الملف النووي الإيراني: تقييمات استراتيجية متباينة

د. باسكال بونيفاس: الملف النووي الإيراني... تقييمات استراتيجية متباينة

  • 30 سبتمبر 2005

يفيد التقرير السنوي الذي نشره أخيراً المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن (IISS)، بأن إيران لا تمتلك القدرة النووية العسكرية، وأن بلوغ تلك القدرة يتطلب منها في أحسن (أو أسوأ) الأحوال العديد من السنوات. ويقول المعهد: "يبدو أن إيران لا تمتلك مخزونات كافية من المواد التي تستعمل في تصنيع الأسلحة النووية غير المصرح بها، كما لا يبدو أنها تخفي منشآت قادرة على إنتاج مثل هذه المواد".

ولا شك في أن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يتمتع بسمعة دولية جيدة، ويعتبر مرجعاً في القضايا الاستراتيجية. كما أن البعض يرى أنه يميل جداً إلى جانب الولايات المتحدة عموماً ووزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" خصوصاً، وأنه كان دائماً من المدافعين عن أطروحات واشنطن من الناحية الاستراتيجية. ولقد سبق لـ "مستودع الأفكار" هذا أن أكد جهاراً نهاراً، قبل اندلاع حرب العراق في عام 2003، أن هذا البلد يمتلك أسلحة الدمار الشامل، مقدماً بذلك ما يمكن اعتباره تقييماً استراتيجياً من جهة مستقلة، وفي الوقت المناسب، من أجل تزكية المشروعات الحربية التي كان المحافظون الجدد في أمريكا يعتزمون تنفيذها. ولكن تبين فيما بعد أنه، ومهما كانت الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى نظام صدام حسين، لا أساس من الصحة لتهمة حيازة أسلحة الدمار الشامل. واستناداً إلى ذلك، يمكن القول إن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية كان مساهماً في هذه "الملحمة"، حيث عزز التوجه نحو قرار الحرب الذي ثبت لاحقاً افتقاده للذرائع والجدوى.

ولقد تم تأكيد هذا التشخيص المطمئن الذي أبداه المعهد في العالم الغربي من قبل خبراء آخرين معروفين بدفاعهم عن الأطروحات الأمريكية، واستبعدوا هم أيضا المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. ومع ذلك، كانت هذه الأطراف قد أكدت منذ ستة أشهر أنه لم يبق لإيران سوى سنة واحدة للحصول على السلاح النووي، وأنه بات من الضروري التحرك من أجل الحيلولة دون ذلك. فكيف يمكن إذاً تفسير هذا التغيير في الوجهة؟ إن الأمر يتعلق بنقاش مكثف يجري حالياً على مستوى واشنطن بخصوص الموقف الذي يتعين اتخاذه حيال إيران.

لقد أخفت إيران، الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، لمدة طويلة جزءاً من أنشطتها النووية عن المفتشين الدوليين. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن ذلك يشكل دليلاً واضحاً على رغبتها في صناعة سلاح نووي في الخفاء، الأمر الذي يهدد أمن المنطقة برمتها، ولاسيما استمرارية وجود إسرائيل. ومن ثم، كان لزاماً تجنب هذا السيناريو بأي وسيلة كانت، حتى وإن استدعى الأمر شن حرب وقائية تحقيقا لهذا الغرض.

على الجانب الآخر، يرى البعض أن المشكلة تكمن في إحساس الإيرانيين بالعزلة وعدم الأمان، لاسيما حيال "عدوانية" الولايات المتحدة، ومن ثم كانوا يودون الحصول على قوة ردع تؤَّمن لهم الحماية المطلوبة.

إنه التناقض الذي يكتنف هذا الوضع إلى حد ما. ففي الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، بل والعديد من بلدان الشرق الأوسط، إيران مصدر تهديد، فإن طهران تعتبر نفسها مهددة لأنها معزولة في المنطقة. وإذا كانت إيران تصرح علانية بأنها تريد احترام التزاماتها فيما يتعلق بحظر انتشار الأسلحة النووية، فإنها تنوي الاحتفاظ بحقها السيادي في ممارسة الأنشطة العلمية بما تتضمنه من أساليب مثل تخصيب اليورانيوم. إن موقف الإيرانيين مقبول من الناحية القانونية، ذلك أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية تنص على حق البلدان الموقعة عليها في تطوير التقنيات النووية في المجال المدني. وعلاوة على ذلك، لم تقم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشرف على تنفيذ المعاهدة السالفة الذكر، في يوم من الأيام بتوجيه أي اتهام لطهران في هذا الشأن. ولكن واشنطن ترى أن اهتمام بلد بترولي بالمجال النووي يعد في حد ذاته مؤشراً إلى إرادة الاستخدام العسكري، وتتخوف من إمكانية استخدام إيران التكنولوجيا المدنية للتخصيب في الأغراض العسكرية بمجرد حصولها عليها.

عقب سقوط بغداد، في شهر أبريل/نيسان 2003، كان السؤال الجوهري الذي ما فتئ يُتداول بين الناس يتعلق بالعاصمة الثانية التي ستؤول إلى السقوط؛ طهران أم دمشق؟ ولقد كان لدى الأمريكيين الرغبة في إعادة تنفيذ السيناريو العراقي، مؤكدين أن إيران تمتلك أيضاً برنامجاً نووياً غير مصرح به، وهو أمر قد يشكل خطراً كبيراً للغاية لم يعودوا يستطيعون تحمله أكثر من ذلك. ومن جهة أخرى، كانوا يعتقدون أن الإيرانيين لا يطلبون إلا شيئاً واحداً هو مساعدتهم على التخلص من النظام الراهن. وأما الأوروبيون، المتخوفون إلى حد ما، فقد اقترحوا اللجوء إلى الحلول الديبلوماسية، تفادياً لاندلاع حرب جديدة. ولقد قبلت الولايات المتحدة هذا الاقتراح على أن تتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم.

وكان الأمريكيون يصرحون بأنه إذا رفض الإيرانيون الاقتراح الأوروبي، فسوف يتم إخطار مجلس الأمن. ولقد وعدوا إيران بتزويدها بالوقود النووي المخصب، شريطة أن تتراجع عن الحصول على قدرات تخصيب مستقلة، وهو الأمر الذي رفضته إيران، مؤكدة حقها القانوني في الحصول على تكنولوجيا التخصيب، استناداً إلى عدم منطقية منعها من القيام بنشاط لا تحرمه المعاهدة ذاتها.

بموازاة هذا، فقد أعرب الإيرانيون عن أسفهم لكون الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب رسمياً في إقامة حوار استراتيجي معهم، كما أنها ترفض منحهم الضمانات الأمنية التي يطالبون بها، ملمحين، في هذا السياق، إلى المساعدة التي سوف تقدمها واشنطن للهند في المجال النووي، ناهيك عن البرنامج الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن الإيرانيين اليوم أكثر اطمئناناً. فلقد ساهمت التهديدات الأمريكية في انتخاب المرشح"الراديكالي" أحمدي نجاد ضد المرشح الذي صنف "براجماتياً معتدلاً" هاشمي رفسنجاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كما أن الولايات المتحدة على وجه الخصوص لم تعد تدعو إلى استخدام خيار الحرب، ليس لأنها غيرت رأيها في شأن طهران، وإنما لأنها لم تعد قادرة على تجاهل الحقيقة التي يفرضها الواقع. فالقوة العالمية الأولى أصبحت تواجه معضلة في العراق، ولم يعد لديها القدرات العسكرية التي تسمح لها بشن حرب جديدة، ليس من شأنها أن تحسن صورتها الدولية، بل من الممكن جداً أن تكون سبباً في تشجيع الإرهاب أكثر فأكثر.

وعلى صعيد آخر، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى إيران من أجل تهدئة الأوضاع في العراق، أو على الأقل من أجل تفادي تصعيد جديد هناك. واستناداً إلى ذلك، فإن الإيرانيين يرون أنفسهم في موضع قوة يسمح لهم، إلى حد ما، بعدم الرضوخ للضغوط الخارجية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات