المكوك "كولومبيا" بعيدا عن السياسة

  • 3 فبراير 2003

في مأساة فضائية هي الثانية من نوعها بعد سقوط المركبة الفضائية "تشالنجر" عام 1986، سقط أول من أمس مكوك الفضاء الأمريكي المعروف باسم "كولومبيا" أثناء هبوطه إلى الأرض بعد رحلة فضائية استمرت ستة عشر يوماً، مما أدى إلى مقتل روّاده السبعة وهم خمسة أمريكيين وهندية إضافة إلى إسرائيلي.

ولا شك في أن المأساة في هذا الحادث مزدوجة، فهي مأساة علمية تنبع من أهمية المكوك "كولومبيا" العلمية والمهام التي قام بها، حيث نفذ المكوك 2,6 رحلة فضائية ناجحة استطاع فيها دراسة العديد من الظواهر الكونية وإضافة المزيد من المعرفة الإنسانية عن العالم المحيط. وهي مأساة مادية بشرية، حيث فقد علم الفضاء سبعة من روّاده المدربين والمتخصصين الذين صرفت عليهم مبالغ طائلة لإعدادهم وتأهيلهم ولا يمكن تعويضهم بسهولة أو في وقت قصير. وفي مثل هذه الحوادث تتراجع خلافات السياسة أو يجب أن تتراجع وتطغى المشاعر الإنسانية المشتركة، ولهذا فإن الولايات المتحدة قد تلقت التعازي في روّاد المكوك من الأصدقاء والأعداء في الوقت ذاته، فمثلما قدمت بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية تعازيها قدمت التعازي كوبا أيضاً كما قدمت إيران، التي تضعها واشنطن ضمن محور الشر، تعازيها إلى عائلات الضحايا، وإن لم تشر إلى الضحية الإسرائيلي.

والواقع أنه إذا كان من المتفق عليه أن إنجازات ونجاحات العلم في المجالات كلها تقدم خدمة عامة للبشرية تسهم في ارتقائها وتقدمها وتجعل من الحياة أكثر راحة وسهولة بصرف النظر عن أي استغلال له ينحرف به عن أهدافه الأصلية، فإن سقوط "كولومبيا" ليس حادثاً أو كارثة أمريكية فحسب، وإنما كارثة علمية تهم العالم كله. وعدم إدراك هذا المعنى، فضلاً عن وجود إسرائيلي على متن المكوك، هو إيلان رامون الطيار الذي شارك في حرب أكتوبر 1973 وفي الهجوم على المفاعل النووي العراقي في عام 1980، وكون المكوك أمريكياً في وقت تتزايد فيه مشاعر الغضب العربي الإسلامي إلى إظهار "التشفي أو الشماتة" فيما حدث، خاصة من قبل الذين يخلطون كل شيء بالسياسة أو يخلطون السياسة بكل شيء، ولا ينظرون إلى الأمور إلا من خلالها، وربما يقحمون الدين بشكل قسري في الأمر فيصورون الحادث على أنه "انتقام رباني" أو "أمر إلهي" مثلما حدث بعد وقوع أحداث سبتمبر عام 2001. وإذا حدث هذا فسيكون دليلاً على قصر النظر والجمود العقلي وعدم القدرة على التمييز بين الأمور وتشوية الجوهر الإنساني للحضارة العربية والإسلامية الغنية والثرية بقيم المشاركة والحب والتسامح والرافضة لـ "الشماتة" والحقد الأعمى، فضلاً عن أنه سوف يضر بصورة العرب والمسلمين بالعالم في وقت هي في غنى عن المزيد من الضرر والتشويه الذي تقوم به قوى معادية لهم تحاول تصويرهم على أنهم إرهابيون معادون للعلم وحاقدون على العالم ومهددون لحضارته. الأمل في أن تكون بعض القوى العربية والإسلامية قد تعلمت الدرس من أحداث سابقة ولا تحاول أن تقحم الدين أو السياسة في التعاطي مع حادث "كولومبيا" وأن تضعه في إطاره العلمي الإنساني البحت.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات