المعضلة السورية والبحث عن بدائل

  • 14 يونيو 2012

في تحليل صنع القرار، يشير النموذج الرشيد لهذه العملية إلى أن الخطوتين الأخيرتين في اتخاذ القرار هما البحث عن البدائل والمفاضلة بينها على أساس العائد/التكلفة لكل منها، ومن ثم اتخاذ القرار على ضوء نتائج هذه المفاضلة. لكن هذا النموذج يشير من ناحية أخرى إلى أن هاتين الخطوتين يمكن أن تختفيا إذا كان متخذ القرار لا يملك أصلاً أي بديل، أو أنه لا يملك سوى بديل واحد يضطر في النهاية إلى تبنيه كقرار؛ لأنه لا يملك غيره. وأخشى ما يخشاه المرء أن تكون الحالة في سورية منتمية إلى هذا الوضع الاستثنائي. وبالتالي، فإن المهتمين باتخاذ قرار فيما يتعلق بهذه الحالة تفلت البدائل من بين أصابعهم واحداً بعد الآخر بحيث يجد هؤلاء أنفسهم عاجزين عن اتخاذ أي قرار رشيد، وتبدو قراراتهم، أو بالأحرى البدائل التي يتبنونها نوعاً من إبراء الذمة لا أكثر ولا أقل.

ومن الواضح أن هذا الوضع يستند إلى مجموعة من الظروف الموضوعية المحيطة بالثورة السورية لم يستطع أحد كسرها أو تغييرها حتى الآن. فالثورات عادة ما تنتهي إما بانتصارها، كما حدث في الحالات التونسية والمصرية والليبية، بغض النظر عن التعقيدات التي يمكن أن تحيط لاحقاً بالحالة الثورية وتكاد أن تصفيها من مضمونها، أو بالوصول إلى حلول وسط، كما حدث في اليمن؛ حيث تخلي الرئيس اليمني عن سلطاته، وسلم مقاليد السلطة إلى نائبه، كمرحلة انتقالية يتم الخروج منها بانتخابات جديدة تظهر حقائق القوة السياسية في اليمن الجديد. وأخيراً، قد تُهزم بعض المحاولات الثورية من قبل النظام القائم، ويعود هذا عادة إلى عدم نضج مقومات الثورة فيها، وعدم شمولها قطاعات شعبية واسعة، وربما أيضاً إلى تبعثر جهود القوى الثورية وانقسامها، ذلك لأن الثورة الحقة، وفقاً لخبرة التاريخ، لا يمكن أن تٌهزم مهما بلغت ضراوة القمع الذي تتعرض له، حيث إن الأمور هنا تبدو أشبه بنموذج المصرف الذي قد يُقبل بعض عملائه على سحب أموالهم منه فيكون قادراً على الوفاء برغباتهم طالما أنها لا تطول إلا جزءاً من المودعين. أما إذا أجمع هؤلاء على المطالبة بسحب مدخراتهم وودائعهم من المصرف فإنه يفلس على الفور. ومن الواضح أن الحالة السورية لا تنتمي إلى المصيرين الأولين (الانتصار أو التسوية)، ولا يعني هذا أنها ستكون ضمن شريحة الثورات المهزومة، فاكتمال نضج الثورة وامتدادها إلى المجتمع ككل من شأنه أن يغير المصير.

وإذا كان الثوار السوريون قد صمدوا حتى الآن لمدة تزيد عن العام وربع العام، وذلك على الرغم من ضراوة القمع الذي يطولهم بحكم القصف العشوائي لمواقع الاحتجاج الشعبي، فإن النظام السوري استند إلى عدد من الظروف الموضوعية للمضي قدماً في هذا الخيار الأمني كأساس لإنهاء الأزمة. أول هذه الظروف هو إصرار النظام على عدم الاستجابة للمعارضين ولو بتسوية وسط، فمنذ البداية كان واضحاً أن النظام ينظر إلى الموقف باعتباره "مباراة صفرية" يكسب أحد طرفيها في نهايتها كل شيء ويخسر الآخر كل شيء، وليس باعتبارها "مباراة غير صفرية" يمكن أن تنتهي بمكاسب لكل من طرفيها، حتى ولو كانت هذه المكاسب غير متوازنة، وهو ما يمثل إدراكاً من النظام بأنه إذا أقبل على تقديم تنازل ما أمام الجماهير الثائرة، مهما يكن صغيراً، فإن ذلك سيكون البداية لخسارة كل شيء، فالنظام السوري يقوم أساساً على قاعدة طائفية، والطائفة التي يستند إليها أقلية عددية بين أبناء الشعب السوري، ولذلك فإن بداية التنازلات لن تنعكس على وضع الرئيس وحده، وإنما على مصير طائفة بأسرها، وحتى لو كان فيها من هو على استعداد للانقلاب على الرئيس حفاظاً على امتيازات الطائفة ووضعها المميز في النظام السياسي، فإن المعارضين لن يقبلوا بحل كهذا؛ لأنه مجافٍ لمنطق الثورة، فضلاً عن أن الخشية من الانقسام الداخلي تجعل الذين يفكرون على هذا النحو من أبناء الطائفة يراجعون أنفسهم ألف مرة قبل الانقلاب على الرئيس. ومن هذه الظروف أيضاً وحدة الجيش النظامي المبني على أسس طائفية وإخلاصه لقائده، ولذلك نلاحظ أن الانشقاقات داخل الجيش حتى الآن فردية. والخلاصة أن الجميع، الطائفة وقيادتها السياسية وجيشها، في مركب واحد يدركون قضيتهم المشتركة، ومن هنا يأتي منطق "المباراة الصفرية".

