الموقف الأمريكي من الاحتجاجات الشعبية في سورية

  • 10 مايو 2011

تحظى سورية بموقع سياسي مهم على خريطة الشرق الأوسط، استناداً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي في قلب المشرق العربي، ومكانتها الإقليمية، ودورها المتشابك مع كثير من ملفات المنطقة الحساسة، ما يجعل أي تطور فيها، أو أي تغير في توجهاتها الداخلية أو الإقليمية والدولية، موضع اهتمام كبير على المستويين الإقليمي والدولي. 

وقد استطاعت سورية في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد أن تؤدي دوراً إقليمياً محورياً وطموحاً يفوق أحياناً مقوماتها الاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية، واستفاد النظام السوري من غياب بعض القوى العربية الفاعلة، ومن قدرتها على اللعب بالمتناقضات الإقليمية، واتباع سياسات تدخلية وإشغالية في منطقة الجوار الجغرافي، لتحول دون أي تدخلات أو تهديدات خارجية تهدد سورية أو تحاول تحجيمها. وقد تطلب ذلك إحكام قبضة النظام الأمنية على الأوضاع الداخلية، وظلت سورية، طوال عهده ومن بعده، تعيش هواجس دائمة وتهديدات قائمة وأخرى محتملة.

وبرحيل الرئيس حافظ الأسد ورث نجله أعباء تركته السياسية الثقيلة، كما فرضت الأوضاع الإقليمية والدولية ومتغيراتها أعباء وضغوطاً إضافية على نظام بشار، الذي وجد نفسه، ولاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أمام ضغوط سياسة الإجبار والإكراه، التي اتبعها الرئيس جورج بوش الابن لعزل سورية إقليمياً، ابتداء من يوليو 2003 بإصدار القانون المعروف بقانون محاسبة سورية وما تلاه، وتجميد العلاقات مع دمشق لاتهامها بالتدخل في الشأن العراقي. وقد سعى الرئيس بشار إلى تخفيف حمولة هذه التركة وتبعاتها راضياً مرة، ومضطراً مرات أخرى. فعمل على تحسين علاقات سورية بدول الجوار العربية، وفق سياسة توازنية مخططة هدفها دعم فرص استقرار النظام، فسحب مضطراً القوات العسكرية السورية من لبنان في عام 2005، وأنشأ أول علاقة دبلوماسية معه، رغم أنه مازال لسورية في لبنان، الذي تعتبره حديقتها الخلفية، بعض النفوذ السياسي، وإن تراجع بعض الشيء، كما اضطر الرئيس بشار للإبقاء على علاقة التحالف مع إيران؛ لتظل بوليصة تأمين سياسي ضد التقلبات السياسية في المنطقة وتراجع الدور العربي فيها. وسعى، بالتوازي مع ذلك، إلى إقامة علاقات متميزة مع تركيا غير تلك التي كانت سائدة في الماضي، وتزامن ذلك مع تطلع أنقرة للقيام بدور رئيسي في سياسات المنطقة.

وبمجيء الإدارة الديمقراطية للبيت الأبيض حاول الرئيس أوباما إقامة علاقات ذات طابع مختلف بين واشنطن ودمشق، وواصل السعي إلى تطويع الدور السوري وأوراقه وإن بأسلوب مختلف. فواشنطن كانت حريصة على تهدئة الأوضاع في العراق بصفة خاصة، لاستكمال خروج مشرف للولايات المتحدة من المأزق العراقي، وما يتطلبه ذلك من استقرار آمن للحدود المشتركة العراقية-السورية ومنافذها. وطبقاً لهذه الرؤية، فإن عدم استقرار سورية، في التقدير الأمريكي، ستمتد تداعياته إلى دول الجوار، وإن بدرجات متفاوتة. ولذا فإن التقييم الأمريكي وجد أن تغيير النظام سيبدو أمراً غير مرغوب فيه في هذه المرحلة؛ لأنه سيحدث تغيراً في المعطيات السياسية الراهنة في المنطقة وعلاقات القوى فيها.

وضمن عناصر تقدير الموقف الأمريكي يلاحظ تأثره بموقف إسرائيل في هذا الشأن. فقد ظلت حدود الأخيرة مع سورية في الجولان آمنة لعدة عقود، وهى ترى أن أي تراجع في قوة النظام السوري، وإن كان يشكل عاملاً سلبياً مرحلياً بالنسبة لإيران، فإنه أيضاً يمكن أن يضر بالمصلحة الإسرائيلية؛ حيث تخشى تل أبيب من أن يؤدي سقوط النظام السوري إلى تفشي الفوضى في المحيط الجغرافي لإسرائيل، ومن احتمال مجيء نظام بديل ربما يكون أكثر تطرفاً، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وبعض المخاطر الأمنية لها، ويضعها في مواجهة المجهول، وفي وقت تشهد فيه المنطقة العربية مؤشرات تغيرات خارجية مهمة، كما هو حادث في التوجهات السياسية المصرية الجديدة، كالتفكير في إعادة النظر في العلاقة مع إيران، والإصرار على إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية وغيرها.

