المفاوضات "الإبداعية": تفاقم خوف لبنان من التوطين

  • 26 سبتمبر 2010

لم يكن تصريح جورج ميتشل، المبعوث الأمريكي إلى الشرق الوسط، على عتبة قصر الرئاسة اللبنانية، في 18 أيلول/سبتمبر، والذي أكد فيه معارضة بلاده توطين الفلسطينيين في لبنان، كافياً لتهدئة مخاوف اللبنانيين القديمة الجديدة من أن تنتهي أية تسوية للقضية الفلسطينية على حساب لبنان. فقضية "التوطين" التي استخدمت في لبنان على مدى عقود طويلة، ولا تزال، كورقة سياسية تهويلية من قبل أطراف محلية وإقليمية، هي في الوقت نفسه مسألة جدية وحقيقية؛ لأن لبنان نفسه كيان هش التركيب، ويعاني انقسامات طائفية ومذهبية، ولا يحتمل كاهله أي عبء إضافي، وخصوصاً إذا تمثل هذا العبء بإبقاء ما يراوح بين 350 و400 ألف فلسطيني على أرضه، فيما لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين، باتوا ينقسمون مثالثة تقريباً بين السنة والشيعة والمسيحيين.

لا أحد في لبنان يريد التوطين. فكل القوى السياسية والطائفية ترفضه علناً. ولا يوجد أي دليل على أن طرفاً من الأطراف يتمناه سراً. وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والستين، في سبتمبر/أيلول الجاري، جدد الرئيس ميشال سليمان موقف لبنان الرافض لأي شكل من أشكال التوطين للاجئين الفلسطينيين على أراضيه، "وخصوصاً لما سينتج عن مثل هذا التوطين من تداعيات ومخاطر تمس الأمن ودعائم الاستقرار" في لبنان. وشدد ميشال على أن قضية اللاجئين "لا يمكن بطبيعة الحال أن تُحل من خلال تفاوض إسرائيلي ـ فلسطيني منفرد، وبصورة منعزلة عن لبنان وعن الدول المضيفة والمعنية". علاوة على ذلك، صارت مسألة التوطين قبل عقدين من الزمن جزءاً من مقدمة الدستور، والتي أكدت أن لبنان يرفض توطين الفلسطينيين، ويصر على عودتهم إلى أرضهم. فقد نصت مقدمة الدستور، والتي أضيفت إليه بموجب القانون الدستوري الصادر في سبتمبر/أيلول 1990)، على أن "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". بيد أن كل ذلك لا يكفي لينام اللبنانيون على حرير. وهم إذ يغفلون عن الموضوع لفترات، فإنهم يستيقظون مرعوبين حين تبدأ أول جولة جدية لمفاوضات فلسطينية- إسرائيلية، ويشعرون بأن الكابوس الذي طالما رأوه بعيداً في اليقظة والمنام، قد يتحول إلى واقع أليم.

وفي الحقيقة، فإن خشية اللبنانيين من التوطين مشروعة. ولا يغير في واقع الأمر أن سلطة "النظام الأمني" التي حكمت لبنان بين العامين 1990 و2005، استغلت الموضوع لتخويف المسيحيين، فيما كانت تمنع عن اللاجئين سكان المخيمات أقل مقومات العيش الكريم بحجة إبقاء جذوة القضية مشتعلة. فبعيداً عن السجال المحلي اللبناني في شأن وضع الفلسطينيين الشاذ في لبنان، خصوصاً لجهة تشكيلهم بؤراً مسلحة خارجة عن سلطة الدولة في كل تجمعاتهم، فإن مسألة "التوطين" هي نفسها موضوع "حق العودة"، الذي كان ولا يزال يشكل نقطة خلاف جوهرية في أي عملية تفاوضية وفي أي اقتراح جدي للتسوية. وللتذكير فقط، فإن القرار رقم 194 الصادر عن مجلس الأمن، بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 1948، ذكر في أحد بنوده "وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم"، ولكنه أرفق ذلك بعبارة "وجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة…"، والجملة الأخيرة هي بيت القصيد.

فالمفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية تجري اليوم في ظل اختلال كبير لموازين القوى، وفي ظل تغيرات استراتيجية في المنطقة أرخت ثقلها على القضية الفلسطينية، وجعلت منها مشكلة بين مشكلات العرب والمسلمين، وليست مشكلتهم الكبرى أو الرئيسة، فنزعت صفة التفرد والوحدانية والقدسية عنها، وحولتها إلى نوع إضافي من الصراعات الأقل خطورة مما نشهده في أكثر من مكان لجهة تفتت النسيج الاجتماعي، واستيقاظ النعرات الطائفية والمذهبية، وتهديد التركيبات السكانية لأكثر من دولة عربية. وما حصل في لبنان سابقاً ويتعرض له حالياً من مخاطر، وما يحصل في العراق من كوارث منذ الاحتلال الأمريكي وما صاحبه من تأجج الفتن الطائفية والمذهبية وتفجر الزلازل الإرهابية، وما تتعرض له المنطقة العربية من تهديدات إيرانية تأخذ شكل احتلال (الجزر الإماراتية الثلاث) أو شكل محاولة الهيمنة من خلال أذرع مسلحة (لبنان و اليمن) أو خلايا نائمة ومستيقظة (دول الخليج) أو السعي نحو امتلاك سلاح نووي، كل ذلك يؤكد تجمع عناصر جعلت درء الخطر الداهم مساوياً في الأهمية لقضية الفلسطينيين وحقوقهم، وأكثر أهمية وإلحاحاً لدى شعوب ودول عربية عدة. لن تغيب قضية فلسطين عن الوجدان العربي، لكنها تركت مكانها المميز للخشية من أحداث خطيرة وفتن وتهديدات إرهابية للشعوب والأنظمة. وبسبب ذلك، يذهب الفلسطينيون إلى المفاوضات خاليي الوفاض من نظام عربي بات يعرف كل العالم أنه غير موجود أو متهرئ بسبب عوامل الانقسام والاحتلال والتهديدات، وفي ظل انقسام داخلي تشهد عليه "إمارة" غزة المنقلبة على السلطة الوطنية الفلسطينية، وتحت وطأة تحول عناصر الممانعة إلى جزء من النزاعات الداخلية غير المنزهة عن خدمة مخططات "ولي الفقيه" في المنطقة.

على الرغم من التشاؤم الكبير الذي يبديه كثيرون من الخبراء في شؤون التفاوض الإسرائيلي- الفلسطيني من إمكان تحقيق تقدم يتعلق بالمسائل الجوهرية الخلافية، خصوصاً ما يتعلق بالاستيطان ومستقبل القدس وحق العودة، فإن لدى المتابعين الدوليين والعرب شعوراً بأن شيئاً ما سيتحقق انطلاقاً من مهمة ميتشل، أقله استمرار المفاوضات لمدة سنة تحت عباءة الصياغات المطاطة والحلول "الإبداعية" التي تحدث عنها شيمون بيريز. فلمطلب "يهودية اسرائيل" الذي يشهره بنيامين نتنياهو في وجه محمود عباس صيغة فلسطينية تقول إن "دولة فلسطين" تعترف بـ "دولة اسرائيل"، ولتسمِّ إسرائيل نفسها ما شاءت، وللاستيطان الذي يتمسك به قادة اسرائيل حلول تقنية تقضي بالتوقف عن هذا النشاط في المستوطنات المعزولة والاستمرار فيه في مكان "النمو الطبيعي" وعدم منح تراخيص جديدة في الأماكن الحساسة. ولمسائل الأمن تركيبات أسهل من غيرها. وكل ذلك قابل للأخذ والرد والسجال والانضباط تحت سقف إرادة إدارة أوباما الثانية في تحقيق تقدم جدي بعدما أبلغت إسرائيل بأن حل القضية الفلسطينية مسألة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

بين كل ما تقدم يغيب موضوع "حق العودة" بصفته حقاً أصلياً أقرته قرارات الأمم المتحدة وكل الشرائع، في مقابل كثرة الكلام عن الجملة المتعلقة بالتعويض المادي في القرار 194 سابق الذكر. وإذا كان بعض العالمين ببواطن الأمور يذهبون بعيداً في الحديث عن مليارات التعويضات للفلسطينيين للبقاء حيث هم، وعن "جردات" جديدة للأسر والأعداد، فإن أحاديث جدية جرت عن العودة إلى فكرة الكونفيدرالية بين الأردن وفلسطين رغم معارضة عمَّان العودة إلى هذا النوع من الارتباط. أما الجامع المشترك بين كل الاقتراحات فهو أن الدولة الفلسطينية الوليدة في الضفة الغربية ستمنح جوازات سفر لفلسطينيي الشتات ليصبحوا مقيمين دائمين في دول إقامتهم أو مهاجرين محتملين إلى دول الإغتراب، وفي كل الحالات يبقى توطين معظمهم في لبنان أمراً واقعاً. وربما بدأ التعامل معه من خلال قرار مجلس النواب اللبناني أخيراً بمنح اللاجئين الفلسطينيين حقوقاً إنسانية واجتماعية تأخرت كثيراً، لكنه أرفق بتوسيع حقهم في ممارسة العمل والضمان الاجتماعي، وإن أجل البت بموضوع حق التملك. هل هذه هي مصادفة؟ ربما لكنها جديرة بالاهتمام.

Share