المملكة العربية السعودية: المواقف العملية والأسلوب البرجماتي وسط منطقة ملتهبة

د. كينيث كاتزمان: المملكة العربية السعودية... المواقف العملية والأسلوب البرجماتي وسط منطقة ملتهبة

  • 3 يونيو 2007

تشكل المملكة العربية السعودية عنصراً مهماً في مساعي الولايات المتحدة الرامية إلى احتواء التهديدات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط ومنع تصعيد النزاع العربي-الإسرائيلي. وقد تنامى دورها بشكل كبير حتى أصبحت تمثل محوراً رئيساً للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؛ حيث تلعب المملكة دوراً لا غنى عنه بل ومركزياً في مساعي واشنطن لإدارة ما يطلق عليه المسؤولون الأمريكيون اليوم الأزمات الأربع المتزامنة في المنطقة، وهي: أزمة العراق؛ تزايد نفوذ وهيمنة إيران على المنطقة وتطويرها لبرنامجها النووي المثير للجدل؛ أزمة الصراع العربي- الإسرائيلي المعقد، وأخيراً الأزمة الداخلية في لبنان.

فعلى الصعيد العراقي تمارس السعودية نفوذها بطريقتين أساسيتين؛ الأولى عبر تقديم أو منع الدعم الدبلوماسي والمالي عن الحكومة العراقية التي تساندها الولايات المتحدة، والثانية من خلال ممارستها لنفوذها على القبائل العربية السنية وبعض الفصائل المسلحة، التي يقال إنها تتلقى تبرعات مالية وربما أسلحة من سعوديين أثرياء يسعون إلى  مساندة المجتمع السني العراقي المحاصر. وعلى الصعيد الإيراني يعتبر دور السعودية أساسياً في حشد الدول العربية السنية المعتدلة الأخرى من أجل موازنة النفوذ المتنامي لإيران وحلفائها الشيعة ومن ضمنهم أولئك الذين يهمينون على الحكومة في بغداد. وبحكم مكانتها الدينية في العالم الإسلامي كونها تضم الحرمين الشريفين فإن المملكة تعد عنصراً رئيسياً في أية اتفاقيات أو تسويات محتملة للنزاع العربي-الإسرائيلي، لاسيما ما يتعلق بتلك التي تخص ملف القدس. وقد لعبت السعودية دوراً مهماً في هذا الصدد؛ حيث عكفت منذ  أوائل ثمانينيات القرن الماضي على صياغة عدة مبادرات من أجل تسوية هذا النزاع. 

أما على الصعيد اللبناني فإن المملكة تمارس بعض النفوذ على الحكومة الحالية التي تخضع لنفوذ حركة 14 مارس/آذار وعلى رأسها تيار المستقبل الذي يترأسه النائب سعد الحريري نجل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري السنّي المذهب، والذي كان قريباً سياسياً من السعودية، وكوّن ثروته من العمل بقطاع العقارات وصناعة البناء في المملكة، وعندما أصبح رئيساً للوزراء بلبنان قام باستقطاب استثمارات هائلة من السعودية لبلاده.

ويلاحظ أنه في اثنتين من هذه القضايا الكبرى، إيران ولبنان، تكاد تتطابق المصالح الأمريكية والسعودية تطابقاً تاماً رغم اختلاف أسباب ومبررات موقف كل منهما. فكل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تريدان تقليص النفوذ الإيراني والقضاء على "الهلال الشيعي المتنامي" في المنطقة بقيادة طهران. وفي لبنان نجد أن كلا البلدين يريدان أن تظل حكومة السنيورة على رأس السلطة وأن يتم تقليص نفوذ حزب الله ومن ثم النفوذ الإيراني والسوري في هذا البلد. كما تتقارب مصالح الولايات المتحدة والسعودية نسبياً تجاه النزاع العربي-الإسرائيلي من حيث أن كلتيهما تريدان وضع حد لهذا النزاع، رغم أن للسعودية شروطاً تختلف عن رؤية الولايات المتحدة لتسويته.

أما بالنسبة لأزمة العراق فإن الولايات المتحدة والمملكة تختلفان اختلافاً كبيراً نسبياً من حيث طريقة تناول القضية والنظر إليها. ومع ذلك فإن هناك مجالاً لتقارب أكبر بين البلدين بشأن هذه المسألة، لاسيما في ظل الجدل الذي تشهده الساحة الأمريكية حول ما إذا كان يتعين على واشنطن الإبقاء على قواتها في العراق عند مستواها الحالي أم لا. ويبرز الخلاف في طريقة تعامل الجانبين مع الطوائف العراقية المختلفة؛ حيث نجد أن المجتمع العربي السني، المدعوم سعودياً، مصاب بالضجر والقلق من سياسة الولايات المتحدة التي تعتبر أن المقاتلين الذين يساندهم السنة العرب "أعداء" لها.

