الموجة المضادة لسياسات التقشف وتأثيرها على الاتحاد الأوروبي

  • 16 مايو 2012

يجد الاتحاد الأوروبي، أكبر تكتل اقتصادي في العالم، نفسه على خلافٍ مع الدول الأعضاء التي يتألف منها. فالحكومات الأوروبية التي امتثلت لتوجيهات بروكسل بتخفيض الإنفاق لضمان قدرة الاتحاد على مواصلة البقاء والنمو، إما أن برلماناتها حجبت الثقة عنها، أو أنها منيت بهزيمة منكرة في الانتخابات.

وفي هذا السياق، سقطت حكومة مارك روته في هولندا، في 23 أبريل 2012، عندما لم تجد مقترحاتها بتخفيض حجم الميزانية الدعم الكافي من شركائها في الائتلاف الحكومي. وفي انتخابات الرئاسة الفرنسية، التي جرت في 6 مايو 2012، أصبح نيكولا ساركوزي أول رئيس للبلاد يفشل في الفوز بفترة رئاسية ثانية خلال أكثر من ثلاثين عاماً، علماً بأنه هو الذي رسم لأوروبا، بالاشتراك مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خطة التقشف التي باتت تعرف باسم خطة "ميركوزي"، والتي رفضها الناخبون الفرنسيون مفضلين عليها استراتيجية "دعم النمو" التي طرحها المرشح الاشتراكي، والرئيس الفرنسي الحالي، فرانسوا هولاند.

وفي الوقت نفسه، مُني الحزبان الراسخان في اليونان، وهما الحزب الديمقراطي الجديد ذو التوجه اليميني والحزب الاشتراكي اليوناني (باسوك) بهزيمة قاسية أمام الأحزاب الراديكالية الجديدة في الانتخابات التشريعية الأخيرة. ومن بين هذه الأحزاب، استحوذ حزب "سيريزا"، الذي يعارض بشدة الاتفاقية الأوروبية بشأن الإنقاذ المالي لليونان، على المرتبة الثانية في السباق الانتخابي. وفي سعيهم لتجاوز المأزق السياسي الناجم عن تعثر تشكيل حكومة ائتلافية جديدة في اليونان، وخطر الخروج غير المنضبط لليونان من منطقة اليورو، استمر قادة الاتحاد الأوروبي في عقد نقاشات محمومة لتلافي خروج الموقف عن السيطرة. وتمثلت المفاجأة الكبرى في هذا السياق في الانتخابات المحلية في ألمانيا؛ حيث حقق الحزب الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (الحزب المسيحي الديمقراطي) أسوأ نتيجة انتخابية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة في ولاية شمال الراين- ويستفاليا، وهي أكبر الولايات الألمانية. وقد اعتبر المراقبون السياسيون هذا التصويت بمنزلة احتجاج على أجندة ميركل التقشفية، ولاسيما أنه جاء بعد فشل أحزاب المعارضة في برلمان الإقليم في انتزاع تصديق البرلمان على الميزانية الجديدة للولاية في شهر مارس الماضي بسبب توسعها في الإنفاق، لتعود هذه الأحزاب أقوى مما كانت عليه في البرلمان السابق. وتعد ولاية شمال الراين- ويستفاليا أكبر الولايات الألمانية من حيث الكثافة السكانية؛ يقطنها حوالي ربع سكان ألمانيا البالغ عددهم 82 مليون نسمة، ويزيد حجم اقتصادها عن اقتصاد سويسرا، وتمارس تأثيرا مهماً في سياسات الدولة.

ولكي نفهم أهمية الموجة الشعبية الحالية ضد سياسات التقشف وتبعاتها، يجدر بنا أن نتعرف على طبيعة الأزمة الاقتصادية القائمة في أوروبا ومسبباتها. وبشكل مبسط، فإن المشكلة التي يواجهها كثير من اقتصادات الاتحاد الأوروبي، ولاسيما تلك التي تقع على أطراف القارة الأوروبية، تتمثل في حجم الديون الهائلة، التي تراكمت خلال العقد الماضي، حيث اتبعت الدول الغربية (في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) سياسة نيوليبرالية تقضي برفع القيود الحكومية، وخفض معدلات الفائدة؛ ما أدى إلى انخفاض تكلفة الائتمان وإتاحته على نطاق واسع، حتى للمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية الأقل. وفي ظل استحواذ الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي على تصنيفات ائتمانية ممتازة (AAA) حينذاك، لم تتخذ العديد من الحكومات الأوروبية، ومنها الحكومة الألمانية، إجراءات جادة للحد من زيادة مستوى العجز في ميزانياتها. ومن ناحيته، أشرف البنك المركزي الأوروبي على الزيادة في الاستثمارات عبر الحدود في أنحاء القارة الأوروبية.

وعندما انفجرت الفقاعات في القطاعات الاقتصادية كثيفة الاستثمار في نهاية المطاف بسبب اختلال التوازن بين العرض والطلب، أدت موجة حبس الرهن العقاري والإفلاس إلى أزمة ائتمانية كبيرة قادت إلى الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وقد ترتب على هذه الأزمة انخفاض معدلات النمو بصورة درامية في كثيرٍ من الدول جراء الديون الهائلة المتراكمة على الأسر والبنوك والحكومات، وبسبب تراجع الإنتاج الاقتصادي مقروناً بارتفاع معدلات البطالة. وكانت الاقتصادات الأصغر حجماً والأضعف الواقعة على أطراف القارة الأوروبية هي الأشد تضرراً من الأزمة، ذلك أنها واجهت صعوبات في سعيها لتسديد ديونها المتراكمة الناتجة عن إفراطها النقدي السابق، أو في الاقتراض بمعدلات فائدة تستطيع تحملها بهدف دعم اقتصاداتها المتضررة. وتضم هذه الدول كلاً من البرتغال وإيطاليا وأيرلندا واليونان وإسبانيا التي تحمل اسماً مختصراً "بيجس" (PIIGS)، والذى يشير إلى الأحرف الأولى من أسماء هذه الدول. وليس من المستغرب حينئذ أن تصل نسبة الديون إلى الدخل المحلي الإجمالي حالياً في دول الـ "بيجس"، باستثناء إسبانيا، إلى أكثر من 100%.

وفي أعقاب الأزمة المالية، وجهت قيادة الاتحاد الأوروبي الانتقادات لدول الـ"بيجس"، ولليونان بصفة خاصة، لإسرافها في الإنفاق، وأصرت على ضرورة التزام الحكومات الأوروبية بالحد من إنفاقها المفرط من خلال الامتثال للحدود التي وضعتها معاهدة ماستريخت (المعروفة في السابق باسم معاهدة الاتحاد الأوروبي والمبرمة في عام 1992)، التي نصت على ضرورة ألا تتجاوز نسبة العجز في الموازنة السنوية عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي (بما يتضمن مجموع كل الميزانيات العامة بما فيها الميزانيات الخاصة بالمقاطعات والأقاليم وغيرها)، وأن تكون نسبة الدين الوطني أقل من 60% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة أو قريباً منها. وأكدت المعاهدة أن خطط تكامل الاقتصاد الأوروبي لن يتسنى مواصلة تنفيذها، إذا لم يتم الالتزام بهذه الشروط.

وبناء عليه، قرر الاتحاد الأوروبي العبور بتكامله النقدي القائم، والمتحقق من خلال الاتحاد النقدي الأوروبي، إلى المستوى المنطقي التالي عبر تأسيس الاتحاد النقدي. وبعبارة أخرى، فإن أوروبا التي يوجد لديها حالياً بنك مشترك (هو البنك المركزي الأوروبي) وعملة موحدة (هي اليورو)، في 17 دولة من دول الاتحاد الأوروبي، قد شرعت في اتخاذ خطوات صوب إيجاد نظام مشترك للضرائب والإنفاق سعياً منها إلى تحقيق التكامل الاقتصادي التام بين دولها. وكان هذا هو السياق الذي قام فيه الاتحاد الأوروبي، بجميع أعضائه باستثناء المملكة المتحدة وجمهورية التشيك، في 2 مارس 2012 بالتوقيع على المعاهدة المعروفة باسم الاتفاق المالي الأوروبي، والتي يطلق عليها رسمياً اسم "معاهدة الاستقرار والتنسيق والحوكمة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي". ومن المقرر أن يبدأ العمل بهذه الاتفاقية في 1 يناير 2013، إذا صدقت عليها 12 دولة من الدول الأعضاء بمنطقة اليورو قبل ذلك التاريخ. وتتطلب الاتفاقية قيام كافة الدول الأعضاء خلال عام من التصديق عليها بإدخال إجراءات تحدث توازناً في ميزانياتها الوطنية أو تحقق فائضاً فيها.

وقد شدد الاتحاد الأوروبي منذ بداية الأزمة المالية في عام 2008 على أنه في حالة قيام الدول الأعضاء بالحد من إفراطها في الإنفاق، وتسديد ديونها، والعيش في حدود الإمكانات المتاحة لها، فسوف تبدأ اقتصاداتها في تحقيق النمو بعد فترة وجيزة من المصاعب الاقتصادية. وتبعاً لذلك، تبنت أغلب الدول الأوروبية المضطربة إجراءات تقشفية عديدة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية. ففي اليونان، وهي إحدى الدول الثلاث التي تلقت مساعدات مالية للحيلولة دون إفلاسها، تم تخفيض رواتب الموظفين الحكوميين، وتقليص الإنفاق في قطاعات التعليم والمعاشات والرعاية الصحية والدفاع. وأدت هذه الإجراءات إلى انخفاض حجم الاستهلاك ونشاط الأعمال في الداخل، ورفعت معدلات البطالة إلى 21%. وفي البرتغال، فشلت الإجراءات التقشفية، كتخفيض الاستثمارات الحكومية، في منع الاقتصاد من الانكماش بنسبة 3.4% هذا العام، والذي تلا حالة الركود المزدوج التي عانى منها الاقتصاد العام الماضي.