وعندما بدأت حركة الاحتجاجات السورية الداخلية تتصاعد، ولجأت الحكومة السورية إلى استخدام العنف والقمع ونشر قوات الجيش في مواجهة المتظاهرين، تصاعدت لهجة الإدارة الأمريكية ضد النظام، من وصف ما يحدث من أعمال قمع بأنها غير مقبولة، مروراً بمطالبة النظام بتبني حل سياسي عبر التفاوض مع المعارضين وانتهاء بوصف هذه الأعمال بأنها شنيعة، والدعوة إلى تغيير المسار وتلبية نداء الشعب السوري. كما قامت الإدارة الأمريكية بفرض مزيد من العقوبات على النظام السوري. وعلى الرغم من أن سجل العقوبات الأمريكية على سورية له تاريخ طويل، فإن قائمة العقوبات الأخيرة بدأت تصل إلى عمق النظام وعائلة الأسد، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، بدعوى أنهما أمدا النظام السوري بوسائل لقمع المتظاهرين.

وهنا ثار التساؤل من جديد: هل من مصلحة الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، سقوط النظام السوري في هذه المرحلة ؟ في الإجابة على هذا التساؤل يمكن بسهولة ملاحظة أن إدارة الرئيس أوباما مازالت تحجم عن الذهاب بعيداً في ضغوطها إلى هذا الحد، فهي مازالت تدور في إطار المطالبة بإصلاح سلوك النظام السوري، ربما لإدراك هذه الإدارة بأن لسورية دوراً مهماً في استقرار الأوضاع في العراق، والتي مازالت تتسم بعدم الاستقرار، وفي عملية السلام في الشرق الأوسط، ولذا يبدو أن ساعة النظام السوري لم تحن بعدُ وفق التوقيت الأمريكي، كما أن الإدارة الأمريكية ليست واثقة حتى الآن بأن الاحتجاجات الحالية يمكن أن تؤدي إلى إسقاط النظام، ولذا أحجمت عن الذهاب بعيداً بالدعوة إلى تغيير النظام.

وفي تقدير بعض الأوساط الأمريكية، فإن الرئيس أوباما تبنى مواقف مترددة وبطيئة إن لم تكن ضعيفة، تجاه تطورات الأحداث في سورية، مقارنة بمواقفه تجاه النظام الليبي. وعلى الرغم من وجود فارق جوهري بين الحالتين، فإن هذه الأوساط مازالت تمارس ضغوطاً على الرئيس الأمريكي لاتخاذ مزيد من الإجراءات والعقوبات وتصعيد الضغط على النظام السوري ورئيسه.
 
لكن الإدارة الأمريكية الحالية التي رفع رئيسها شعار التغيير وجدت نفسها تحت ضغوط متناقضة ساهمت في تبنيها لهذا الموقف الضعيف، فالثورات التي اجتاحت دولاً عربية عدة، وتبنى بعضها مواقف خارجية جديدة مقلقة للسياسة الأمريكية بعد أن كانت مصنفة كحليفة لواشنطن (مصر بصفة خاصة) أربكت الأجندة السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، حتى أصبحت معه واشنطن غير مستعدة لتجربة مزيد من التغيير. ومن ثم فقد وجد أوباما، صاحب شعار التغيير، نفسه في موقف يقتضي التريث إزاء أحداث سورية.

وبدورها بدت إسرائيل في حالة من القلق والارتباك، فهي لا تدري ماذا يخفي لها مستقبل الأيام القادمة، وهذا ما جعلها تفضل خيار الإبقاء على النظام السوري القائم على التعامل مع المجهول بكل معطياته. وهكذا فقد التقت التقديرات الأمريكية مع تلك الإسرائيلية، بأن البلدين أمام تسونامي دبلوماسي يقتضى الحذر والتريث، كي لا يتورطا بعدة جهات مشتغلة ومفاجئة قد تغير موازين القوى، وهو ما دعا نتنياهو إلى التوجيه بالتزام الصمت إزاء ما يجري في سورية، إضافة للأردن من قبل.

كما أن تشكك الإدارة الأمريكية في جدوى تبني الحل العسكري في مواجهة النظام السوري، مع عدم وجود بدائل أخرى متاحة في ظل الفسيفساء الدينية والمذهبية والعرقية التي تحكم المجتمع السوري وتركيبة الجيش السوري، دفعها مرحلياً إلى تبني موقف وسط يسمح لها بأقصى قدر من المرونة في حركتها السياسية.

وفي التقدير الأمريكي، فإن تواصل الأزمة الداخلية وتصاعدها سيضعف نظام بشار المأزوم تلقائياً ولن يعود كما كان، وقد يصبح- في هذه الحالة – أكثر قابلية للتطويع وتغيير مواقفه، ولاسيما علاقة التحالف التي تربطه مع إيران، ومع جماعات المقاومة وخاصة حزب الله اللبناني، وهو ما يتطلب أن تحافظ إدارة أوباما على شعرة معاوية مع هذا النظام. أضف إلى ذلك أن اندلاع مزيد من الثورات في الدول العربية سيزيد من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في دول الغرب، ولاسيما مع الارتفاع الحاصل في أسعار النفط، وهى أوضاع تسعى الولايات المتحدة إلى احتوائها.

مجمل القول إن دراسة المواقف الأمريكية من تطورات الأحداث في سورية يوضح أنها متلازمة مع تقييم حجم المصالح الأمريكية، فلا توجد مواقف سياسية مجانية، ولا نستغرب إذن من ازدواجيتها وميكافيليتها.

Share