من ناحية أخرى جاءت الانتخابات ذات الصيغة الأمريكية التي أصرت واشنطن على إجرائها في العراق بحكومة شيعية إلى  السلطة، وهي الحكومة التي رفضت المملكة العربية السعودية دعمها مادياً أو تأييدها  ومشاركتها دبلوماسياً. غير أن عنصراً مهماً من عناصر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة يتمثل في حث الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد على الاتفاق والتوصل إلى  حلول وسط مع المجتمع العربي السني على مجموعة من الإصلاحات منها تعديل الدستور والتراجع عن مساعي التخلص من بقايا حزب البعث وسن قانون نفط جديد يضمن مشاركة كافة العرقيات والطوائف في ثروة العراق البترولية كل حسب نسبة عدد سكانه، إضافة إلى إصرار الولايات المتحدة على إجراء تلك الإصلاحات التي تقتضي جميعها تخلي الأطراف الشيعية عن انفرادها بالسلطة، كل ذلك ساعد على إحداث نوع من التقارب بين الموقفين الأمريكي والسعودي من هذه المسائل.

ومن المواقف التي تختلف فيها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بشكل كبير، الطريقة التي يتبعها كلا البلدين في تحقيق مصالحهما في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة وبحكم كونها القوة العظمى الوحيدة المتبقية على الساحة العالمية، لا تخشى المواجهة ولا تتردد في نشر المزيد من القوات البحرية بالقرب من الساحل الإيراني، كما أنها ساندت إسرائيل بشكل صريح وعلني في حربها خلال صيف عام 2006 ضد حزب الله، وهي تسعى علناً إلى عزل سورية من خلال سحب سفيرها في دمشق والضغط باتجاه إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في اغتيال الحريري.

أما المملكة العربية السعودية فتتبع منهجاً مختلفاً كل الاختلاف، فهي من ناحية أولى تحاول تفادي الدخول في مواجهات مع جيرانها، وتفضل دائماً أسلوب المفاوضات وحلول الوساطة حتى وإن كانت تلك الحلول لا تخدم كافة المصالح السعودية، سعياً منها لحل النزاع. وهذا يفسر قبول السعودية لمفاوضات مطولة مع أطراف فاعلة إقليمياً مثل حماس وحزب الله وإيران رغم أنها لا تثق في هذه الأطراف الثلاثة باعتبارها مؤيدة للتطرف المسلح الذي تتبناه الميليشيات المسلحة في المنطقة. فحزب الله وإيران على اتصال مباشر بالمنشقين الشيعة في المملكة نفسها. كما أن حماس تشكل حركة سنية تختلف أصولها عن أصول تنظيم القاعدة ، ولكن لديها الاستعداد للارتباط بالمتطرفين السنة في السعودية. علاوة على أن الحركة تعتبر معارضة لحركة فتح التي طالما ساندتها المملكة بصفتها تمثل الحركة الوطنية الفلسطينية، ومع ذلك فإن المملكة تميل إلى اتباع دبلوماسية الحوار والحلول السلمية.

ومن ناحية ثانية، فإن السعودية دولة تؤمن بهويتها العربية، وهذا واضح في سياساتها، ولا يأتي ضمن أولوياتها أن تصيغ حلاً عربياً-إسرائيليا يضمن أمن اسرائيل أو ينظر إليه على أنه في غير مصلحة الموقف العربي. ورغم أن للمملكة العربية السعودية وإسرائيل حالياً عدواً مشتركاً هو إيران يدفع البلدين في الوقت الراهن إلى  قدر غير مسبوق من توافق السياسات في لبنان وفي غيرها من المناطق، إلا أن السعودية تسعى إلى  حماية المصالح العربية أولاً، ومن الممكن أن تقبل حلاً عربياً-إسرائيليا يمنح إسرائيل الحد الأدنى المطلوب للتوصل إلى  اتفاق.

إن بغض السعودية لسياسة المواجهة وحرصها على هويتها العربية يعنيان أنه لن يتم حماية المصالح الأمريكية بالشكل الكافي أو خدمتها إذا ما فوضت الولايات المتحدة سياستها تجاه الشرق الأوسط للرياض. ومع ذلك فإن هذه الخصائص التي تميز السعودية هي التي تعوض ضعف الولايات المتحدة في المنطقة، وتتكامل مع صورة واشنطن الإقليمية التي ينظر اليها على أنها عدوانية ومناهضة للعرب. وبهذا المنطق فإن السعودية والولايات المتحدة تشكلان شريكين مثاليين لا يمكن لواحد منهما العثور على حلول ملائمة لمشكلات المنطقة منفرداً. وتاريخ التحالف الأمريكي-السعودي الطويل يشير إلى  أن الدولتين في مقدورهما التوصل إلى  اتفاق بينهما على الصورة التي ينبغي أن تكون عليها تلك الحلول والنتائج.

Share