استفاد النظام السوري عربياً من وجود نخب تشارك قيادته إدراكها المتمثل في أن ثمة مؤامرة خارجية تستهدف سورية "الممانعة"، ومن تحفظ عدد من الدول العربية على أي تدخل عسكري خارجي في سورية حتى لا يصبح التدخل الخارجي في الأزمات الداخلية هو النموذج السائد في المنطقة، فضلاً عن الخشية الحقيقية على مستقبل الجيش السوري، والذي من شأن تقويضه أن يزيد الميزان العسكري خللاً في المنطقة لصالح إسرائيل، ناهيك عن أن "الدولة السورية الموحدة" نفسها ستكون موضع خطر في زمن أصبح التفكك الداخلي للدولة الوطنية العربية مطروحاً وتعددت سوابقه. من ناحية أخرى فإن النظام السوري يمكنه، بحكم التركيبة اللبنانية المعقدة، أن يستخدم ببراعة الورقة اللبنانية كورقة مساومة. بمعنى أن هذا النظام يمكنه وقتما يشاء أن يشيع درجة عالية من عدم الاستقرار في لبنان كما شاهدنا أخيراً في أحداث طرابلس. أما إقليمياً، فالموقف الإيراني الداعم للنظام السوري معروف. ودولياً، يستفيد هذا النظام من دخول سورية ضمن صراعات الحرب البادرة الجديدة، الناجمة عن محاولة كل من روسيا والصين تحسين وضعيهما على قمة النظام العالمي، وقد تابعنا كيف أن الدولتين تقفان بصرامة ضد صدور أي قرار عن مجلس الأمن ضد النظام السوري، ويستخدم خطابهما السياسي لغة تبدو الدولتان معها وكأنهما مع الحل الذي يحفظ حقوق الشعب السوري، وأنهما لا تتمسكان بقيادته الراهنة، غير أن هذا كله يجب، وفقاً للدولتين، أن يتم من خلال حوار يجريه الشعب السوري، وليس عبر أية وسيلة أخرى.

في هذا الإطار الموضوعي، تعثرت كافة البدائل، ولنركز منها على اثنين: البديل الدبلوماسي، والبديل العسكري، مع إشارة سريعة إلى عدد آخر من البدائل الثانوية. أما البديل الدبلوماسي، فقد بدأ أولاً على المستوى العربي بدعم دولي معنوي، وبدأ هذا البديل كما نذكر بعقوبات دبلوماسية تركزت على حرمان النظام السوري من المشاركة في كافة أعمال جامعة الدول العربية ومنظومة العمل العربي المشترك، لكن هذا لم يأت بنتيجة، فخرج المجلس الوزاري للجامعة لاحقاً بخطة عربية للحل كانت بطبيعة الحال تتطلب قدراً لا بأس به من التنازلات من قبل النظام السوري، ومن هنا كان مصيرها الحتمي هو الفشل على الرغم مما بدا في بعض الأحيان من أن ثمة تفاهماً عربياً-سورياً على بنود الخطة، لكن هذا كان يتم من قبيل كسب الوقت والمراوغة من قبل النظام السوري، وهو ما تكرر على نحو شبه حرفي في تجربة المراقبين العرب الذين كُلفوا بمتابعة الأوضاع الميدانية في سورية بموافقة النظام الحاكم، لكن العراقيل أقيمت في وجوههم حتى اضطر الأمين العام للجامعة العربية إلى إعلان انتهاء مهمتهم دون أن يحققوا شيئاً. ثم صعدت المسألة بعد ذلك إلى المبعوث الدولي، كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، الذي وضع بدوره خطة وكون بعثة مراقبة. وكان الأمل أن وزن المبعوث الدولي وما يستند إليه من إرادة دولية سوف يساعدانه على النجاح، لكنه عانى أيضاً من المراوغة والتسويف، وانتهى به الحال إلى أن يتحدث صراحة عن فشل خطته. وتفسير هذا كله واحد، هو أن النظام السوري في إطار التحليل السابق غير مستعد لتقديم الحد الأدنى من التنازلات.

