المعوقات الداخلية لعودة إيران إلى الالتزام ببنود الاتفاق النووي

  • 22 فبراير 2021

هناك معوقات كبيرة أمام عودة إيران إلى الالتزام بما ورد في الاتفاق النووي، تتمثل في تشدد الأصوليين، الذين يوظفون هذا الملف لكسب المزيد من الشعبية، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل الاتفاق مع قبول واشنطن دعوة أوروبية للمشاركة في محادثات تبحث إحياء الاتفاق بحضور إيران.

يعد ملف إيران النووي من أعقد قضايا وملفات المنطقة والعالم لخطورته وتزايد المخاوف من احتمال وجود أهداف عسكرية وراء برنامجها النووي، وزادت هذه المخاوف مع إعلان غريب آبادي مبعوث إيران الدائم لدى المنظمات الدولية تسليم رسالة إلى مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتضمّن توقف إيران عن التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي بداية من 23 فبراير الجاري بينما تؤكد إيران التزامها بالاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة دول (5+1) عام 2015، ورأى وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، قانون المبادرة الاستراتيجية لإلغاء العقوبات وحماية مصالح الشعب الإيراني الذي أقره مجلس صيانة الدستور، ومن قبله البرلمان في 2 ديسمبر، بمنزلة خفض رقابة الوكالة، وليس وقفها.

ويمكن القول إن قانون «المبادرة الاستراتيجية» الملزم للحكومة استهدف تحسين شروط التفاوض لمصلحة إيران والضغط على بايدن وأوروبا لدفعهما إلى الإسراع في إلغاء العقوبات، خصوصًا المصرفية والنفطية من دون الاهتمام بعودة أمريكا إلى الاتفاق النووي، وتضّمنت أهم بنوده إلزام منظمة الطاقة النووية الإيرانية بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة لأغراض سلمية، وتخزينه داخل إيران بكمية تقدر بـ 120 كيلوغرامًا على الأقل سنويًّا، وأبدى حسن روحاني، الرئيس الإيراني، رفضه المبادرة في البداية، ورأى أنها تضر بالأنشطة الدبلوماسية إلا أنه أعلن تنفيذها، وواجهت الحكومة ضغوطًا وانتقادات من الأصوليين بسبب مواقفها من المبادرة لإجبارها على تنفيذها.

ويكشف تعليق محمود واعظي، رئيس مكتب الرئيس الإيراني، على قانون «المبادرة الاستراتيجية» مدى غضب الحكومة من قرار البرلمان وتسييس هذه المبادرة ضدّ الحكومة الإصلاحية، حيث علّق قائلًا: «هذه الإجراءات من وجهة نظري ظلم للشعب، الأصدقاء يضعون العراقيل، ويصادقون على قوانين حتى لا تستطيع الحكومة إنهاء العقوبات، ومن الغريب أنهم وضعوا بنودًا من المعروف أنها تمنع رفع العقوبات بالرغم من ادعائهم أنها لرفع العقوبات»، بينما تباينت تصريحات رئيس البرلمان الأصولي، محمد باقر قاليباف، بادعائه أن إيران لا تسعى إلى الخروج من الاتفاق النووي بالرغم من تأكيده أن التخصيب بنسبة 20 في المئة بموجب المبادرة سيكون عمليًّا، وليس شكليًّا.

وإلى جانب معوقات خارجية تحول دون الالتزام ببنود الاتفاق النووي عام 2015، توجد معوقات داخل إيران أيضًا، حيث يتشدد الأصوليون ويصعّدون من خطابهم في مواجهة أمريكا وأصوات إصلاحية تطالب بالمرونة في التعامل مع الاتفاق النووي وأمريكا، ويتبنّى «قاليباف» والنواب الأصوليون هذا التشدد في حين تتخذ حكومة روحاني الإصلاحية مواقف أكثر مرونة مع إدارة جو بايدن، الرئيس الأمريكي، منذ البداية، وقد تتماهى أحيانًا مع الأصوليين ومواقفهم المتشدّدة، وتمثّل ذلك في شروعها في تنفيذ المبادرة الاستراتيجية لإلغاء العقوبات.

ويرتكز خطاب روحاني وحكومته على ربط تردّي الأوضاع الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية بالعقوبات المفروضة لتهيئة الرأي العام للتفاوض مجدّدًا مع أمريكا؛ لذا أعلن روحاني اقتراحه على إدارة بايدن العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات النووية ليُسهّل حل مشكلات البلدين، بينما يتهم الأصوليون الحكومة أن إدارتها السيئة للبلاد وراء الأزمات الحالية والمتفاقمة، وذهب رسول سنائي راد عضو مكتب المرشد علي خامنئي إلي اتهام مسؤولي الحكومة أن لهم أهدافًا سياسية وانتخابية وراء دعواتهم للتفاوض مجدّدًا.

ومن بين القضايا التي ينقسم حولها الداخل الإيراني، إشكالية تنفيذ المادة 6 من قانون «المبادرة الاستراتيجية» لإلغاء العقوبات التي تنص على إلزام الحكومة بوقف عمليات التفتيش خارج نطاق التحقق من ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما فيها التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي، حيث أكد النائب الأصولي، أحمد أميرآبادي فراهاني، طرد مفتشي الوكالة الدولية بحلول 21 فبراير الجاري (أي يوم أمس) في حالة عدم قيام أمريكا بإلغاء العقوبات المصرفية والنفطية، وردًا على ذلك أعلن فريدون عباسي، رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان، أن إيران لن تطرد مفتشي الوكالة، ولكنها ستمتنع عن منحهم تأشيرات دخول، وفي مقابل ذلك أكد علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، أن مسألة طرد مفتشي الوكالة أمر سابق لأوانه، وترتبط بالتزام الأطراف الغربية بتعهداتها، مؤكدًا أن المنظمة ستضطر لتنفيذ قانون «المبادرة الاستراتيجية» باعتباره ملزمًا، في إشارة إلى تأكيد المادتين 8 و9 على ملاحقة المسؤولين الممتنعين عن تنفيذ القانون قضائيًّا.

وفي هذا السياق، فإن إيران قد تتجه إلى خفض عدد مفتشي الوكالة الدولية ومعدلات التفتيش بعد 23 فبراير، وهو الرأي الذي تبنّاه وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف.

ومن القضايا الداخلية المهمة التي تقف حائلاً أمام عودة أطراف الاتفاق النووي إلى تعهداتهم ما يتعلق بموقف الحرس الثوري الذي يعد أهم قوة فاعلة ومهيمنة في إيران، حيث يرفض قادته وعلى رأسهم قائده، حسين سلامي، التفاوض بشأن برنامج إيران الصاروخي، ويعدّونه خطًّا أحمر، لا يمكن التفاوض بشأنه في مقابل مطالب غربية وأمريكية لإجراء مفاوضات تتضمّن برنامج إيران الصاروخي، وكذلك دورها وتمدّدها الإقليمي.

ويتأكد حجم الانقسام الداخلي في نشاط الدبلوماسية الموازية للخارجية ووزيرها ظريف، حيث زار رئيس البرلمان باقر قاليباف روسيا هذا الشهر حاملًا رسالة خطية من المرشد قد توحي باحتمال دعم النظام له للترشح لرئاسة الجمهورية في دورتها الثالثة عشرة، وتزامنت زيارة قاليباف مع زيارة رئيس السلطة القضائية «إبراهيم رئيسي» للعراق ولقائه عددًا من مسؤوليه، على رأسهم برهم صالح، الرئيس العراقي، ومصطفى الكاظمي رئيس الوزراء.

ويعزز مقولة وجود انقسام داخلي وسعي الأصوليين إلى احتكار المشهد السياسي، تصريحات مجتبى ذو النوري، النائب الأصولي ورئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني التي أكد فيها أن الأصوليين إذا تفاوضوا مع أمريكا فإن ذلك أفضل باعتبار الأصوليين الأقرب لسياسات النظام، ورأى أن انتظار بايدن الحكومة المقبلة خطأ محض.

قد تشهد الأيام القليلة المقبلة نشاطًا دبلوماسيًّا ملموسًا من أطراف ووسطاء خارجيين، خصوصًا روسيا التي تطالب إيران بضبط النفس، إلى جانب وساطات إقليمية، خصوصًا قطر عقب زيارة وزير خارجيتها لإيران مؤخرًا، وقد تشهد الأيام المقبلة توجهات نحو التهدئة مرحليًّا، وتبدو المؤشرات في زيارة رافائيل غروسي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لطهران، وسبقها اتصال هاتفي بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحسن روحاني، وكذلك مناقشة وزراء خارجية أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ملفّ إيران النووي، يوم الخميس 18 فبراير الجاري.

خلاصة القول إن التيارين الرئيسيين يوظفان قضايا سياسية على رأسها الملف النووي لتحقيق مكاسب داخلية، وقد يبدي الأصوليّون مرونة في علاقاتهم وتفاوضهم مع الغرب وأمريكا إلا أنهم سيسعون إلى الحيلولة دون حصول حكومة روحاني على مكاسب سياسية وشعبية، واحتكار الحكومة المقبلة أيَّ مكاسب محتملة في ظل سعي النظام إلى هندسة انتخابات الرئاسة المقبلة وتولي حكومة أصولية، وقد تمتدّ مرونة الأصوليين إلى ملفات إقليمية منها اليمن وسوريا.

Share