإغاثتهم وتجنبيهم المآسي الجديدة، جراء القصف المتبادل والمعارك الضارية بين طرفي القتال، وعمليات التهجير القسرية من المخيمات.

(4) اعتبرت القوى الفلسطينية أن المساعدات العسكرية والمالية والسياسية للبنان من جهات عدة (من الولايات المتحدة وفرنسا، والجامعة العربية، وغيرها) مسألة ترتبط بقرارات السيادة اللبنانية وعلاقتها الخارجية، ونبهت إلى أن على هذه الجهات أن تتفهم طبيعة أوضاع الفلسطينيين في لبنان.

 وبشكل عام، وانطلاقاً من فهمها العميق لخطورة الأزمة وتعقيداتها، وحرصها الشديد على تحقيق التوازن بين العلاقة مع لبنان وحماية سكان المخيمات، بذلت القوى الفلسطينية، داخل لبنان وخارجه، جهوداً مضنية، على أمل إعطاء فرصة للحوار مع تنظيمي "فتح الإسلام" و"جند الشام"، لتطويق الأزمة واستبعاد الحسم العسكري، بالتفاهم مع الجيش اللبناني. وعلى الرغم من أن هذين التنظيمين أصرا على المضي في المواجهات حتى نهاية الشوط، إلا أن الطريق لا يزال مفتوحاً أمام عربات الإطفاء السياسية. وهناك إجماع على أن تعذُّر هذا الإطفاء سيفضي إلى مرحلة تصعب فيها السيطرة على الحرائق، التي لا يخفى على أحد إلى أين ستمتد ومن سيذهب ضحيتها.

Share