المغتربون ودورهم في رفد وتحفيز الاقتصادات الوطنية

  • 14 أبريل 2020

يلعب المغتربون دوراً أساسياً في رفد الاقتصاديات الوطنية لبلادهم، وتعد تحويلاتهم مورداً رئيسياً في الكثير من الدول، خاصة النامية منها؛ ويتجاوز حجم التحويلات عالمياً نصف تريليون دولار سنوياً؛ ما يجعل منهم عنصراً أساسياً على مستوى الاقتصاد العالمي. ولكن دورهم يتجاوز تحويل الأموال، إلى المشاركة في عملية التنمية سواء من خلال العلم أو المعرفة والتجارب التي يكتسبونها، أو الاستثمارات التي يقومون بها، كيف؟
عادة ما يهاجر الناس من بلدهم لأسباب تتعلق بالدراسة أو العمل أو الاستثمار، وأحياناً أخرى لظروف سياسية، بسبب القمع أو الاستبداد أو الهرب من الحروب أو غيرها من الأسباب الموضوعية. وأياً كان السبب، فإن السفر أو الهجرة أو الاغتراب، وبرغم صعوبته في كثير من الأحيان، حيث يواجه الكثير من المغتربين ظروفاً صعبة، وخاصة في بداية مشوارهم؛ وقد يمر بعضمهم بتجارب قاسية جداً؛ فإن فيه فوائد عظيمة لا تتوافر للآخرين، بل قد يحرمون منها؛ ليس فيما يتعلق بالجانب المادي أو العلمي فقط، ولكن فيما يتعلق بالجانب الثقافي والقيمي أيضاً، بما في ذلك الانفتاح على الآخرين والتعرف إلى تجاربهم والاستفادة منها؛ سواء على المستوى الشخصي أو العائلي أو العام في خدمة دولهم، إما عن بعد أو عندما يعودون إليها؛ وليس أبلغ من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن عندما قال: «سافروا تصحوا وتسلموا». وبالفعل فإن في السفر ومخالطة الشعوب الأخرى فوائد جمة؛ حيث تسهم في اكتساب مهارات وقيم متنوعة، وفي الوقت نفسه تصويب أو تغيير بعض المفاهيم الخاطئة أو البالية؛ هذا فضلاً عن أنه يسهم في التعرف إلى الآخر عن قرب، وفي تعزيز التعارف بين الشعوب الذي دعا إليه الله سبحانه وتعالى. والحقيقة أن المغتربين أو المهاجرين غالباً ما يحققون نجاحات كبيرة؛ حيث نجد العلماء الذين حققوا إسهامات بارزة سواء لبلدهم عندما يعودون إليها، أو حتى للعالم من خلال اختراعاتهم وإنجازاتهم العلمية البارزة؛ والأمثلة كثيرة ولا مجال لذكرها.
ومع ذلك فإن أحد أهم إنجازات أو إسهامات المغتربين، وخاصة في الدول العربية، تكون في الجانب الاقتصادي، حيث تشكل تحويلات العاملين في الخارج أحد أهم التدفقات المالية لمعظم هذه الدول، ومن بينها بالطبع الأردن؛ الذي تشكل نسبة المغتربين فيه لأسباب مختلفة 10 بالمئة؛ وهم يشكلون محوراً أساسياً في الاقتصاد الوطني؛ وعملية التنمية التي تشهدها الدولة منذ عقود:
أولاً، تحويلاتهم تعد أهم التدفقات المالية الخارجية، حيث تفوق قيمتها قيمة أي تدفقات أخرى بما في ذلك المساعدات الإنمائية الرسمية أو الاستثمار الأجنبي. ويعد الأردن وفقاً للبنك الدولي، رابع أكثر الدول العربية استقبالاً لتحويلات المغتربين بعد مصر والمغرب ولبنان؛ حيث بلغت قيم تحويلاتهم عام 2018، 4.4 مليار دولار؛ وهي في نمو مستمر حيث ذكر البنك المركزي الأردني، أن تحويلات المغتربين الأردنيين نمت 1.6% في أول 4 أشهر من عام 2019 إلى 1.202 مليار دولار، مقارنة بـ1.182 مليار في الفترة نفسها من 2018؛ ولا تتوافر إحصائيات عن عام 2020؛ ما يشير إلى حيوية هذا المورد، وحجم مساهمته في التنمية الاقتصادية سواء من خلال أبواب متعددة منها، التمويل للاستهلاك العائلي والاستثمار الخاص وتحسين مستوى الدخل.
ثانياً، يسهم المغتربون بشكل أساسي وفعال في حل مشكلة البطالة التي تعد أكبر تحد يواجه الدولة على مدار عقود؛ حيث يخفف المغتربون من الضغوط الكبيرة على الحكومة؛ ليس من خلال توفير فرص عمل وحسب، حيث يتيحون المجال لغيرهم، وإنما من خلال توفير فرص عمل باستثماراتهم المتنوعة أيضاً.
ثالثاً، تنشيط الأسواق عموماً، وخاصة في قطاعات حيوية من بينها العقارات، والسياحة، والفنادق والمطاعم، ومحلات التجزئة وغيرها؛ من القطاعات الحيوية للحركة التجارية في الدولة.
رابعاً، التحويلات في المحصلة تسهم في أمور مهمة أخرى، حيث تدعم ميزان المدفوعات؛ وتخفف من الضغوطات على الخدمات، وهو ما ينعكس إيجابياً على الموازنة العامة المرهقة بسبب قلة الموارد المالية، حيث يسهم مثلاً في تخفيف النفقات الحكومة.
إذاً فالمغتربون يمثلون رافداً بل وأحياناً أهم مورد مالي للاقتصاد الوطني ويسهمون من خلال علمهم وخبراتهم وتحويلاتهم المادية في التنمية الاقتصادية، وتخفيف العبء عن كاهل الدولة، والضغوطات الأخرى الناجمة عن ضعف مواردها المالية وإمكاناتها الاقتصادية.

Share