وفي أيرلندا، التي تضمنت ميزانياتها بالفعل إجراءات تقشفية منذ عام 2008، تم تخفيض الرواتب بنسبة 15%، وزيادة ضريبة المبيعات بنسبة 23%. ومع ذلك، فقد ارتفع معدل البطالة في أيرلندا إلى 15% في ظل تسريح عدد كبير من الموظفين الحكوميين، وحتى من أفراد الشرطة. أما في حالة إسبانيا، فقد أدى خفض الإنفاق وغير ذلك من إجراءات التقشف إلى وصول معدلات البطالة إلى 25% في ظل وجود أكثر من نصف الشباب في الدولة حالياً من دون عمل. وتم زيادة ضريبة المبيعات إلى 18%، رغم ارتفاع معدل العائد على السندات التي أصدرتها الدولة بأجل 10 سنوات بصورة تنذر بالخطر إلى ما يقرب من 7%. ومن الشائع القول بأنه إذا تطلب اقتصاد بحجم الاقتصاد الإسباني الكبير خطة للإنقاذ المالي، فسوف يكون من الصعب على كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي توفير التمويلات اللازمة لهذه الخطة. وفي إيطاليا، لم تجلب السنوات العديدة من اتباع إجراءات التقشف سوى قدر ضئيل فحسب من التحسن في إيطاليا، والتي شهدت زيادة معدلات البطالة إلى 9.8%، حتى في ظل التوقعات بانكماش الاقتصاد الإيطالي هذا العام بنسبة 1.2%. ويسعى رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي إلى تغيير القوانين لتسهيل تسريح الموظفين. وفي غمرة تخفيضات الميزانية، تخلت روما عن عرضها لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2020.

وهكذا، فمن غير المستغرب أبداً والحالة هذه أن التقشف، الذي يعني اقتصادياً اتباع سياسات تستهدف تخفيض الإنفاق وتقليص العجز في الميزانية وخفض المعونات والخدمات العامة، قد تحول إلى مصطلح سيء السمعة بين الناخبين. ويبدو أن الأوروبيين فقدوا شهيتهم لتحمل مصاعب اقتصادية طويلة الأجل تحت عنوان التقشف، واختاروا اقتراباً كينزياً يدعو إلى زيادة الإنفاق الحكومي في أوقات الركود الاقتصادي. وتجادل الأحزاب المعارضة لإجراءات التقشف بأن الديون يمكن تخفيضها فقط في حالة السماح للاقتصاد بالنمو بتحفيز من الإنفاق الحكومي الفعال في القطاعات الاقتصادية الرئيسية. وبهذا الشأن، صرح الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند أنه سوف يحث أنجيلا ميركل خلال اجتماعه المقبل معها على إصلاح الاتفاق المالي الأوروبي كي تشمل الالتزام بدعم النمو. فالمخرج من الأزمة الراهنة، وفقاً لمعارضي سياسات التقشف، لا يكمن في العيش في حدود الإمكانات المتاحة، ولكن في زيادة الإنتاجية بما يترتب عليه تحقيق معدلات نمو تتجاوز معدلات نمو الديون.

ومع ذلك، فلم تجد هذه الرسالة مردوداً جيداً من قبل أسواق الأسهم والسندات المضطربة في أوروبا وخارجها. إذ هبطت مؤشرات الأسواق المالية العالمية في أعقاب الانتخابات الأخيرة في أنحاء أوروبا بسبب عدم تحمس المستثمرين بدرجة كبيرة لما يسمى بأجندة "دعم النمو"، حيث شعروا بأنها ستديم حالة عدم الانضباط المالي، وتقود إلى احتمالات تعثر القروض السيادية. وثمة مخاوف أيضاً من إمكانية خروج إحدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من التكتل بطريقة غير منظمة، وكذلك من الخطر المتمثل في انتشار العدوى المالية عبر المنظومة المالية العالمية.

ومن الواضح أن المخاطر عالية، ويجب انخراط كافة الأطراف المعنية من أجل إيجاد حل؛ إذ توجد أجزاء من الحقيقة في كل حجة من الحجج المتدافعة. ولذلك، ينبغي على الاقتصاد الأوروبي، أكبر اقتصاد في العالم، أن يخرج بحل وسط يحقق مزايا التقشف من دون أن يخنق آفاق النمو الاقتصادي.

Share