الموازنات الخليجية لعام 2012 وآفاق الأوضاع الاقتصادية

  • 23 يناير 2012

تكتسب الموازنات السنوية أهمية خاصة لبلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وذلك بحكم الدور الاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي تضطلع به الدولة في هذه البلدان من ناحية، ولكون الإنفاق العام من خلال الموازنات السنوية لا يزال يشكل المحرك الأساسي للأنشطة الاقتصادية فيها من ناحية أخرى. ومن هنا ينتظر عالم الاقتصاد والأعمال سنوياً موعد الإعلان عن هذه الموازنات السنوية لمعرفة اتجاهات سير النمو الاقتصادي، خصوصاً وأن معظم مشروعات البنية التحتية تنفذ من خلال بند المشاريع في هذه الموازنات.

ومنذ عام 2003، أي مع بداية الارتفاعات الكبيرة لأسعار النفط، والتي تشكل نسبة تتراوح ما بين 80-90% من إيرادات هذه الموازنات، ودعت دول مجلس التعاون الخليجي العجز السنوي في موازناتها السنوية، والذي لازمها طوال عقد التسعينيات من القرن الماضي تقريباً؛ حيث عُكست الآية ليصبح الفائض سمة مستمرة للموازنات الخليجية منذ ذلك الوقت.

وبما أن الإنفاق العام له كل هذه الأهمية للاقتصاديات الخليجية، فقد عمدت دول المجلس إلى زيادته مع أول بادرة تشير إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط واستقرارها عند معدلات مرتفعة؛ إذ استقر يرميل النفط فوق 100 دولار للبرميل، كمتوسط للعام الماضي (2011)، مما ساهم في زيادة الإيرادات العامة، وبالتالي زيادة الإنفاق في الموازنات الخليجية مجتمعة بنسبة 19.3% ليصل إجمالي حجم الإنفاق الفعلي إلى 359.1 مليار دولار في عام 2011 مقابل إنفاق فعلي حدد بـ 301.1 مليار دولار في عام 2010.

ويلاحظ أن الإنفاق العام ارتفع في كافة دول المجلس تقريباً، لكن المملكة العربية السعودية شهدت أكبر ارتفاع بنسبة بلغت نحو 25%، وذلك بعد اتخاذ العديد من القرارات والمراسيم الملكية التي ساهمت في زيادة الإنفاق بمبلغ 224 مليار ريال (59.7 مليار دولار)، في حين تفاوت معدل زيادة الإنفاق بين بلد خليجي وآخر، فبلغ 22% في البحرين و11% في الكويت و9% في عمان.

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الميزانية الاتحادية، والتي تشكل نسبة متواضعة مقارنة بالميزانيات المحلية، وخاصة ميزانية أبوظبي، فقد بقيت مستقرة، إلا أن الموازنات المحلية لمختلف إمارات الدولة شهدت زيادات مهمة، حالها في ذلك حال البلدان الخليجية الأخرى.

وضمن الايجابيات العديدة لهذا الارتفاع في الإنفاق الخليجي، تأتي بعض القضايا المهمة المتعلقة باستمرار نمو الاقتصاديات الخليجية، وسرعة تعافيها من تداعيات الأزمات العالمية، وارتفاع مستويات المعيشة من خلال الزيادات التي شهدتها المرتبات والأجور بكافة دول المجلس في العام الماضي.

ومن الملاحظ أيضاً تضاعف الفائض الفعلي في الموازنات الخليجية في عام 2011 ليبلغ 106.7 مليار دولار، مقابل فائض مقدر في بداية العام بلغ 55 مليار دولار، وذلك على الرغم من ارتفاع الإنفاق الإجمالي لدول المجلس بنسبة 19.3% كما ذكر آنفا.

ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى سعر النفط المتحفظ للغاية الذي تعتمده دول المجلس عند إعدادها لموازناتها السنوية، والذي تراوح ما بين 55– 70 دولاراً للبرميل في الوقت الذي ارتفع فيه متوسط سعر البرميل بنسبة كبيرة عن هذا المعدل، وذلك إضافة إلى ارتفاع الإنتاج في بعض دول المجلس، والذي ساهم بدوره في زيادة العائدات النفطية، وبالتالي الإيرادات العامة.

ومع أن إجمالي تقدير موازنات عام 2012 المعلنة تشير إلى إمكانية انخفاض قيمة الإنفاق العام بنسبة 5.5% في العام الحالي (2012) عن إجمالي الإنفاق الفعلي لعام 2011 كما تشير البيانات أعلاه، إلا أنه يتوقع، وكما هو الحال في العامين الماضيين أن يرتفع الإنفاق العام ليتجاوز الأرقام المعلنة، خصوصاً وأن دول مجلس التعاون أعلنت حتى الآن عن تنفيذ مشروعات حيوية في البنية التحتية والطاقة، كقطار الاتحاد بدولة الإمارات العربية المتحدة وشبكة السكك الحديدية الخليجية، والتي ستصل تكلفتها الإجمالية إلى 25 مليار دولار، وينتهي العمل بها بحلول عام 2017.

ومما يدعم مثل هذه التوقعات الخاصة بزيادة الإنفاق العام بقاء أسعار النفط مرتفعة وفوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل في بداية العام الجاري؛ حيث تشير معظم التوقعات إلى أن هذه الأسعار سوف تبقى عند معدلاتها المرتفعة لأسباب عديدة. وإضافة إلى ذلك، فقد أعلنت معظم دول المجلس عن زيادة في إنتاج النفط مع حلول عام 2012 مما سيساهم في ارتفاع إيرادات هذه البلدان، ويشجع بدوره على زيادة كافة أوجه الإنفاق.

لذلك، فإنه من المتوقع أن تشهد الأوضاع الاقتصادية في دول المجلس المزيد من التحسن في العام الجاري، كما يتوقع أن حقق اقتصاديات هذه الدول نسب نمو جيدة تتراوح ما بين 5– 7% بالأسعار الجارية، كما تشير إلى ذلك تقارير العديد من المنظمات الدولية، كصندوق النقد الدولي.

وفي الوقت نفسه، فإن زيادة الإنفاق ستساهم بلا شك في تحسين نوعية الخدمات العامة، وبالأخص في مجالات التعليم والصحة والإسكان والبنى التحتية، والتي تستحوذ على جزءاً كبيراً من إجمالي الإنفاق العام، كما أن زيادة الأجور والرواتب بنسب مرتفعة في كافة دول المجلس ستساهم بدورها في ارتفاع مستويات المعيشة، وكذلك زيادة المدخرات، والتي لها أهمية كبيرة للنمو الاقتصادي.

أما النقطة الأضعف في الموازنات الخليجية، فإنها تكمن في استمرار اعتمادها شبه التام على عائدات النفط، وتواضع مساهمة القطاعات غير النفطية في العائدات السنوية للموازنات الخليجية، مما يشكل خللاً كبيراً لا بد وأن تعمد دول المجلس إلى وضع استراتيجيات لتلافي ذلك في المستقبل من خلال زيادة مساهمة القطاعات الأخرى في تمويل موازناتها؛ حيث توفر العائدات النفطية المرتفعة، وفوائض هذه الموازنات فرصة ذهبية لزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية غير النفطية وإقامة المزيد من المشروعات التي تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي.

وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من تجربة الموازنة الاتحادية بدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي أصبحت مصادر تمويلها في السنوات الخمس الماضية أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على القطاع النفطي، مما يشكل تجربة مهمة للغاية لا بد من دراستها والاستفادة منها في الجهود المبذولة لتنويع مصادر تمويل الموازنات الخليجية، والتي تشكل أهمية كبيرة ليس لتدعيم النمو الاقتصادي فحسب، وإنما لاستقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس بشكل عام.

Share