وقد بدأ الحديث مؤخراً، في إطار هذا البديل الدبلوماسي، عن إمكانية تطبيق الحل اليمني على الحالة السورية، وهو حديث ينطوي على قدر يعتد به من عدم الدقة، فالرئيس السوري، كما سبقت الإشارة، ليس مستعداً لتقديم أي تنازل يمس سلطته على العكس من الرئيس اليمني السابق الذي ماطل وراوغ طويلاً لكنه في النهاية وصل إلى الاقتناع بضرورة التخلي عن منصبه لنائبه نتيجة تطورات الأوضاع، والحصانة القضائية التي فاز بها إضافة إلى عدم حرمانه من ممارسة العمل السياسي في اليمن بحكم أنه رئيس حزب يفترض حتى الآن أنه أكبر الأحزاب اليمنية، فضلاً عن أهمية اليمن بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي وحرص هذه الدول على إيجاد تسوية سلمية للأزمة. وأخيراً وليس آخراً، فإن اليمن في عهد صالح كان شريكاً أساسياً في المنطقة للولايات المتحدة فيما يسمى حربها ضد "الإرهاب"، لذلك تكاتفت كل الجهود الخليجية والأمريكية لإنجاح المبادرة الخليجية، وهو ما لا نجده في الحالة السورية التي تتفاعل مع محيطها الجغرافي دون شك، لكن هذا المحيط غير قادر على فرض تسوية (لبنان والعراق بالذات على الأقل لأن الأوضاع الداخلية في البلدين لا تسمح بهذا)، كما أن الولايات المتحدة ليست صاحبة مصلحة أصلاً في إيجاد مخرج للنظام السوري.

أما البديل العسكري، بمعنى التدخل العسكري الخارجي في سورية، فقد كانت ثمة تحفظات عربية عديدة عليه، أولاً، حتى لا يصبح من المسلم به أن يكون هذا هو نموذج العلاقة مع الخارج في حالات الاضطراب الداخلي، وثانياً؛ لأن أساسيات العلاقات الدولية تقضي بأن هذا التدخل إن حدث سوف يكون لمصلحة القائمين به ولو على حساب الثوار. لكن الأهم من ذلك أن القوى التي يمكن أن تنفذ هذا التدخل تمر الآن بظروف غير مواتية لهذه الخطوة، فثمة رئيس فرنسي جديد جاء أساساً ليعالج الأوضاع الداخلية، وليس مستعداً للمشاركة في تدخل عسكري قد يمثل نكسة كبيرة لسياساته، والولايات المتحدة على أعتاب انتخابات رئاسية خلال شهور قليلة، وليس متوقعاً أن يدخل الرئيس الحالي في مغامرة عسكرية تضعف فرصه في التجديد كرئيس لأربع سنوات أخرى. ناهيك عن أن الظروف الاقتصادية السائدة الآن في أوروبا تجعل من مساهمة أية دولة أوروبية في تدخل عسكري في سورية عملاً غير حكيم. بالإضافة إلى أن هذا التدخل لا يمكن أن يحظى بغطاء شرعي دولي بسبب الموقفين الروسي والصيني. أما تسليح المعارضة السورية فهو بديل ممكن، ومن المرجح أنه يتم حالياً، لكنه يساهم في تعزيز سيناريو الحرب الأهلية. ويجب أن يكون مفهوماً أن الحديث عن عقوبات جديدة على النظام السوري في ظل الفصل السابع من الميثاق، بافتراض أنه لم يصطدم بالفيتو الصيني والروسي، لا يشير إلى تدخل عسكري، وإنما إلى أمور مثل تشديد العقوبات الاقتصادية على أركان النظام أو منع صادرات السلاح إلى الجيش السوري.

ثمة بدائل أخرى بطبيعة الحال أقل أهمية مثل بديل العقوبات الاقتصادية الذي تقيده كثيراً الرغبة في ألا يكون الشعب السوري هو الضحية لمثل هذه العقوبات، وبديل التحريض الإعلامي من الخارج للشعب السوري على الانتفاضة وتوسيع دائرة الاحتجاجات ضد النظام، لكن من الواضح أنه لم يتمكن حتى الآن من زيادة وتيرة الثورة عما هي عليه.

الخلاصة أن المهتمين بالشأن السوري والراغبين في حل المعضلة السورية سواء لاعتبارات مصلحية أو إنسانية لا يملكون حتى الآن أي بديل فعال للخروج من المأزق الراهن. وفي هذه الظروف يبدو للأسف أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو الانزلاق التدريجي إلى الحرب الأهلية التي ستكون لها دون شك آثارها الفادحة على وحدة سورية وليس على نظام الحكم فيها فحسب.

Share