المفهوم الإسرائيلي للإرهاب وأثره على الانتخابات الإسرائيلية القادمة

د. عبدالعزيز شادي: المفهوم الإسرائيلي للإرهاب وأثره على الانتخابات الإسرائيلية القادمة

  • 25 يناير 2009

لدى الدول الاستيطانية، مثل إسرائيل، خصائص عدة تؤثر في تحديد مفهومها الخاص للإرهاب، وتفرض، تبعاً لذلك، نمطاً من تعبئة الإرادات السياسية والموارد والمؤسسات لمكافحة ذلك الإرهاب، ويأتي في مقدمة تلك الخصائص، الدور المهم الذي يلعبه الإرهاب في بناء المشروع الاستيطاني ودعمه بالموارد البشرية (من خلال تشجيع عمليات الهجرة)، وتخليصه من أصحاب البلاد الأصليين (عبر سياسة التهجير والترحيل).

وقد استخدمت المنظمات الاستيطانية الصهيونية الإرهاب في مواجهة العرب والقوى الدولية التي أعاقت تحقيق الأهداف الصهيونية، ومن أشهر الأمثلة على ذلك قيام إسحاق شامير، الذي تولى رئاسة وزراء إسرائيل في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، باغتيال الكونت برنادوت في فندق الملك ديفيد بالقدس في أربعينيات القرن العشرين، وأصبح شامير، بناءً على ذلك، مطلوباً كإرهابي من قبل السلطات البريطانية، وهذا ما أعلنه في مؤتمر مدريد عام  1992 السيد فاروق الشرع، وزير خارجية سورية آنذاك.

كما قامت إسرائيل بعد تأسيسها بتوظيف الإرهاب ضد اليهود والمنشآت اليهودية، سواءً في أوروبا، متحالفة مع النازية، أو في العواصم العربية، لإجبار اليهود على الهجرة إلى إسرائيل، عبر تغذية الشعور بعدم الأمان لدى الجاليات اليهودية، وهو الأمر الذي أفرز هجرات اليهود المغاربة والإيرانيين والعراقيين واليمنيين إلى إسرائيل، التي أرادت أيضاً زعزعة استقرار مصر من خلال استخدام الإرهاب في فضيحة لافون الشهيرة في خمسينيات القرن الماضي، لكنها فشلت.

وترتبط الخاصية الثانية بالعلاقة العضوية بين الحكومة الائتلافية من جانب، والاستيطان والمستوطنين من جانب آخر، وتأخذ هذه العلاقة صوراً ومستويات متنوعة في مجال دعم الإرهاب وتوظيفه، ويأتي على رأس تلك المستويات، الدعم القضائي والقانوني، الذي يحظى به المستوطنون حال قيامهم بأعمال إرهابية ضد الفلسطينيين، والذي يصل في كثير من الحالات إلى الحصانة من العقاب؛ فالمستوطنون قاموا بتنفيذ مذابح ضد المدنيين الفلسطينيين في الخليل وغزة والقدس، لكن القضاء الإسرائيلي حفظ العديد من القضايا ولم يصدر أحكاماً ضد المستوطنين إلا في حالات نادرة، بل إن بعض القضاة ألقوا باللائمة على الشرطة الإسرائيلية التي تساهلت حسب رأيهم مع الفلسطينيين.

هذه الحصانة ضد العقاب أفرزت إرهاباً استيطانياً ضد سياسات السلام وضد القيادات الإسرائيلية الساعية نحو عقد اتفاقات سلام مع العرب، ولعل اغتيال إسحاق رابين، رئيس الوزراء  الإسرائيلي السابق، هو خير مثال على ذلك النمط، وهذا المستوى من الإرهاب؛ فقد تمت عملية الاغتيال، في ظل بيئة شهدت استقطاباً أيديولوجياً عنيفاً، وفي لحظة رمزية مهمة أعقبها جدل ذو مغزى عميق.

أما عن البيئة؛ فقد اتهم اليمين الليكودي بزعامة بنيامين نتانياهو، إسحاق رابين بالخيانة والتخلي عن أرض إسرائيل الكبرى، كما تباينت مواقف رجال الدين والأحزاب الدينية الإسرائيلية إزاء هذه الحادثة؛ فهناك من أصدر فتاوى تؤكد  قداسة الدم اليهودي إذا ما قورن بالأرض اليهودية، أي إنه يمكن التنازل عن  قسم من الأرض للحفاظ على الدم اليهودي، ودعم هذا التيار مفاوضات رابين مع سورية والفلسطينيين. في مقابل ذلك ظهرت فتاوى تعلي من شأن الأرض اليهودية على حساب الدم اليهودي، وأفرزت تلك الفتاوى الأخيرة معارضة دينية لسياسات رابين، وآمن بهذه الفتاوى طالب متدين يدعى ييغال عمير، فقام باغتيال رابين استناداً إليها .

وقد أثار اغتيال رابين جدلاً عميقاً حول الوصف الذي يجب إطلاقه على القاتل، هل هو إرهابي؟ أم هو بطل قومي منع تنازلات كان سيقدمها رابين للعرب؟ وفيما سارع بعض اليهود إلى إدانة هذا العمل بوصفه إرهابياً مع التحذير من خطورة الإرهاب الداخلي على إسرائيل، جمع عدد من اليهود الأرثوذكس في بروكلين بالولايات المتحدة التبرعات للدفاع عن عمير، ومنذ تلك اللحظة ارتفعت حدة الشعور بالخوف داخل الكيان الاستيطاني، وزاد التحول نحو اليمين، الأمر الذي مكن بنيامين نتانياهو والليكود من هزيمة حزب العمل في انتخابات عام 1996.

وأفرز كل ذلك الخاصية الثالثة، والتي لها جذور تاريخية في رؤية المشروع الاستيطاني الصهيوني للآخر بشكل عام، وللفلسطينيين بشكل خاص؛ فبدلاً من البحث عن آليات داخلية لاستعادة الشعور بالأمن للمواطن الإسرائيلي، لجأت القيادة اليمينية إلى صب جام غضبها على الفلسطينيين، وبعبارة أدق كانت لحظة اغتيال رابين لحظة كاشفة للطبيعة العنصرية للإرهاب الاستيطاني، وللرغبة الإسرائيلية الحقيقية في عدم تحقيق السلام؛ حيث لجأت إسرائيل إلى تحطيم مشروع أوسلو، وهذا ما قام به نتانياهو عندما تولى رئاسة الوزراء على تداعيات اغتيال رابين، وتم تكريس ذلك من قبل شارون، الذي كان حريصاً على تحقيق الأمن الإسرائيلي وعلى توحيد الجبهة الداخلية، الأمر الذي أدى إلى تجميد عملية التسوية التي انطلقت من أوسلو.

وعندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، نجحت نخبة الليكود اليمينية في ربط المفهوم الإسرائيلي للإرهاب بالمفهوم الأمريكي، الذي تبناه الرئيس بوش، والذي تحولت حماس وحزب الله وكل فصائل المقاومة بموجبه إلى جماعات إرهابية، وحصلت إسرائيل على شرعية هائلة لتصفية المقاومة تحت غطاء محاربة الإرهاب؛ فحاصرت الرئيس عرفات وأضعفته تحت هذا الغطاء.

ورغم أن اغتيال رابين قد أعطى مؤشراً عن السقف التفاوضي المتاح إسرائيلياً لكل رئيس وزراء قادم بعده، إلا أن كاريزما شارون قد مكنته من تطبيق خطته بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة، مما أحدث صراعاً داخلياً في الليكود، انسحب شارون على إثره مشكلاً قائمة كاديما خارج الليكود، الذي تضاءلت قوته الانتخابية، في الوقت الذي تضعضعت فيه قوة حزب العمل نتيجة التحول الذي شهدته البيئة الداخلية الإسرائيلية بفضل سياسات الحرب على "الإرهاب الفلسطيني"، التي قادها شارون ونجح فيها، ولاسيما بعد قيامه بتصفية الجناح المعتدل الذي قاده عرفات داخل السلطة، إلا أن اختفاء شارون وما تلاه من حرب لبنان في صيف عام 2006، ثم فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ثم سيطرتها منفردة على غزة، وما حدث خلال الأيام الماضية منذ حرب عدوانية شنتها إسرائيل على غزة في بداية العام 2009، كل ذلك أدى إلى تغيير العلاقة بين الاستيطان والإرهاب، ورفع من شأن الخاصية الرابعة، وهي الطبيعة الائتلافية التعاقدية لسياسات مكافحة الإرهاب في الدول الاستيطانية.

فمشاركة الأحزاب الدينية المسؤولة عن حركات الاستيطان المتطرف في الحكومات الائتلافية من شأنه أن يضفي على الإرهاب الاستيطاني ضد الفلسطينيين شرعية سياسية، ويضخ موارد مالية وإرادات سياسية جديدة من شأنها أن تحول هذا الإرهاب إلى سلوك اعتيادي ضمن منظومة العنف الهيكلي ضد الآخر الفلسطيني والعربي، وهو أمر ناتج عن الإجماع الوطني في داخل إسرائيل على من هو الآخر العدو، وهو أمر لا يختلف عليه حزب ديني أو حزب يميني قومي أو حزب يساري، ومن ثم فإن ما حدث خلال عام 2006 على الجبهة اللبنانية، وما حدث داخل قطاع غزة في بداية عام 2009 سوف يعطي للمستوطنين اليهود فرصاً أكبر لابتزاز الحكومات الإسرائيلية لإمدادهم بالموارد والإرادات اللازمة لاستمرار سياسة الإرهاب التي يمارسونها، كما سيزيد من فرص اليمين الديني والقومي في الفوز بمقاعد أكبر في انتخابات شباط/ فبراير القادمة على حساب حزب العمل، وعلى حساب حزب كاديما، الذي قد يعود مرة أخرى إلى أحضان الليكود في أعقاب هذه الانتخابات.

Share