المفاوضات والمصالحة الفلسطينية: أبعاد الوقائع والتوقعات

  • 18 أكتوبر 2010

يلمس راصد التراكمات في ملفّي المفاوضات مع إسرائيل والمصالحة الداخلية الفلسطينية، وجود تعارضات حدية بين مضامين كل من هذين الملفين. فبعد جولتين من المفاوضات المباشرة، كان من الطبيعي أن يتوقف قطارها عملياً عند محطة نهاية فترة تجميد الاستيطان، الجزئي والدعائي، في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول الماضي، لتنشط بعد ذلك التجاذبات السياسية؛ الفلسطينية والأمريكية والإسرائيلية، والتي أخذت بدورها تتعقد مع بروز المعطى الجديد الخاص بالمصالحة الفلسطينية.

بخصوص العملية التفاوضية، لم يكن أمام السلطة الفلسطينية، التي دخلتها أصلاً مرغمة، إلا أن تكرر تصريحاتها بأن "قرار الحكومة الإسرائيلية استمرار الاستيطان يعني بالضرورة قراراً إسرائيلياً بوقف المفاوضات، فالسلام والاستيطان لا يلتقيان". ولم يكن مستغرباً أن تؤيد لجنة المتابعة العربية في "قمة سرت" قرار السلطة الفلسطينية برفض مواصلة المفاوضات المباشرة ما لم تقرر إسرائيل تجميد الاستيطان، ولكن القمة مع هذا قررت "منح واشنطن فرصة أخرى"، لإقناع حكومة نتنياهو بإحياء المفاوضات وفق معطيات جديدة.

بالمقابل، اتهم الإسرائيليون السلطة الفلسطينية بأنها غير مهتمة كثيراً بفكرة استئناف المفاوضات، وأنها مهتمة أكثر بإيجاد ذرائع لعرقلتها. وواصلت حكومة نتنياهو إدارة المبارزة بحنكة اللاعب المراوغ الذي يريد استهلاك الوقت، وإبقاء زمام المبادرة بيد إسرائيل.

داخلياً، توجّه مكتب نتنياهو إلى الجهات ذات الصلة بالاستيطان بطلب تجنب الاستفزاز وخفض الوتيرة الإعلامية في تغطية تجدد البناء الاستيطاني، بحجة "الوضع السياسي الحساس". وكان المشاركون في الائتلاف الحكومي يعطون نتنياهو تفويضاً باللعب حتى نهاية الشوط، فظل اليمين يحثّه على عدم تمديد تجميد الاستيطان؛ لأن التجميد لم يؤد إلى إحراز تقدم في المفاوضات، ولأنه يجب ألا تقدّم إسرائيل تنازلات للفلسطينيين كلما أصروا على ذلك. كما كثّف اليمين تهديده بتفكيك الائتلاف الحكومي وتحذير نتنياهو من أن هذا الأمر سينتهي به إلى السقوط السياسي مرة أخرى، على غرار ما حدث إثر توقيعه اتفاقية "واي ريفر".

وهكذا كان رفض تمديد التجميد يشكل رافعة لنتنياهو للتملص منه؛ لأنه يغرقه في مشكلات داخلية؛ بالصراع مع وزراء في الليكود، وبأزمة مع اليمين المتطرف، وبتورط مع حزب شاس. ولكن نتنياهو ظل يبحث عن مخرج؛ فمن جهة، هو يعارض مواصلة تجميد الاستيطان كي لا يرضخ لمطالب الفلسطينيين، ولكنه يريد، من جهة أخرى، تجنب أي مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية التي طالبته بتمديد التجميد فترة شهرين فقط. وقد وقف أقطاب حكومة نتنياهو عند مغزى هذه الفترة، وقدّروا أن واشنطن تعمل على تمرير حل يستند إلى خطوط الرابع من يونيو/ حزيران 1967، مع تبادل مناطق بنسبة ضئيلة، وأنه خلال شهري التجميد سيتم استكمال الإجراءات لفرض هذا الحل على إسرائيل.

بيد أن ما قدمته إدارة أوباما من محفزات شكّل إغراء لحكومة نتنياهو للاستجابة إلى المقترحات الأمريكية؛ حيث اتضح بعد تسريب الخطوط العريضة لهذه المقترحات، وإقرار السفير الإسرائيلي في واشنطن بوجودها، أن الضمانات الأمنية الأمريكية المقدمة لإسرائيل تعدّ وجبة دسمة، وأن من الحماقة تجاهلها. حتى إن بعض قادة المستوطنين دعوا نتنياهو لقبول الصفقة الأمريكية لما تنطوي عليه مكاسب كبيرة.

وهنا تضمنت أحابيل نتنياهو العمل على مسارين؛ الأول، تعزيز رزمة الضمانات الأمريكية، بمطالبة الرئيس أوباما بالالتزام أيضاً بتقديم الضمانات التي تعهّد بها سلفه جورج بوش في رسالته إلى رئيس الحكومة آنذاك أرئيل شارون، في أبريل/ نيسان عام 2004، والتي تضمّنت دعم واشنطن لمبدأ ضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى إسرائيل، في إطار أي تسوية لترسيم حدود الدولة الفلسطينية، فضلاً عن رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى المجال الإسرائيلي. والمسار الثاني، لجوء نتنياهو إلى إعلام المقربين منه بأنه سيوافق على استئناف التجميد لشهرين إذا ما كانت رزمة الضمانات مقبولة لدى وزراء السباعية والمجلس الوزاري.

وكانت محصلة هذه المناورة تؤكد أن حكومة نتنياهو عُنيت بالدرجة الأولى برسم الإطار العام للحل بالمواصفات الإسرائيلية، أي بفرض الأمر الواقع، وإضفاء الشرعية على المستوطنات، واستدراج المزيد من التنازلات الفلسطينية، مع التركيز على الحاجة للمفاوضات، للتعمية على التناقض بين الاستيطان والسلام، وإلا فإن وقف المفاوضات سيكون هو الآخر فرصة لإسرائيل لمواصلة الاستيطان وللتهرب من الضغوط الدولية.

بتقاطع ملموس مع المسار التفاوضي، انطلقت حركة المصالحة الداخلية، على الرغم من وجود فيتو خارجي يمنع إتمامها، إلا وفق المعايير الإسرائيلية الأمريكية. ويبدو أن الدور المصري كان وراء محاولة اكتشاف آفاق جديدة، فوصل إلى دمشق(يوم 23 سبتمبر/ أيلول الماضي) وفد اللجنة المركزية لحركة فتح، برئاسة عزام الأحمد، للقاء أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس برئاسة خالد مشعل، استكمالاً للمباحثات حول التوقيع على ورقة المصالحة المصرية.

وطبقاً لما نشر عن لقاءات دمشق، أسفرت نتائج المباحثات عن الاتفاق على ثلاث نقاط من النقاط الأربع الخلافية التي تضمنتها الورقة المصرية؛ تتعلق بلجنة تشكيل الانتخابات ومحكمة الانتخابات، وإعادة هيكلة وبناء الأجهزة الأمنية، وإعادة صياغة تتعلق بمنظمة التحرير. أما النقطة الأخيرة فاتفق على أن يتم النقاش والبحث بشأنها في موعد قريب(مبدئياً في العشرين من الشهر الجاري)، وتتعلق بمسألة الأمن الداخلي. وبعد الاتفاق على تلك النقطة سيتم التوجه إلى القاهرة للتوقيع على الورقتين المصرية والفلسطينية، لينتهي بذلك الانقسام الفلسطيني.

ونصل هنا إلى بيت القصيد؛ إنها مشكلة النقطة الرابعة، التي تشكل دون مواربة العقبة الأهم؛ حيث تسود الأوساط الفلسطينية قناعة بأن "الملف الأمني" المقرر بحثه في الاجتماع القادم بين فتح وحماس من شأنه أن يفجر المصالحة، باعتبار أنه ينطوي على حساسية كبيرة وعلى تعقيدات مُحكمة، في ظل التدخل الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي في هذا الملف.. كيف؟.. ولماذا؟..;

كمحاولة للإجابة، يُشار إلى أن حركة حماس تحذّر من أن المصالحة الفلسطينية ستكون في مهب الريح إذا لم يصل الطرفان إلى حل للعقدة الأساسية المتمثلة في "الملف الأمني".. وفي تفاصيل هذه العقدة، تصرّ حركة حماس على أن تشارك قيادات عسكرية منها في اللجنة الأمنية العليا لقيادة الأجهزة الأمنية، فيما ترفض حركة فتح تلك المشاركة، بحجة أنها قد تخلق أزمة مع إسرائيل والمجتمع الدولي، لكون تلك الشخصيات "الحمساوية" متهمة بأعمال عنف وإرهاب وفق الاصطلاح الإسرائيلي.

ليس هذا فقط.. بل يركزون في حركة حماس على أنهم مع حرصهم على إنجاز المصالحة، لكنهم لن يذهبوا إليها بأي ثمن، ولا يريدون اتفاقاً يتم التوقيع عليه ثم يذوب كما حدث في "اتفاق مكة". وفي هذا الشأن يتحدثون عن عدم إمكانية تلبية رغبة فتح والسلطة في أن تكون هناك سيطرة على الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، وفي المقابل لا يراد أن يكون هناك سيطرة على مثيلاتها في الضفة الغربية. فيما تركز حماس على أن ضرورة المصالحة تقتضي توحيد الأجهزة الأمنية وتحديد عقيدتها، وآليات عملها، على أسس وطنية، ووضع حد للخلاف حول نشاطها؛ هل هو "ضد الاحتلال"، أم – وفق ما فرضه الجنرال دايتون – "ضد الإرهاب"؟.

من الواضح، والحالة هذه، أن "الملف الأمني" سيصطدم بالتوجهات الإسرائيلية والأمريكية التي تريد للأجهزة الأمنية الفلسطينية أن تشكل قوة لمنع المسّ بالأمن الإسرائيلي ولملاحقة المقاومين الفلسطينيين. وهذا يعني بالتالي الربط التام بين المضامين المهنية التنفيذية والمضامين السياسية لهذا الملف، ارتباطاً بالمفاوضات وبالحل، وضمناً موضوع التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية.;

ومن المعلوم أن حركة حماس تعترض على استمرار هذا التنسيق، ولديها أسبابها بالقرائن؛ فمثلاً يتبين من تقارير مكتب منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، برئاسة الجنرال إيتان دنغوت، كيف تحوّل التنسيق الأمني إلى مكوّن أساسي في العقيدة الأمنية للأجهزة الفلسطينية، وكيف يتغلغل التدخل الإسرائيلي في الأوضاع الفلسطينية في الضفة الغربية. ناهيك عن ازدياد اللقاءات بين مسؤولين أمنيين إسرائيليين وفلسطينيين بحضور ضباط أمريكيين للتنسيق ومواجهة "محاولات حركة حماس إشعال الضفة" في ظل المفاوضات المباشرة. وأيضاً، الإطراء المتكرر على السلطة الفلسطينية لتعاونها مع الجيش الإسرائيلي وجهاز "الشاباك"، في "محاربة العدو المشترك وهو حركة حماس"، والقيام بعمليات هجومية تستند لمعلومات استخبارية تؤدي للوصول إلى المطلوب وهو في سريره"، حسب تصريح اللواء آفي مزراحي قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي(يوم 10 أكتوبر الحالي).

تحت مظلة كهذه، من المتعذر أن تنجح عملية المصالحة الفلسطينية، حتى بعد توقيع اتفاق المصالحة، ومن المستبعد أن يتم التفاهم حول العودة إلى المفاوضات، لأن الصراع على الساحة الفلسطينية يدور بين مشروعين يتضمنان كثيراً من التناقض مقابل القليل من التوافق السياسي.

وفي انتظار التطورات، يبدو من بعيد مؤشر على احتمال نشوء حالة صراعية جديدة، في ضوء توجّه السلطة الفلسطينية لاعتماد "خطة البدائل" التي عرضتها على "قمة سرت" لتخطي المرحلة الحالية التي تشهد تأزماً في المفاوضات. وهي: "أولاً، الاعتراف الأمريكي والدولي بالدولة الفلسطينية بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ثانياً، إذا لم يتحقق البند الأول نذهب لمجلس الأمن لاستصدار قرار يدعو الدول والمنظمات الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية بحدود 1967. ثالثاً، الذهاب إلى مجلس الأمن وطلب فرض نظام وصاية على الأراضي المحتلة وفقاً للمادة 77 من ميثاق الأمم المتحدة. رابعاً، دعوة إسرائيل إلى إعادة الاحتلال مجدداً والتنازل عن هذه "المملكة الأكذوبة"، ولا حاجة لتزيين الاحتلال كسلطة فلسطينية".. نحن إذن أمام "خطة" للمستقبل.. أما التنفيذ فشأن آخر تجدر متابعته.

Share