المواطن الإماراتي… بين البطالة والتوطين

د. عبدالله العوضي: المواطن الإماراتي... بين البطالة والتوطين

  • 11 يونيو 2009

يعاني مجتمع الإمارات، كغيره من المجتمعات الخليجية، أزمة "بطالة" تسير وفق خط تصاعدي، وصعوبات في تطبيق خطط "التوطين"، في الوقت الذي يستمر فيه تدفق العمالة الوافدة بكثافة إلى سوق العمل مقارنة بالعمالة الوطنية النادرة؛ حيث تشير الإحصاءات الرسمية التي تنشرها الهيئات المعنية بحل هذه الإشكالية في الدولة إلى ارتفاع متزايد في معدلات البطالة التي قاربت نسبتها الـ13%، ليتجاوز عدد الباحثين عن عمل في الدولة حاجز الـ40 ألف شخص، وتعد هذه النسبة هي الأعلى منذ نشوء الدولة؛ حيث كانت نسب البطالة بين 3% و6%، وهو ما يقارب المستويين الخليجي والعالمي بشكل عام.

وفي الوقت نفسه مازالت نسب التوطين في الوظائف الحكومية، سواء في الوزارات أو المؤسسات الاتحادية أو الهيئات المحلية، تراوح عند معدلاتها المنخفضة، والتي تبلغ إجمالاً قرابة الـ44% وفق أحدث إحصاءات هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية "تنمية". وتعد هذه النسبة هي الأدنى على الرغم من وجود العديد من القرارات الحكومية التي تشدد على ضرورة زيادة نسب التوطين في الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية بالدولة.

ويرجع هذا الوضع بشكل مباشر إلى تدفق أعداد ضخمة من العمالة الوافدة أو الأجنبية، وبنسب عالية تقترب أحياناً من 9%، علماً بأن أعداد المواطنين وفقاً للولادات الطبيعية لا تزيد على 3 في الألف سنوياً، وهو ما يعني على وجه الدقة، أن تحقيق التوازن بين الرقمين سيكون صعباً ولو بعد حين، ولاسيما إذا ما استمرت سياسة استقطاب العمالة على حالها من حيث التركيز على العدد وليس النوع.

ويتعين الإقرار هنا بحقيقة واضحة لا يمكن إنكارها تتعلق بحرص الحكومة الإماراتية على إيلاء الإشكالية الخاصة بالتوطين أهمية قصوى في سياق الاهتمام الخاص الذي توليه بقضايا التنمية البشرية؛ حيث وضعت هذه القضية نصب عينيها وعلى رأس أولوياتها الاستراتيجية منذ فترة ليست بالقصيرة، وقامت في هذا الإطار بإنشاء مجموعة من المؤسسات والهيئات الاتحادية والمحلية المعنية بوضع الآليات الخاصة للتخفيف من حدة هذه المشكلة عن كاهل المجتمع، وعلى رأس هذه الهيئات، هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية "تنمية"، وهيئة الموارد البشرية الاتحادية (ديوان الخدمة المدنية سابقاً)، وبرنامج الإمارات لتوظيف الكوادر الوطنية في إمارة دبي، ومجلس التوطين في أبوظبي، ودائرة الموارد البشرية في إمارة الشارقة، والمؤسسات المشابهة في الإمارات الأخرى، إضافة إلى اللجان المتخصصة التي أنشئت من أجل متابعة عملية التوطين مثال "لجنة توطين البنوك والمصارف"، فضلاً عن القرار الذي اتخذته الحكومة مؤخراً بشأن إنشاء "مجلس الإمارات للتوطين".

والهدف هنا ليس حصر الجهات المعنية بهذه المسألة فائقة الأهمية على المستوى الاستراتيجي للحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، وإنما توضيح أن الموضوع برمته يحظى باهتمام الدولة التي تسعى إلى سد هذه الثغرة لإيجاد الأنسب من الحلول واستئصال هذه المشكلة من جذورها.

ومع ذلك، وبالرغم من وجود كل تلك المؤسسات الفاعلة التي تبذل كل ما تستطيع لإيصال العنصر المواطن، الذي هو أغلى ثروات الوطن، إلى بر الأمان الوظيفي، فإن النتائج التي يتم رصدها مع نهاية كل عام تقييمي عادة ما تأتي سلبية وغير مرضية للحكومة و لأطراف العملية الإنمائية في المجتمع. الأمر الذي يجعلنا نخرج بنتيجة مؤداها أن هناك خللاً ما، أو فراغاً قد يكون تشريعياً أو قانونياً أو تنسيقياً، لا يزال يطرح نفسه كعقبة كأداء في منتصف كل خطة يُراد دفعها نحو تحقيق الإنجاز المطلوب فيما يتعلق بتقليل نسبة البطالة وزيادة معدلات التوطين في كل الأجهزة التي تمتّ إلى الحكومة بصلة كاملة أو مستقلة مالياً وإدارياً.

وتأتي هذه النتائج أيضاً في ظل وجود قرارات سيادية ملزمة لبعض قطاعات الأعمال في المجتمع تفرض عليها تحقيق نسب سنوية محددة لتوطين الوظائف تتفاوت بين قطاع وآخر، وذلك على النحو الآتي: 4% في قطاع البنوك والمصارف، 5% في قطاع التأمين، 2% في القطاع الخاص. وبالرغم من أن هذه النسب الملزمة متواضعة بسبب إدراك الحكومة ابتداء أن الأمر بحاجة إلى نوع من التدرج، وقد حصل ذلك فعلاً. ومع ذلك فإنه بعد مرور أكثر من عقد على تفعيل بعض هذه القرارات، فإن النتائج مازالت دون الطموح الحكومي والشعبي، وأكثر تواضعاً من النسب المئوية المقررة، وهذا بشهادة أهل الشأن.

ويلاحظ خلال الآونة الأخيرة أنه بدأ يبرز على سطح المجتمع المهتم بتوظيف أبنائه في فترة قياسية، حديث مكثف حول عدم مواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل، وكذلك عدم جدية المواطن في العمل أو الحفاظ على وظيفته. وهاتان النقطتان بحاجة ماسة إلى وقفة منصفة حتى لا نظلم أبناءنا الباحثين عن عمل أو المتمسكين بمواصلة التعليم العام والعالي من أجل مستقبل أفضل للوطن.

والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: ماذا يريد سوق العمل في الدولة من فلول الخريجين حتى يبتلعهم ولا ينغص عليهم معيشتهم؟ الإجابة السريعة تكمن فيما هو مطروح منذ عقود حول شماعة "المهارات" المطلوبة لسد احتياجات السوق وعلى رأسها إتقان "اللغة الإنجليزية"، حتى ولو كانت لغة الخريج العربية "مكسرة"؛ فالكسر هنا يجبر، أما في الحالة الأولى فلا يقبل.

وإذا قمنا باستعراض "المهارات" المطلوبة من أحد الخريجين الباحثين عن عمل حسب نموذج لسيرة ذاتية مفترضة، سنجد أن المهارات التالية هي المطلوبة: شهادة علمية في مجال التخصص؛ اجتياز امتحان الـ"توفل" في اللغة الإنجليزية؛ الحصول على الرخصة الدولية لقيادة الكمبيوتر (ICDL)؛ وجود استعداد تام لحضور أي دورة تحسن من الأداء الوظيفي؛ اجتياز المقابلة الشخصية؛ الموافقة المسبقة على الراتب الشهري؛ الالتزام بأخلاقيات العمل وفق اللوائح والأنظمة المعمول بها في أي قطاع؛ بعض المواهب التي يمكن أن تضيف إلى عمله الجديد؛ المبادرة للانضمام إلى دورات إضافية بعد ساعات الدوام الرسمي من أجل التطوير الذاتي؛ قبول أقل الميزات الوظيفية دون شروط مسبقة؛ الابتعاد قدر الإمكان في البحث عن الطموح للترقي إلى سلم المسؤولية مع ترك الأمر بيد المسؤولين عن جهة العمل أو التوظيف (وفق تقارير الأداء)؛ القبول بكل تحديات العمل مع توافر القدرة على التأقلم معها؛ وأخيراً القدرة على معالجة معوقات أداء العمل الأفضل بطريقة ذاتية.

وقد تتوافر هذه المهارات في بعض الخريجين الجدد من بين آلاف الباحثين عن عمل متيسر ومتوفر دائماً في الدولة، ولكن الخلل الواضح هنا يظهر عندما يُرفض هذا النموذج من سوق العمل، إما ابتداء أو بعد انتهاء فترة التدريب التي تعطي للطرفين حق الانسحاب من الميدان دون أي شروط، ومثل هذه الحالات لها أشباه في السوق التي تطلب في الخريجين شروطاً تعجيزية عند الاحتكاك بالميدان العملي والممارسة الفعلية لمتطلبات الوظيفة.

ولا شك في أن هذا الأمر بحاجة إلى تدخل مباشر من الحكومة عبر إقرار آليات محددة للتوظيف والتوطين حتى لا يفقد المجتمع أفضل عقوله وقدراته من الموارد البشرية التي تعتبر إضافة نوعية لإجمالي القوى العاملة في الدولة بحكم الندرة والقلة.

وفيما يتعلق بالأمر الآخر الخاص بعدم جدية بعض الخريجين في العمل، والذي قد يدفع بعض جهات التوظيف إلى تجميد تعيينهم في بعض المؤسسات، فإنه يحتاج هو الآخر إلى وقفة للبحث في الأسباب الحقيقة لهذا الأمر؛ لأن الباحث الحقيقي عن العمل ولا يملك خيارات أخرى لا يمكن أن يرفض الوظيفة لمجرد الرفض، فقد يكون عدم الجدية بسبب أن الوظيفة المتاحة متواضعة إلى درجة يمكن التندر حولها سواء لتدني الرواتب أو تدني الدرجة الوظيفية لمن يملك الشهادة المطلوبة التي على أساسها يتم التعيين.

وثمة حاجة أيضاً لمراجعة الطروحات التي يروج لها من يتحدثون عن عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، فنحن لا نستطيع أن نصدر حكماً مطلقاً بأن مخرجات التعليم بالدولة سواء في جامعاتها المحلية أو كلياتها التقنية التي أنشئت لغرض توفير الكوادر البشرية المؤهلة علمياً لا تستجيب لسوق العمل بعد أكثر من عقدين من عمل هذه الجامعات، كما لا ينبغي أن يكون سوق العمل هو الخصم والحكم في آن واحد على خريجي هذه الجامعات؟!

ولكن يمكننا تبسيط الأمر بالنسبة للمواطنين الباحثين عن عمل، من خلال توضيح أن دور المؤسسات التعليمية يقتصر فقط على إمداد الطالب بالمهارات الأساسية التي يحتاجها للدخول إلى سوق العمل، أما باقي المهارات المطلوبة فالمفترض أن يكتسبها الخريج الجديد في معترك الوظيفة، وهذا ما حدث لأول خريج في الدولة، وما سيحدث لكل قادم جديد، مع فارق نسبي في بعض المهارات التي يمكن استدراكها والموظف على رأس العمل وليس مفصولاً عنه.

نخلص من كل ما سبق إلى نتيجة مؤداها أن بيئة العمل في السوق المحلي بشكل عام طاردة للعمالة الوطنية الماهرة قبل غيرها؛ لأن عوامل الطرد فيها كانت أقوى من تلك الجاذبة، ويمكن للمؤسسات المعنية بتوظيف المواطنين القيام بدراسات ميدانية مكثفة على مئات الخريجين الذين لم يستمروا في أعمالهم لأشهر قليلة للتأكد من هذا الأمر، وكما يجب على هذه المؤسسات دراسة المشكلة بجدية وجمع المعلومات الوافية والدقيقة وتقديم التوصيات التي تساعد الحكومة بقيادتها الرشيدة على حل هذا اللغز.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات