المناخ والغذاء مشكلات عالمية متشابكة

  • 26 مارس 2014

عندما يكون العالم مطالباً بزيادة إنتاجه الغذائي بنحو %60 بحلول منتصف القرن الجاري مقارنة بإنتاجه الحالي؛ لتغطية احتياجات الغذاء المتزايدة للسكان الذين من المتوقع أن يزداد عددهم بنحو 2.3 مليار نسمة إضافية مقارنة بالعدد الحالي، وذلك كما ورد في آخر تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة «الفاو»، وعندما يجد هذا العالم أنه أمام واقع بيئي متأزم، يتهدده تغيُّر المناخ وارتفاع درجات الحرارة، وتبدُّل أنماط هطول الأمطار، وتزايد الكوارث الطبيعية، خصوصاً في المناطق ذات الإمكانات الزراعية الكبيرة، فيما يعطّل تلك الإمكانات ويُلحق بالموارد الزراعية أضراراً يتعذر إصلاحها، فهذا يعني أن العالم مقبل على عقود يمكن وصفها بعقود المجاعات العالمية الواسعة.

التغير المناخي جلب إلى العالم حزمة معقدة من المشاكل البيئية، أضرت ومازالت تضر بواقعه الزراعي، وتقوض مساعيه الرامية إلى زيادة معدلات الأمن الغذائي إلى معدلات مقبولة، ومن أهم هذه المشاكل، ارتفاع مناسيب مياه البحار والمحيطات، فيما يتسبب في فيضانات متكررة وغرق السواحل وإغراق الأراضي الزراعية في بعض المناطق في العالم. ومن المشاكل أيضاً، تراجع معدلات سقوط الأمطار، ما نتج عنه جفاف مساحات زراعية شاسعة، وانتشار ظاهر التصحُّر في مناطق أخرى. إلى جانب ذلك، يواجه العالم مشاكل بيئية أخرى بسبب ظاهرة التغير المناخي، من قبيل التغيرات الجارية الآن على الخريطة العالمية لتوزيع الظواهر الطبيعية، والذي يفضي إلى إعادة توزيع الخريطة الزراعية، وتحوّل مناطق كانت قابلة للزراعة في الماضي إلى مناطق غير قابلة لها الآن، والعكس، فيما يضع العالم أمام معضلة جديدة، ويُفقده الكثير من الوقت والموارد المالية، من أجل تعويض الفاقد من الأراضي الزراعية بأراضٍ أخرى بالكفاءة نفسها.

ليست التغيرات المناخية بمفردها هي ما يضغط على الإمكانات الزراعية العالمية، وليست هي وحدها ما يمثل تهديداً للأمن الغذائي العالمي، فهناك حزمتا قيود أخريان في هذا الشأن: أولاهما ناتجة عن السياسات الزراعية والإمكانات الاقتصادية الضعيفة، وضعف الخدمات الزراعية الحكومية، وبخاصة في الدول النامية، ما يتسبب في تراجع جودة التربة الزراعية في العديد المناطق، واعتماد المزارعين على طرق إنتاج تقليدية، وسوء إدارة الموارد الزراعية العالمية واستنزافها، كموارد المياه التي يذهب نحو ثلاثة أرباعها إلى الزراعة بمفردها؛ بسبب انتشار طرق الري التقليدي في العديد من الدول، هذا إلى جانب الاستخدام غير المنضبط لمخزونات المياه الجوفية، الأمر الذي تسبب في استنزاف نحو خُمس مخزونها العالمي. الحزمة الثانية من القيود التي تحدّ من الإمكانات الزراعية العالمية ناتجة عن الأوضاع الأمنية والسياسية غير المستقرة في العديد من مناطق العالم، وبخاصة في الدول المنتجة للمحاصيل الزراعية، كما هو الحال الآن في روسيا وأوكرانيا وباكستان والسودان، وغيرها من مناطق العالم، والتي تتسبب في تعطّل الإنتاج وعدم انتظام الصادرات إلى الأسواق العالمية.

برغم أهمية حزمتي القيود الأخيرتين، وضرورة عدم إغفال معالجتهما من أجل إحراز تقدم حقيقي في قضايا الأمن الغذائي العالمي، فإنهما تظلان ذات طبيعة مرحلية ومؤقتة، ويمكن التعامل معهما بمزيد من الجهد والتنسيق العالمي، لكن تبقى الأزمة الحقيقية متمثلة في حزمة المشكلات البيئية المرتبطة بظاهرة التغير المناخي، التي تحتاج إلى جهود غير تقليدية، ترتبط بتغيير نمط المعيشة في المجتمعات، وإعادة النظر في نماذج التنمية وخططها في العديد من الدول، مع الأخذ في الاعتبار أن عدم التعامل بجدية مع المشكلات البيئية سيُخرجها عن السيطرة، لتتفاقم تداعياتها العالمية، ليجد العالم نفسه أمام مشكلة غذائية حقيقية في المستقبل.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات