الملف النووي الإيراني بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما

إبراهيم عبدالكريم: الملف النووي الإيراني بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما

  • 29 يونيو 2009

تُظهِر متابعة المواقف الإسرائيلية والأمريكية وجود حالة تباين (تشابه واختلاف) في التقديرات بين الجانبين حول الشؤون الإيرانية. وتبدو ملامح هذه الحالة في العديد من التفصيلات المتعلقة بسبل التعامل مع النظام الإيراني وسياساته ومشروعه النووي.

 في دائرة التشابه، تتفق الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية على أن إيران تحاول بسط هيمنتها على محيطها الإقليمي، وهو أمر يؤدي إلى تخوّف وتحفّز شديدين لدى غالبية دول المنطقة. كما تتفقان على أهمية استغلال هذه الحالة لإنشاء تفاهمات قد تصل إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وهذه الدول لمواجهة ما يسمى "الخطر الإيراني المشترك". وتتلخص التقديرات الإسرائيلية والأمريكية لخطورة المشروع النووي الإيراني بأن هذا المشروع يعدّ تهديداّ وجودياّ حقيقياً على إسرائيل، وأنه يطال بتأثيراته منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بأسره. لهذا، يوجد بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما، تفاهم عام، ربما يكون مكتوباً، حول عنوان عريض هو "منع إيران من حيازة قدرة نووية عسكرية".

 وفي دائرة الاختلاف بين الموقفين الإسرائيلي والأمريكي، يلاحظ المراقبون وجود فجوة بشأن سبل الترجمة العملية لحرمان إيران من امتلاك سلاح نووي؛ حيث تلعب إدارة أوباما دور "الشريك العاقل" الداعي إلى التروّي، مقابل التوجهات "الحربجية" التي تبديها حكومة نتنياهو. وعلى هذه الخلفية، تحاول إسرائيل تغيير المفهوم الأمريكي الحالي إزاء المشروع النووي الإيراني.. ولكن كيف؟

 توضح إسرائيل أنه لا يمكنها التراخي أمام التحدي الإيراني، وأن النظرية الأمنية الإسرائيلية لا تضع في اعتباراتها التسليم بنجاح إيران بصناعة السلاح النووي والتعايش مع حالة كهذه، بل تهيئ إسرائيل نفسها للقيام بأي عمل يعيق امتلاك إيران السلاح النووي، مهما كلف ذلك، ومهما كانت نتائجه. وتركز حكومة نتنياهو على الخطر الإيراني الداهم، الذي يقتضي عدم تكرار تجربة انتظار أمريكا حتى الهجوم على بيرل هاربر، كي تدخل الحرب؛ لأن "القنبلة النووية الإيرانية باتت على الأبواب". كما تحذّر حكومة نتنياهو من تكرار ما تسميه نهج "التصالحية والتلعثم" الذي اتبعته إدارة أوباما مع التجربة النووية الكورية والذي سيؤدي إلى النتيجة ذاتها مع إيران.

 ويرى نتنياهو في عملية إزالة الخطر النووي الإيراني "مهمة حياته". حتى إنه قبل أن يصعد إلى الحكم نقل عنه قوله في أحاديث مغلقة؛ "إن هذه العملية قد تكلف آلاف القتلى، ولكن ثمنها سيكون مبرراً حين يؤخذ بالحسبان التهديد الوجودي". ومع أن نتنياهو تأرجح بين خيار التصدي الإسرائيلي المنفرد للمشروع النووي الإيراني، وخيار الانخراط مع الأسرة الدولية وعدم تصدّرها جبهة الصراع ضد إيران، فإنه أخذ يميل بعد لقائه مع أوباما (18/5/2009) إلى المزج بين هذين الخيارين؛ الاستعداد العسكري والاستراتيجي للتصدي للخطر الإيراني، وربط الولايات المتحدة ودول العالم بهذا الأمر.

 من جانبه، ينصت الرئيس أوباما باهتمام شديد للآراء الإسرائيلية، ولكنه لا يستجيب آلياً لإلحاح إسرائيل على التحرك العسكري الفوري ضد إيران. وتسوق إدارة أوباما ثلاثة مبررات لرفض الخيار العسكري حالياً، هي: إعطاء فرصة للحوار مع إيران؛ تعقد العملية العسكرية وآثارها الإقليمية والدولية المدمرة، وخاصة في ظل وجود قوات أمريكية وغربية في العراق وأفغانستان وسواهما؛ وعدم توافر الإجماع الداخلي الأمريكي والدولي على جدوى هذا الخيار.

 ومن النقاط الخلافية بين الطرفين، عنصر المدى الزمني للعمل السياسي والدبلوماسي؛ ففي حين تصر إسرائيل على عبثية إدارة محادثات مع إيران إلى الأبد، ووجوب تحديد موعد نهائي لإيران (ثلاثة أشهر مثلاً)، وعدم منحها الفرصة لاستخدام المحادثات ذريعة لاستمرار التطوير النووي، يميل التفكير الأمريكي إلى عدم وجود مبرر للمواعيد، لكن مع تلويح إدارة أوباما بعامل الزمن، عبر تأكيد أنها سُتجري في نهاية العام الجاري تقويماً للوضع بشأن تقدم المحادثات، وإذا كانت نتيجة التقدير سلبية، فسيتم تشديد العقوبات على إيران.

 ومقابل الأحاديث والتسريبات الإسرائيلية المتكررة حول الخيار العسكري الإسرائيلي، والاستعدادات الجارية لتنفيذه، ردت إدارة أوباما بثلاث طرق؛ الأولى: تتضمن التحذير من مخاطر المغامرة الإسرائيلية على إسرائيل والمنطقة والعالم. والثانية: الطلب من إسرائيل علناً بأن تمتنع عن الهجوم. والثالثة: ضرورة التنسيق الإسرائيلي مع الولايات المتحدة وعدم مفاجأتها بعملية عسكرية ضد إيران. وارتباطاً بذلك، نشأ انطباع في الأوساط الإسرائيلية والأمريكية المعنية بأن إسرائيل لن تجازف بقصف إيران في ظل معارضة أوباما، وأن إدارة أوباما أيضاً لن تهاجم إيران، إلا إذا حدث تطور نوعي كبير غير متوقع، شاذ أو مزلزل.

 في هذه الأثناء ظهر معطى جديد، لا يمكن عزله عن النقاش حول الخيار العسكري، يتعلق بالمدة اللازمة لقيام إيران بتصنيع السلاح النووي. فبعد تقرير أجهزة الاستخبارات الأمريكية أواخر عام 2007، الذي فاجأ العالم بأن إيران أوقفت جهود تطوير الأسلحة النووية منذ عام 2003، وأنها لن تصل إلى إنتاج سلاح نووي قبل عام 2015، لم ينشر أي تقرير أمريكي يخفض سقف هذا التقدير. أما في إسرائيل، التي أظهرت امتعاضها من "الطمأنة" الأمريكية، فقد ظهرت تخمينات متعددة، أبرزها تلك التي تتحدث عن عام أو عامين (2010) كحد أقصى لقيام إيران بتصنيع أول سلاح نووي. ولكن في السادس عشر من حزيران/ يونيو الجاري ألقى رئيس "الموساد" مئير داغان قنبلة استخبارية من العيار الثقيل، حين قدّر أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بأن إيران ستملك القنبلة النووية الأولى عام 2014، في حال تواصل البرنامج النووي الإيراني بالوتيرة الحالية دون عرقلة. وكان من الطبيعي أن يجرَّ هذا التقدير ردود فعل إسرائيلية غاضبة. لماذا؟.. لأن ذلك يعني التشكيك بالأسس التي تستند إليها سياسة نتنياهو، الذي يدأب على التحذير من الخطر الإيراني ومن الساعة الرملية التي توشك على النفاد، فضلاً عن أن تصريح داغان يقدم فرصة إضافية للولايات المتحدة للتحرر من بعض أشكال الضغوط الإسرائيلية وضغوط اللوبي الصهيوني الخاصة بعامل الزمن. 

 وباعتبار أن المسألة المثارة ترتب على الشريكين الاهتمام المتبادل بالتعبيرات السياسية والعملية لكل منهما، فقد أبدت حكومة نتنياهو ارتياحها من بعض تفصيلات الموقف الأمريكي، وفي مقدمتها؛ تصريح الرئيس أوباما ذات مرة بأن إسرائيل في مدى النار، وتلميحه إلى أن أمريكا لن تمنعها من الدفاع عن نفسها، وتأكيده أنه لن يقرر للإسرائيليين احتياجاتهم الأمنية. وثمّن المسؤولون الإسرائيليون عالياً تصريح أوباما بأنه يرى في التسلح النووي الإيراني خطراً على أمن الولايات المتحدة والعالم، وتعهده المتكرر بمواصلة العمل لمنع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية. كما أثنوا على تأكيد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون (في مقابلة مع شبكة ABC 7/6/2009) بأن الولايات المتحدة ضامنة لأمن إسرائيل، وأنها سترد بشدة على أي هجوم نووي إيراني.

 ولكن، بالمقابل، تبدي إسرائيل استياءها من تفصيلات أخرى في الموقف الأمريكي حيال إيران، أبرزها؛ نهج إدارة أوباما الساعي إلى الحوار مع إيران، والذي ترى فيه المؤسسة الإسرائيلية انهزاماً أمام ما تسميه "عربيد الحارة"، وعدم تركيز أوباما على الموضوع الإيراني في "خطاب القاهرة"، والربط بين النووي الإيراني والشأن الفلسطيني، وخاصة مطالبة إسرائيل بتجميد الاستيطان وتفكيك البؤر الاستيطانية، وهو ما تعتبره إسرائيل يخدم إيران، ويجعل "العمل ضد آيات الله رهينة في يد الفلسطينيين"، ويولّد توتراً بين إسرائيل والولايات المتحدة، فيما ترى واشنطن في ذلك الربط عاملاً مساعداً لها في مساعيها لتجميد البرنامج النووي الإيراني.

 وفي سبيل صياغة موقف مشترك يقلل الاحتكاك بين الطرفين، قام نتنياهو بعد أسبوع من زيارته واشنطن، بإرسال وفد إسرائيلي (برئاسة وزير شؤون الاستخبارات دان مريدور، وعضوية مستشاري رئيس الحكومة عوزي أراد ويتسحاق مولكو) ليبحث مع المسؤولين الأمريكيين تشكيل طواقم عمل مشتركة حول الملف النووي الإيراني والتسوية مع الفلسطينيين. ولوحظ أنه بتأثير التشدد الأمريكي في هذا المنحى، أخذ نتنياهو يتحدث عن إخلاء بؤر استيطانية من أجل "مواجهة التحديات الماثلة أمام إسرائيل وأولها الخطر النووي الإيراني"، ورأى مراقبون إسرائيليون في ذلك تراجعاً في مواقف نتنياهو المتشددة وقبولاً بالمعادلة الأمريكية التي تربط الملف الإيراني بملف المستوطنات.

 وعلى الرغم من أن المواجهة الإسرائيلية-الأمريكية المشتركة للملف النووي الإيراني لا تزال قيد البحث على مستوى الخبراء، فإن إسرائيل أصدرت حكماً مسبقاً خلاصته أن الحوار الذي يقترحه أوباما على إيران لن يحقق شيئاً. وتنظر إسرائيل بعين الريبة لصيغة أمريكية تتبلور تدريجياً، تتمحور حول مصطلح جديد يتردد في الغرف المغلقة هو Blockade، ويعني "إطباق الحصار"، أي تنحية خيار الحرب، عبر اعتماد العقوبات الدولية تصاعدياً، لتبلغ ذروتها حتى الخنق، وتأليب السكان على النظام الإيراني من الداخل، لإسقاطه، أو لإجباره على الاستسلام. وباعتقاد العديد من المتخصصين الإسرائيليين، فإن هذه الصيغة لا تتعظ بما يكفي من تجربتي كوبا وكوريا الشمالية، ولا تدرك خصائص الشخصية الإيرانية.

 ومن الواضح أن المواقف الأمريكية الإسرائيلية من التطورات الإيرانية الأخيرة (مرحلة الانتخابات وما بعدها) تضيف إلى المشهد القديم بعداً جديداً قد يترتب عليه تغيير بعض أنماط السلوك والمفاهيم. فقد اتخذت إدارة أوباما موقفاً سلبياً من نتائج الانتخابات، ولكنها لم تعبّر صراحة عن دعمها العلني للإصلاحيين، حتى لا تبدو المظاهرات في إيران وكأنها تتم بتحريك من الخارج، وبالتالي عدم إلحاق ضرر بالمتظاهرين قد يجرّدهم من الشرعية، لكن في موازاة ذلك من المتوقع أن تكون إدارة أوباما بصدد اعتماد أسلوب "الأداء السري الفاعل" الذي لا يجعل الأمور تحدث بصورة تلقائية فقط. ويمكن القول إن إدارة أوباما لا تريد الوقوف علناً إلى جانب الخاسر؛ لأن أمام متظاهري طهران فرصة محدودة جداً للانتصار، كما أنها لا تريد إضعاف احتمالات نجاح الحوار مع النظام الإيراني المفترض أن يبدأ قريباً؛ لأن استمرار المظاهرات في إيران يؤخر الدخول في الحوار، إلا إذا قادت المظاهرات إلى تغيير دراماتيكي في الهيكلية السياسية الإيرانية، وهو احتمال ضئيل.

 أما على الصعيد الإسرائيلي، فقد برز تياران في توصيف التطورات الإيرانية؛ الأول محدود، ويرى أنه من الأفضل لإسرائيل أن تكون على رأس إيران "قيادة معتدلة" تهدئ المنطقة، وليس قيادة ساعية لتأجيجها، وأن المظاهرات توفر فرصة حقيقية للتغيير في إيران لأول مرة منذ 30 سنة. والثاني واسع، ويرى أن انتصار أحمدي نجاد يعدّ "عاملاً مساعداً" في تعزيز الدعاية السلبية ضد طهران، لكونه يكره إسرائيل وينكر "كارثة المحرقة" ويعمل على تقدم البرنامج النووي ويعبّر بشكل أكثر شفافية عن مواقف القيادة الإيرانية. أما انتخاب مير موسوي فكان من شأنه أن يسمح بتحطيم طوق العزلة حول إيران، ويمنح شهادة ضمان للنظام ويقربه من تصنيع السلاح النووي أكثر.

 وبصرف النظر عن التمايز بين هذين التيارين، يُجمع الإسرائيليون على أنه من المحظور نسيان أن المشروع النووي يتمتع بإجماع شعبي واسع لدى الإيرانيين، وتعتقد غالبية الجهات الإسرائيلية أن مشكلة إسرائيل مع إيران ليست القنبلة النووية فقط، وإنما النظام الحاكم فيها. ولا تختلف التصورات الأمريكية عن هذا الاعتقاد، وهو ما يسهم في إبقاء الموضوع الإيراني برمّته على طاولة التداول الإسرائيلي-الأمريكي، بانتظار الاتفاق على مخرج مناسب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات