المقاومة والاستثناء العربي

  • 30 سبتمبر 2010

ثمة مفاوضات من المفترض أنها تتم الآن بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتوصل إلى تسوية نهائية للصراع بينهما. ومن الواضح لكل ذي عقل أن هذه المفاوضات كسابقاتها عقيمة لا يمكن أن تفضي إلى شيء؛ والسبب الرئيسي في هذا هو الخلل الفادح في ميزان القوى بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني سواءً أكان ذلك من منظور القدرة الذاتية أم من الحلفاء الخارجيين لكل منهما. ولا علاج لهذا الخلل إلا بفعل مؤثر يبني القدرات الذاتية الفلسطينية وكذلك القدرات العربية والإقليمية المساندة لها. لكن النظام العربي الرسمي غير قادر في ظل ظروفه الراهنة على الوفاء بهذه المهمة. ولذلك، فإن تصحيح أو إعادة التوازن منوط أساساً بقوى المقاومة، التي تمر بدورها بحالة استثنائية لا نجد لها مثيلاً في خبرات حركات التحرر الوطني المعاصرة. ومما يلفت النظر أن هذه الحالة الاستثنائية ليست خاصة بالمقاومة الفلسطينية وحدها، وإنما تنسحب ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ على قوى مقاومة الاحتلال في كل من لبنان والعراق.

ففي كافة الخبرات السابقة لحركات التحرر الوطني المعاصرة، كانت مقاومة الاحتلال تبدأ ضعيفة في غياب أي توازن ولو نسبي بينها وبينه، ثم تأخذ هذه المقاومة في التصاعد حتى تصل إلى مرحلة تصبح فيها قادرة على إلحاق الضرر بالعدو، على النحو الذي يدفعه دفعاً إلى إعادة التفكير في سياساته بما في ذلك إنهاء الاحتلال، بعد أن أصبحت تكلفته أكبر من عائده. لكننا في الحالة الفلسطينية خاصة، والعربية عامة، نمر الآن بمرحلة مغايرة تماماً يبدو فيها أن منحنى قوة المقاومة وفعاليتها هابط. ومن ثم، فإن قدرتها على التأثير في سلوك الاحتلال إما غائبة أو في حدها الأدنى.

في الحالة الفلسطينية، وكما نعلم، ظهرت المقاومة المسلحة المنظمة في منتصف ستينيات القرن الماضي، وبصفة خاصة مع أول انطلاقة لعمليات حركة فتح في 1/1/1965، ثم أخذت في التصاعد تدريجياً، وبالذات بعد هزيمة 1967 واحتلال قطاع غزة والضفة الغربية، وفرضت بصمتها على مسار الأحداث في السبعينيات. بيد أنها بدأت في التراجع ربما تحت وطأة اتجاه النظام العربي ككل، خاصة بعد مبادرة فاس1982، إلى نهج التسوية السلمية، بعد أن كانت مصر قد سبقت في هذا الصدد بتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد مع إسرائيل في1978، ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية في 1979. ومع بروز مؤشرات واضحة على عقم نهج التسوية السلمية هذا، طور الشعب الفلسطيني واحداً من أبرز إبداعاته متمثلاً في انتفاضة الحجارة التي دامت منذ ديسمبر1987 وحتى نهاية عقد الثمانينيات تقريباً، وهي مسؤولة دون شك عن إجبار إسرائيل على توقيع اتفاقية أوسلو1993، التي تضمنت، على الرغم من سوءاتها العديدة، اعترافاً إسرائيلياً للمرة الأولى في تاريخ الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني، وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل لهذا الشعب. وإذا كانت اتفاقية أوسلو قد حيدت دور "فتح" في مقاومة الاحتلال، فإنها لم تمارس الأثر نفسه على فصائل المقاومة المسلحة الأخرى، وعلى رأسها حركة حماس. ومع تفجر انتفاضة الأقصى في عام2000، كان واضحاً أن حركة التحرر الفلسطيني تمر بمنعطف جديد أعيد الاعتبار فيه للمقاومة المسلحة التي أفضت إلى القرار الإسرائيلي من جانب واحد في2005 بالانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها، بعد الإخفاق في وأد المقاومة في القطاع.

غير أن حركة حماس، بدخولها الانتخابات التشريعية في2006 وحصولها على الأغلبية النيابية وتشكيلها الحكومة الفلسطينية، ابتلعت الطعم نفسه الذي سبق لفتح ابتلاعه بعد أوسلو. وكما تحولت قوات المقاومة في فتح إلى قوات أمن داخلي، بدأت حماس تنشغل ببناء سلطتها في قطاع غزة. ومن هنا، ساد الهدوء جبهة غزة لأول مرة منذ عقود، خاصة وأن قدرة إسرائيل على ردع حماس قد تصاعدت بعد أن خرجت إلى العلن، وأصبح لها مقار حكومية، وظهرت رموزها القيادية بين الناس. ثم حدث الانقسام بين فتح وحماس في أعقاب الصدام الدموي بينهما في عام2007 وصولاً إلى الحالة الراهنة، التي لا يُسمع فيها صوت للمقاومة ببعديها العسكري أو المدني.

وإذا أخذنا نموذجاً آخر هو المقاومة اللبنانية التي حققت إنجازات لافتة في تحرير الشريط الجنوبي في لبنان إلى حد إجبار إسرائيل على الهروب منه بليل في مايو2000، ثم في التصدي للعدوان الإسرائيلي الشامل على لبنان في صيف2006، فسوف نجد أن هذه المقاومة تلتزم الآن بالقرار1701 الذي صدر عن مجلس الأمن في أعقاب انتهاء ذلك العدوان، والذي تتموضع بموجبه قوات دولية بين المقاومة وبين إسرائيل. ناهيك عن أن الاعتبارات الداخلية، بعد أن استغلت إسرائيل عملية "الوعد الصادق" التي قام بها حزب الله في يوليو2006 لتبرير عدوانها على لبنان، تقيد دون شك حركة هذا الحزب الذي لا يستطيع ببساطة أن يبادر بعمل عسكري ضد إسرائيل يمكن أن يقدم لها مبرراً لعدوان جديد، سوف يقلص دون شك من التأييد الداخلي للحزب. وهكذا شُغل حزب الله منذ ذلك التاريخ بقضايا لبنانية داخلية، أدى بعضها إلى صدامات مسلحة استخدم فيها "سلاح المقاومة"؛ مما عرّض الحزب لانتقادات شديدة واتهامات بأنه يوظف هذا السلاح لفرض سيطرته على مقاليد الأمور في لبنان. لكن المحصلة ألا مبادرة بالمقاومة يمكن أن ينتظرها أحد من المقاومة اللبنانية في ظل الظروف الراهنة.

وفي العراق، ظهرت مقاومة الغزو الأمريكي بمجرد دخول قواته بغداد في2003، وتصاعدت بوتيرة سريعة، وبدت على الرغم من الظروف الداخلية المتدهورة وغياب الدعم الخارجي قادرة على إلحاق الضرر بقوات الغزو عسكرياً وسياسياً. وفي السنوات التي ازدهرت فيها المقاومة، تجاوزت الخسائر البشرية الأميركية –وفقاً للأرقام الرسمية- رقم أربعة آلاف قتيل فضلاً عن عشرات الألوف من الجرحى. وأصبحت المقاومة قضية سياسية داخلية في الولايات المتحدة، أثرت مجرياتها دون شك في نتائج التجديد النصفي لانتخابات الكونجرس في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، بل لقد أثرت في نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية نفسها. وبدأت قضية الانسحاب الأمريكي من العراق تُطرح بإلحاح في الساحة السياسية الأميركية، وهو ما نصت عليه صراحة الاتفاقية الأمنية التي وقعت آنذاك بين الإدارة الأميركية والحكومة العراقية. وبدلاً من أن تظهر المقاومة العراقية كقوة متماسكة يمكنها أن تؤدي دوراً أساسياً في عراق ما بعد الغزو، إذا بأدائها يتراجع بشدة، وإذا بفصائلها تخفق في توحيد صفوفها، ويُقال أحياناً إن ثمة "تعمية" إعلامية على أخبار المقاومة. وظني أن هذا، وإن كان صحيحاً، لا ينفي التراجع في أداء المقاومة العراقية مقارناً بالمقاومة في أفغانستان على سبيل المثال. وهكذا تتصرف الإدارة الأميركية الآن في غيبة ضغوط قوية من الداخل العراقي بفعل المقاومة أو غيرها. والأهم من ذلك، أن عراق ما بعد الغزو مرشح لاستمرار الانقسام إن لم يكن تفاقمه.

هكذا حُرم النظام العربي على نحو غير مسبوق، من منظور خبرة حركات التحرر الوطني، من جهد المقاومة. صحيح أن حركات تحرر وطني أخرى قد شهدت الظواهر السابقة بصورة أو بأخرى، لكن هذا كان يحدث عادة لمدة معينة، يتم بعدها سيادة تيار رئيسي على باقي فصائل المقاومة أو النجاح في التنسيق فيما بينها أو حتى توحيدها. ثمة أسباب عديدة متصورة لهذا "الاستثناء العربي" في سياق حركات التحرر الوطني، منها أن المجتمعات العربية المشار إليها في السابق منقسمة على نفسها أصلاً إما لاعتبارات سياسية (الصراع بين التيار الإسلامي وخصومه كما في الحالة الفلسطينية)، أو، وهو الأخطر، لاعتبارات طائفية أو مجتمعية. علاوة على ذلك، لا شك أن هناك أطرافاً عربية وإقليمية ودولية تؤدي أدواراً في خلق هذا الانقسام وإدامته؛ سعياً إلى نفوذٍ على هذا البلد أو ذاك، أو بحثاً عن مقومات دور قيادي مفتعل في الغالب، أو حماية لمصالحها، كما في الدور الأميركي في شق صفوف المقاومة العراقية وإضعافها بتبني حركات "الصحوة". لكن المحصلة النهائية تتمثل في أن أزمة النظام العربي لا تتعلق بقواه الرسمية فحسب، وإنما بقواه غير الرسمية أيضاً، وهي حركات المقاومة في حالتنا، وأن إصلاح هذا النظام إن تم لا يمكن أن يتم على الصعيد الرسمي فحسب، وإنما هو عملية مجتمعية شاملة وشديدة التعقيد.

Share