المنطقة العربية بين المشروعين التركي والإيراني

شحاتة محمد ناصر: المنطقة العربية بين المشروعين التركي والإيراني

  • 19 أغسطس 2008

تحظى المنطقة العربية بأهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة على المستوى العالمي؛ ففي باطنها يوجد نحو 62% من الاحتياطي العالمي من النفط، الذي يمثل المصدر الرئيس للطاقة، وتمثل مساحتها 10.2 في المائة من مساحة العالم، ويطل موقعها على بحار ومنافذ بحرية مهمة، وهي تضم كتلة سكانية كبيرة تزيد عن 300 مليون نسمة. ولهذا كانت، وما زالت، تمثل مسرحاً للمشروعات والمحاور والأحلاف الإقليمية والدولية المختلفة، التي سعت وتسعى إلى التحكم في تفاعلاتها والاستفادة من إمكاناتها، ومحاولة رسم خريطة التوازنات السياسية فيها بما يحقق مصالح أطرافها.

وقد عرفت المنطقة بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين العديد من هذه المشروعات مثل السوق الشرق أوسطية (وفي ظلها عقدت سلسلة مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الدار البيضاء 1994، وعمّان 1995، والقاهرة 1996، والدوحة 1997)، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي طرحته الولايات المتحدة بعد غزو العراق في عام 2003، إضافة إلى مشروع الشراكة المتوسطية وغيرها. وفي الوقت الذي اختفت فيه بعض المشروعات السابقة، وتعرض بعضها الآخر لمشكلات وانتكاسات كبيرة، فإن المؤشرات تقول إن المنطقة العربية واقعة الآن بين مشروعين إقليميين متنافسين يسعيان إلى ملء فراغ القوة أو الفراغ الاستراتيجي فيها، ولاسيما في ظل تعثر المشروع الأمريكي لإعادة رسم خريطة المنطقة ودمقرطتها، وتراجع مشروع الهيمنة الإسرائيلي بسبب الأزمة التي تعانيها عملية السلام، الأول؛ هو المشروع التركي، والثاني هو المشروع الإيراني. وإذا كانت كل مشروعات الهيمنة التي تعرضت لها المنطقة العربية على مر تاريخها الحديث قد استغلت غياب المشروع الخاص بأهلها، فإن المشروعين المتنافسين، الإيراني والتركي، يستثمران كذلك غياب المشروع العربي أو تعثره، لكي ينفذا إلى المنطقة عبر آليات مختلفة، سياسية وثقافية وأيديولوجية.

تستند تركيا في تقديم مشروعها للمنطقة العربية إلى العديد من الأسس، أولها؛ الأساس التاريخي-الديني؛ حيث تربط الجانبين علاقات تاريخية منذ عصر الامبراطورية العثمانية، كما أن المذهب السني الذي تتبناه تركيا هو المذهب الذي تتبعه الدول العربية. أما الأساس الثاني فسياسي؛ حيث تقدم تركيا نفسها إلى المنطقة كنموذج سياسي علماني بخلفية إسلامية معتدلة، يمكن أن يمثل حلاً للعلاقة المتوترة بين الدين والسياسة في كثير من البلاد العربية، أما الأساس الثالث؛ فهو اقتصادي مصلحي؛ حيث تنبع من الأراضي التركية مياه نهري دجلة والفرات اللذين يمدان العراق وسورية بالمياه، وهناك مشروع تركي كان قد طرح منذ سنوات لنقل المياه إلى الخليج العربي يعرف باسم "أنابيب السلام" ويتأسس على مبدأ "المياه مقابل النفط"، كما أن هناك مصلحة مشتركة بين الطرفين، العربي والتركي، تتمثل في الحرص على عدم قيام دولة كردية مستقلة في المنطقة. ومن أهم ملامح المشروع التركي أنه يقوم على العلاقة الطبيعية مع إسرائيل، والتحالف مع الولايات المتحدة، والتعاون في المجال الاقتصادي والحرب ضد الإرهاب. وقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة العديد من تجليات ومظاهر هذا المشروع، أهمها؛ الوساطة بين سورية وإسرائيل من أجل تحقيق السلام بينهما، وتطوير العلاقات التركية مع كثير من الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية ومصر وسورية، إضافة إلى التحرك التركي الملحوظ تجاه دول الخليج العربي سياسياً واقتصادياً، ومحاولة التدخل على خط الأزمة النووية الإيرانية.

أما المشروع الإيراني؛ فيستند، هو الآخر، في تحركه تجاه المنطقة العربية إلى عدة أسس، أهمها: الأساس المذهبي؛ فهناك العديد من الأقليات الشيعية في العالم العربي، والتي تعمل إيران على نسج علاقات قوية معها، واستثمارها بشكل أو بآخر، خاصة بعد "الصعود السياسي" للشيعة في الشرق الأوسط على ضوء ما حدث من تمكين للشيعة في العراق بعد 2003، وأداء حزب الله اللبناني في حرب يوليو/تموز 2006 مع إسرائيل. وأهم ملامح هذا المشروع هو العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، ومحاولة امتلاك القوة العسكرية "التي توازن القوة الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط"، وإعادة إحياء مبدأ تصدير الثورة إلى خارج الحدود، وتبني نموذج الدولة الدينية في مجال السياسة والحكم. ويعبر مشروع إيران في العالم العربي عن نفسه من خلال العديد من المظاهر أهمها؛ التمدد داخل العراق ولبنان، والعلاقات القوية مع حركة حماس في فلسطين، إضافة إلى نسج علاقات قوية مع العديد من الدول العربية مثل سورية والسودان والجزائر وليبيا وغيرها، فضلاً عما يثار عن وجود حركة تشيع في المنطقة تقف وراءها طهران، وإن كانت هناك بعض المبالغات في هذه المسالة من حيث حجمها وحدود تأثيرها.

ورغم الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى تركيا يوم 14 أغسطس 2008، فإن التنافس بين الجانبين على مد النفوذ وطرح "النموذج" الخاص بهم في المنطقة العربية، يبدو ظاهراً؛ فالوساطة التركية بين إسرائيل وسورية، على سبيل المثال، موجهة بالأساس إلى التحالف الإيراني-السوري؛ لأن تحقيق السلام بين دمشق وتل أبيب سيكون حتماً على حساب العلاقة بينها وبين طهران، كما أن تركيا ترى في سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي تهديداً لمصالحها الإقليمية، وإخلالاً بالتوازن الإقليمي لصالحها. ولذا لم يكن غريباً أن تخفق زيارة الرئيس الإيراني في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، لاسيما فيما يتعلق بالحصول على دعم تركيا للمشروع النووي الإيراني، وإنجاز بعض الاتفاقات المهمة بينهما في مجال النفط والغاز.

الصراع بين تركيا وإيران على ساحة العالم العربي هو الوجه الآخر للصراع بين محوري "الاعتدال" و"التشدد" في المنطقة، وهما المصطلحان اللذان صكتهما الولايات المتحدة، وظهرا بشكل خاص بعد انتهاء حرب لبنان 2006؛ حيث تُحسب إيران على محور التشدد، الذي يضم كذلك سورية وحزب الله اللبناني وحماس، بينما تُحسب تركيا على محور الاعتدال، الذي يضم مجموعة دول (6+3)، وهي دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى مصر والأردن والعراق. ومن خلال استقراء الأوضاع والتفاعلات التي شهدتها وتشهدها المنطقة، يمكن القول إن ثمّة أزمة يعانيها محور الاعتدال، وفكرة الاعتدال بشكل عام، وبالتالي المشروع التركي في المنطقة؛ فلم يعد لقوى محور الاعتدال الرئيسية، ولاسيما مصر والسعودية والأردن، دور ملموس أو مؤثر في الساحة الفلسطينية أو اللبنانية، كما تتسم العلاقات بين دول هذا المحور بالتباين والخلاف والتنافس، وهنا يمكن الإشارة إلى العلاقات الملتبسة بين السعودية وقطر، وزيارة العاهل الأردني إلى العراق مؤخراً، التي نُظر إليها على أنها رسالة سلبية إلى السعودية التي تتحفظ على العلاقة مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، فضلاً عن بداية التقارب الأردني مع حماس على حساب العلاقة مع السلطة الوطنية الفلسطينية.

على الجانب الآخر، يبدو محور التشدد في قلب الأحداث، وعلى رأس المشهد السياسي في المنطقة، فقد استطاعت سورية خلال الفترة الأخيرة أن تفك طوق العزلة الدولية والإقليمية التي حاولت الولايات المتحدة فرضه حولها، واستطاعت إيران أن تدفع القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى تقديم تنازلات مهمة في العلاقة معها، كما نجح حزب الله اللبناني، رغم الضغط الشديد الممارس ضده، بتحقيق بعض الاختراقات و"النجاحات" المهمة، لعل آخرها صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل. وفي الوقت الذي تظهر فيه الخلافات بين دول محور الاعتدال على السطح، فإن محور التشدد يحافظ على تماسكه؛ فلم تستطع المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل أن تنال من التحالف بين دمشق وطهران، ولعل زيارة الرئيس الأسد الأخيرة إلى إيران تؤكد ذلك.

هناك العديد من الأسباب التي تفسر أزمة محور الاعتدال وصعود محور التشدد، أولها أن السياسة الأمريكية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط تضر بهذا المحور وتضعه في موقف صعب أمام الرأي العام في المنطقة خاصة فيما يتعلق بعملية السلام، وهي تخدم من حيث لا تدري محور التشدد؛ ففي الوقت الذي يتبنى فيه محور الاعتدال السلام مع إسرائيل فإن مشروع السلام برمته يتعرض لأزمة خطيرة، دون أن تتحرك واشنطن من أجل إعادته إلى طريقه الصحيح. السبب الثاني هو أن محور الاعتدال يدفع ثمن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة وصورتها السلبية لدى الرأي العالم العربي أو قطاع كبير منه. والسبب الثالث أنه في الوقت الذي يتعثر فيه محور الاعتدال في تحقيق أي إنجاز ملموس على طريق السلام أو إنشاء الدولة الفلسطينية أو تحقيق الديمقراطية، يحقق محور التشدد من خلال سياساته "نجاحات" ملحوظة؛ حيث تمضي إيران في تطوير قدراتها العسكرية والنووية رغم معارضة الغرب، وما زالت حماس صامدة في غزة رغم الحصار حولها، أما حزب الله اللبناني فإن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة تمثل إنجازاً كبيراً له.

أزمة محور الاعتدال تعني أزمة لفكرة الاعتدال التي يقوم عليها المشروع التركي في المنطقة العربية، فيما تمثل صحوة محور التشدد انتعاشاً لفكرة التشدد والتحدي التي يقوم عليها المشروع الإيراني. ولكن هل يمكن أن يتفق المشروعان، التركي والإيراني؟

الاتفاق ليس مستبعداً بين الجانبين؛ لأن إيران، وبالرغم من تحديها للولايات المتحدة، قد تدخل في صفقة معها؛ فالحوار الفرنسي مع سورية، وحضور مسؤول أمريكي كبير لمفاوضات إيران مع الاتحاد الأوروبي، يشيران إلى تخلٍ واضح عن هدف محاصرة محور التشدد إقليمياً ودولياً، ويحملان رسالة إلى المعتدلين في المنطقة مفادها أن سيناريو الصفقة الغربية مع المتشددين على حسابهم قد أصبح وارداً. وإذا ما تم التوصل إلى هذه الصفقة، التي تحصل بمقتضاها طهران على دور إقليمي معترف به من قبل الغرب، فإن هذا سيقربها من تركيا، الحليف الإقليمي القوى للولايات المتحدة، ولاسيما أن بين أنقرة وطهران، مصالح استراتيجية مهمة تقتضي تعاونهما، وعلى الأخص فيما يتعلق بالملف الكردي.

 وفي حالتي الصراع أو الاتفاق بين المشروعين الإيراني والتركي في المنطقة العربية، سيكون ذلك حتماً على حساب مصالح العرب غير القادرين على صياغة مشروعهم الخاص الذي يحفظ دورهم في إدارة التفاعلات على ساحتهم، أو يمنع الآخرين من التدخل في شؤونهم الداخلية؛ لأن المشروع الإيراني يبحث عن مصالح إيران في المقام الأول وليس عن مصالح القوى العربية المرتبطة به، والأمر نفسه ينطبق على المشروع التركي.

إن المنطقة العربية، المهمة اقتصادياً واستراتيجياً للعالم كله، غير مسموح فيها بفراغ القوة، لأن هذا الفراغ، إذا ما وُجدَ، ستسعى قوى مختلفة، إقليمية ودولية، إلى ملئه والتمدد فيه، وطرح مشروعاتها وصفقاتها وخرائطها التي تسير في "الاتجاه المعاكس" للمصالح العربية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات