المعضلة العراقية .. وانتخابات الكونجرس الأمريكي

المعضلة العراقية .. وانتخابات الكونجرس الأمريكي

  • 5 نوفمبر 2006

لم يسبق أن احتلت قضية خارجية مثل هذا الاهتمام والتأثير في مسار الانتخابات الأمريكية كما هو الحال مع القضية العراقية، التي أصبحت تمثل "القضية المركزية" في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقرر إجراؤها في نوفمبر الحالي (2006)، متفوقة بذلك على القضايا التقليدية الداخلية التي كانت تشغل اهتمام الناخبين الأمريكيين في السابق وعلى رأسها قضايا الاقتصاد والبطالة والتوظيف وغيرها من القضايا التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر.

 ويلاحظ أن الاهتمام بهذه القضية قد تزايد من قبل الناخبين والمرشحين على السواء مع تواتر الأخبار السيئة القادمة من العراق، والتي وضعت الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري الحاكم في مأزق صعب ينذر بفقدان الحزب لسيطرته الحالية على الكونجرس الذي يتمتع فيه بأغلبية واضحة، وهو ما أكده معهد الاستطلاع المستقل في واشنطن "بيو"، مشيراً في آخر استطلاع له إلى أن الوضع في العراق أصبح يثير مزيداً من الاستياء في صفوف الشعب الأمريكي أكثر من أي وقت مضى منذ بدء الحرب، وأن 58% من الأمريكيين يعتقدون أن العمليات العسكرية في العراق تجري بشكل سيئ.

 وفي استطلاع آخر أجرته صحيفة "واشنطن بوست" وشبكة "أي بي سي" الإخبارية، حقق الديمقراطيون تقدماً نوعياً بفارق 13% عن الجمهوريين، وذلك للمرة الأولى منذ سيطرة الجمهوريين على الكونجرس عام 1994؛ حيث أظهر الاستطلاع أن 54% من الناخبين سيصوتون للحزب الديمقراطي، في مقابل 41% فقط للحزب الجمهوري، كما عكس الاستطلاع عدم رضا غالبية الأمريكيين عن أداء الرئيس الجمهوري "جورج بوش"، الذي تراجعت شعبيته إلى 39% بعد أن كانت 44% في سبتمبر الماضي (2006)، فيما أكد 64% من المشاركين أنهم لا يوافقون على الطريقة التي يدير بها بوش الحرب في العراق، في حين قال 53% إنهم لا يوافقون على إدارته للحرب على الإرهاب.

 وقد أثارت هذه الاستطلاعات قلق الإدارة الأمريكية ومسؤولي الحزب الجمهوري، الذين حاولوا لفت انتباه الناخبين باتجاه الإنجازات الاقتصادية التي حققوها للبلاد، لكن الأخبار القادمة من العراق، والتي عكست الفشل الذريع للإدارة في إدارة الأوضاع في هذا البلد، هي التي استحوذت على اهتمام الأمريكيين؛ فعدد قتلى الجنود الأمريكيين في العراق اقترب من حاجز الثلاثة آلاف قتيل، فيما تجاوز عدد القتلى في شهر أكتوبر الماضي وحده الـ 100 جندي، بشكل اعتبره البعض محاولة مقصودة من جانب المقاومة والجماعات المسلحة العراقية للتأثير في مسار العملية الانتخابية الأمريكية. كما تزايد بشكل ملحوظ عدد القتلى والمصابين في صفوف القوات الأمريكية، والذين قدرتهم بعض المصادر بما يتراوح بين 25 و35 ألف جريح، بعضهم إصابته خطيرة، فيما بلغ عدد الجرحى في شهر سبتمبر الماضي فقط 776 عسكرياً، وهو أكبر عدد من الجرحى الأمريكيين يسجل منذ سقوط الفلوجة في نوفمبر 2004. بينما أكدت اعترافات القادة العسكريين الأمريكيين وجود تزايد ملحوظ في عدد الهجمات التي استهدفت قوات التحالف، والتي زادت من نحو 1454 هجوم في يناير 2006 إلى حوالي 2625 هجمة في يوليو من العام نفسه.

 من ناحية أخرى، بدا واضحاً أن قوات الاحتلال الأمريكي أصبحت عاجزة عن السيطرة على الأوضاع وإيقاف أعمال العنف والانفلات الأمني في العراق رغم زيادة هذه القوات بنسبة 16%، من 127 ألف جندي في يوليو الماضي (2006) إلى 147 ألفاً في سبتمبر؛ حيث قدر تقرير نشرته مجلة لانسيت الطبية البريطانية يوم 13/10/2006 عدد القتلى العراقيين منذ بداية الغزو الأمريكي عام 2003 بنحو 655 ألف عراقي، أي ما نسبته نحو 2.5% من الشعب العراقي، من بينهم 601 ألف سقطوا في أعمال عنف تتحمل قوات التحالف مسؤولية 31% منها، فيما أشار تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، الذي صدر مؤخراً، إلى وجود تزايد مضطرد في عدد القتلى المدنيين من العراقيين نتيجة تزايد أعمال العنف؛ إذ ارتفع عددهم من 1658 قتيلاً في شهر مايو 2006 إلى 1879 قتيلاً في شهر يونيو ثم قفز إلى 3590 قتيلاً في شهر يوليو، ونحو 3008 قتلى في شهر أغسطس من نفس العام، فيما تشهد عمليات التهجير القسري والفرز الطائفي نمواً مخيفاً؛ حيث أعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة يوم 3/11/2006 أن عدد العراقيين الذين يغادرون بلدهم هرباً من العنف في ارتفاع مستمر، فهناك ثلاثة آلاف عراقي يغادرون يومياً إلى سورية والأردن. وقدرت المفوضية عدد العراقيين النازحين داخل بلادهم بنحو 6.1 مليون نسمة، وأكثر من 8.1 مليون نسمة خارج بلادهم في الدول المجاورة، وذلك في تأكيد واضح على أن العراق دخل بالفعل نفق الحرب الأهلية، التي لم يعد ينقصها سوى الإعلان عنها.

 ولم تكن هذه المؤشرات وحدها هي التي وضعت "بوش" وحزبه الجمهوري في أزمة مصداقية مع الرأي العام الأمريكي، رغم كفايتها، ولكن برزت أيضاً العديد من التقارير والاعترافات التي عززت من أزمة الثقة تلك؛ فالتقييم الذي أعدته وكالات الاستخبارات الأمريكية ونشر في سبتمبر الماضي أوضح أن الحرب ضد العراق زادت من التهديدات الإرهابية في العالم ودعمت موقف المتطرفين والراديكاليين، كما حذر تقرير سري آخر أعدته الاستخبارات العسكرية الأمريكية ونشرته صحيفة "نيويورك تايمز" مطلع نوفمبر الحالي من أن العراق يغرق تدريجياً في الفوضى، مؤكداً أن الوضع في تفاقم مستمر وأن عمليات التطهير العرقي بلغت مستوى غير مسبوق من العنف، كما أكد التقرير الذي أعدته اللجنة المشتركة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لدراسة الوضع في العراق برئاسة "جيمس بيكر" و"لي هاميلتون" أن الوضع القائم في العراق لا يمكن أن يستمر، داعياً إلى بحث خيارات أخرى في هذا البلد من بينها الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية على مراحل وانتشارها خارج المدن العراقية وفي قواعد عسكرية قريبة بدول المنطقة، وفتح قنوات حوار مع دول مجاورة من ضمنها سورية وإيران، ولم تستبعد اللجنة خيار تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم مستقلة لمنع انزلاق الوضع إلى الحرب الأهلية، وهو الخيار الذي أثار ضجة واسعة ومخاوف عراقية وإقليمية عديدة.

 وأمام وضع كهذا لم يجد أكثر مؤيدي الحرب على العراق ومنظريها من المحافظين الجدد، سوى التراجع عن موقفهم وتوجيه الاتهامات للإدارة الأمريكية بالمسؤولية عن تردي الأوضاع في هذا البلد؛ فـ "ريتشارد بيرل" ، العراب الفكري للحرب، أكد أنه ما كان ليؤيد هذه الحرب لو علم آنذاك مدى تردي مستوى الإدارة في التعامل معها، فيما وصف "كينيث أدلمان" الذي كان عضواً في لجنة السياسات الدفاعية التابعة للبنتاجون ومن أكثر الداعين إلى غزو العراق، وصف بوش ووزير دفاعه رامسفيلد بأنهما أقل الفرق كفاءة في فترة ما بعد الحرب، وقال: "لا يقتصر الأمر على ارتكاب كل منهما أخطاء هائلة بصورة منفردة، ولكنهما يعملان معاً بصورة قاتلة وفاشلة وظيفياً"، كما أكد السيناتور "جون وارنر" رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ وأحد المؤازرين الأقوياء لبوش وسياساته أن الوضع في العراق خرج عن السيطرة وأن على الإدارة تبني مسار جديد في هذا البلد.

 وفي مؤشر واضح على مدى التدهور الذي لحق بمصداقية بوش ليس فقط في الداخل الأمريكي، ولكن أيضاً على المستوى العالمي، أظهر استطلاع للرأي أجري في دول حليفة لأمريكا مثل بريطانيا وكندا والمكسيك وإسرائيل أن غالبية مواطني هذه الدول يعتبرون بوش أخطر على السلام العالمي من رئيس كوريا الشمالية " كيم يونج إيل"، والرئيس الإيراني "أحمدي نجاد"، ولا يسبقه في ذلك سوى زعيم تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن"؛ وعبر عن ذلك الرأي 69% في بريطانيا، و62 % في كندا، و57% في المكسيك، و36% في إسرائيل.

 ومع كل ذلك، لم يتراجع الرئيس الأمريكي عن سياساته ومواقفه، رغم إقراره بصعوبة الوضع الذي تواجهه القوات الأمريكية في العراق، بل على العكس حاول شن هجوم مضاد على الديمقراطيين، مشيراً إلى أن سياساتهم في العراق هي الهروب والانسحاب، وأن واشنطن "لا تستطيع ترك أكبر احتياطي للبترول في العالم في أيدي الإرهابيين"، مذكراً بأن انسحاب بلاده قبل تحقيق هدفها سيؤدي إلى خلق سيناريو خطير مؤداه " وجود شرق أوسط جديد ينتصر فيه التطرف، ويصبح فيه حلفاء لنا مثل إسرائيل محاصرين بقوى معادية، وتملك فيه إيران السلاح النووي، وتصبح فيه الحكومات تحت سيطرة متطرفين يقطعون إمدادات البترول عن الغرب". مؤكداً من جديد أن إدارته تملك استراتيجية لتحقيق النصر في العراق.

 كما حاولت إدارة بوش ـ في سعيها للخروج من هذا المأزق وتقليص تداعياته المحتملة على مسار انتخابات الكونجرس ـ التنصل من مسؤوليتها عن التردي القائم في العراق وتحميل العراقيين والحكومة العراقية المنتخبة مسؤولية كل الدمار الذي حل بهذا البلد، فالرئيس بوش طالب هذه الحكومة باتخاذ إجراءات شجاعة لاستعادة الاستقرار، الذي فشلت قواته بكل ما تملكه من أسلحة وأجهزة استخبارات في تحقيقه، معتبراً أن دور بلاده في العراق يقتصر على مساعدة الحكومة "على هزيمة الأعداء المشتركين وإحلال السلام والاستقرار فيه"، ملوحاً بأنه "لصبر أمريكا حدود"، وبعد أيام كرر وزير الدفاع "دونالد رامسفيلد" الموقف نفسه، قائلاً: "البلد بلدهم ويجب عليهم، أي العراقيين، أن يحكموه ويوفروا له الأمن".

 غير أن محاولة التنصل من المسؤولية، ومهاجمة المعارضين من الديمقراطيين للحرب على العراق بأنهم لا يملكون استراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الأوضاع، لم يقللا من حدة السخط الشعبي على السياسة الأمريكية في العراق، كما أن تكرار الرئيس بوش حديثه عن امتلاك استراتيجية لتحقيق النصر في هذا البلد بات أمراً غير ذي مصداقية لدى الرأي العام، فالإدارة لم تستطيع تحقيق هذا النصر طوال أربعين شهراً هي عمر الاحتلال، في الوقت الذي تتجه فيه الأوضاع باستمرار نحو التدهور.

 وأمام هذا الوضع، لم يجد المرشحون الجمهوريون سوى النأي بأنفسهم عن سياسة الإدارة الأمريكية في العراق، بل وتوجيه الانتقادات لها، أملاً في الحصول على أصوات المعارضين للحرب، فيما سعى الديمقراطيون إلى التركيز على الأخطاء التي ارتكبتها هذه الإدارة الجمهورية والاستفادة من مأزقها الحالي لاستعادة السيطرة على مجلسي الكونجرس الأمريكي؛ حيث يحتاج الديمقراطيون إلى إضافة 15 مقعداً فقط إلى مقاعدهم في مجلس النواب، و6 مقاعد في مجلس الشيوخ للسيطرة على الكونجرس، وهو عدد يمكن تحقيقه بسهولة، إذا علمنا أن هناك نحو 30 مقعداً في مجلس النواب لم تحسم بعد، فيما تشير الأرقام إلى أن معظم المقاعد الـ 201 التي يحتلها الديمقراطيون غير مهددة في هذه الانتخابات عكس مقاعد الجمهوريين (230).

 ولا شك أن أية خسارة للجمهوريين وفقدانهم لأغلبيتهم في مجلسي الشيوخ والنواب سيعني زيادة الضغوط على البيت الأبيض، وعرقلة لأجندة بوش في السنتين المتبقيتين من ولايته الثانية.

 عموماً، وبصرف النظر عن نتيجة الانتخابات النصفية للكونجرس وما قد يترتب عليها؛ حيث يعتقد البعض أن فوز الجمهوريين ومحافظتهم على أغلبيتهم في الكونجرس سيعزز من استمرار الاستراتيجية الحالية في العراق، في حين أن فوز الديمقراطيين قد يغير من هذا الاستراتيجية أو يعرقلها، فإن الأمر المؤكد هو أن الحاجة أصبحت ماسة لإيجاد حلول خلاقة للوضع المأساوي الحالي في العراق، بعد أن ثبت بالدليل القاطع فشل الاستراتيجية الحالية، والتي قد تؤدي في حالة استمرارها إلى انزلاق هذا البلد إلى الحرب الأهلية والتقسيم، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن والاستقرار ليس في منطقة الخليج فحسب، بل على الأمن القومي الأمريكي ذاته .. فهل تملك الإدارة الأمريكية استراتيجية بديلة للخروج من هذا المأزق الذي خلقته لنفسها وللمنطقة؟.

Share