المعضلة الأمنية التي تواجه أوباما

  • 25 فبراير 2010

عندما تولى باراك أوباما مهام منصبه، كان يتعين على إدارته التعامل مع تركة ثقيلة من الملفات والإشكاليات التي خلفتها إدارة بوش السابقة، والتي مثلت في مجملها تحدياً مباشراً للأمن القومي الأمريكي، كونها جميعاً ملفات مفتوحة ومتفاعلة ونتائجها حاسمة في تحديد مسار قيادة العالم على الأقل في المدى المتوسط. ويأتي على رأس هذه الملفات: الحرب على الإرهاب بما تتضمنه من ضرورة مواجهة تنظيم القاعدة في مسارح مختلفة البيئة والمناخ، سواء في أفغانستان وباكستان أو العراق أو اليمن أو الصومال أو غير ذلك، وتفعيل جهود الحد من محاولات انتشار الأسلحة النووية، وما يرتبط بذلك من ضرورة التصدي لطموحات إيران النووية ومعالجة أزمة برنامجها النووي بشكل لا يهدد حالة الأمن والاستقرار الهش في المنطقة، إضافة إلى الصداع المزمن الناجم عن فشل الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تحقيق إنجاز ملموس على مسار عملية التسوية السلمية، ولاسيما القضية الفلسطينية، والتي تعد سبباً أساسياً من أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم، ومواجهة النفوذ المتنامي لبعض القوى الاقتصادية الصاعدة بقوة مثل الصين والهند وروسيا واليابان وغيرها، هذا غير مجموعة التحديات الداخلية المرتبطة بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ونظام التأمين الصحي والتعليم وصولاً إلى المخدرات والهجرة غير الشرعية… وغيرها!!

ومنذ تسلمها السلطة عملت إدارة أوباما على إعادة النظر في العقيدة الأمنية التي انتهجتها إدارة بوش عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، وضمنتها في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2002، انطلاقاً من قناعتها بأن هذه العقيدة فشلت في تحقيق أهدافها الخاصة بحماية الأمن القومي، بل أضرت بالولايات المتحدة، التي قادها شغفها باستخدام القوة وتبنيها لسياسة الحروب الاستباقية إلى التورط في مستنقعي العراق وأفغانستان، والدخول في حرب واسعة وممتدة ضد عدو غير مرئي في أغلب الأحيان، الأمر الذي وضع القيادة الأمريكية للعالم في مأزق غير مسبوق، وعزز حالة عدم الاستقرار في العالم برمته.

وفي سياق هذه المراجعة الأمنية، أعلن أوباما خطته الخاصة بالانسحاب من العراق بحلول نهاية العام 2011، وذلك للتخلص من عبء التكاليف المالية والبشرية الضخمة التي تكبدتها بلاده في هذه الحرب، وتعهد بإغلاق معتقل جوانتانامو الذي ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره وصمة عار في جبين الولايات المتحدة، وتعدياً خطيراً على القيم الأمريكية المنادية باحترام حقوق الإنسان ومنع التعذيب، كما أطلق حملة علاقات عامة لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، بدأها بخطابه في استانبول ثم خطابه في جامعة القاهرة، وأكد فيها ضرورة تعزيز قيم الحوار البناء والتعاون المشترك، معلناً تدشين دبلوماسية جديدة تسارع الخطى لاستمالة الرأي العام في المجتمعين العربي والإسلامي من خلال إبراز قيم الإسلام السمحة، وتأكيد أن الولايات المتحدة ليست في عداء مع الإسلام والمسلمين، وإنما في عداء مع الإرهابيين الذين يستهدفون المسلمين مثلما يستهدفون الغرب.

وفي الوقت الذي حرص فيه أوباما على تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه أفغانستان تقوم على زيادة عدد القوات الأمريكية هناك لوقف تقدم حركة طالبان، وملاحقة قادة القاعدة وطالبان في مناطق الحدود الباكستانية-الأفغانية، نجد أنه فضل اتباع الأسلوب الدبلوماسي في التعامل مع إيران لحل أزمة برنامجها النووي، فيما شهدت العلاقات السورية-الأمريكية تطورات إيجابية توجت بإعادة السفير الأمريكي إلى دمشق، كما تبنت إدارته مواقف إيجابية تجاه القضية الفلسطينية تمثلت في اعتراضها الصريح على سياسة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.

هذا التحول من النهج العسكري الذي انتهجته إدارة بوش إلى النهج الدبلوماسي التصالحي لإدارة أوباما كان يهدف بدرجة كبيرة إلى إصلاح الأخطاء التي تسببت بها الاستراتيجية الأمنية لإدارة بوش، وإحداث نقله نوعية على مسرح العمليات في مناطق الأزمات المختلفة عبر الانتقال من السياسات أحادية الجانب التي كلفت واشنطن الكثير إلى آلية العمل الجماعي وتقاسم الأعباء، وإنهاء أو تقليص دور الشرطي الأمريكي في الأزمات الدولية والإقليمية المختلفة. غير أن نتائج هذا التحول على الصعيد الأمني كانت محدودة؛ فهزيمة طالبان في أفغانستان مازالت هدفاً بعيد المنال، أما إيران فلا تستجيب لدعوات الحوار وتصر على المضي قدماً في برنامجها النووي، وتنظيم القاعدة يزداد قوة وانتشاراً؛ حيث استطاع فتح جبهة جديدة في اليمن.

وربما تعود محدودية النتائج إلى حقيقة أن حجم التغير في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية في عهد أوباما لم يكن كبيراً، فخطاب الرغبة في التقارب مع العالم الإسلامي لم يترجم إلى خطوات وإجراءات على أرض الواقع، والمواقف المتشددة تجاه إسرائيل سرعان ما توارت بعد أن فشلت هذه الإدارة حتى في إيقاف الاستيطان بالقدس، ولم ير الرأي العام سوى جولات مكوكيه للساسة الأمريكيين واستمرار دوران طواحين الهواء دونما طحين يصنع منه خبز للسلام. أما ملف ضبط التسلح وإقناع إيران بالحوار فواجهته عقبة ازدواجية المعايير التي لازالت هي السمة السائدة للولايات المتحدة في إدارة هذا الملف، في ظل غض الطرف عن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية تهدد أمن وسلامه المنطقة والعالم.

هذا الإخفاق أو القصور في إدارة الملفات السياسية والأمنية على المستوى الخارجي رافقه أيضاً جوانب قصور واضحة على المستوى الأمني الداخلي، وتجسدت جوانب القصور هذه في حادثين خطيرين؛ الأول: محاولة التفجير الفاشلة التي جرت يوم عيد الميلاد واستهدفت تفجير طائرة شركة "نورث إيرلاينز" فوق مدينة ديترويت الأمريكية. فقد توافرت لدى وكالات الاستخبارات معلومات كافية للكشف عن المؤامرة، ولكنها فشلت في الجمع بينها. وبالرغم من تأسيس جهاز استخبارات مهمته تحسين عملية تبادل المعلومات عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، فإن هذا الجهاز ثبت عجزه عن الاستفادة من المعلومات المتاحة والربط بينها. كما كشفت هذه المؤامرة عن جوانب قصور واضحة في أمن المطارات. فمنفذ العملية نحج في الدخول إلى الطائرة في مطار أمستردام بما لديه من مواد خطيرة ومتفجرة، فضلاً عن أنه كان مدرجاً على قوائم المراقبين في بعض الدول الأوروبية.

أما الحادث الآخر فتمثل في الهجوم الانتحاري الذي نفذه الأردني همام خليل البلوي في 30 ديسمبر الماضي داخل قاعدة "تشابمان" العسكرية بمحافظة خوست جنوب أفغانستان بالقرب من الحدود مع باكستان وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 7 من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، من ضمنهم مديرة محطة الوكالة في المنطقة، في أكبر خسارة بشرية تتعرض لها الـ"سي آي إيه" منذ عام 1983، وهي العملية التي أثارت كثيراً من الجدل والانتقادات لأجهزة الاستخبارات الأمريكية. فمنفذ العملية كان يعمل عميلاً مزدوجاً للـ"سي آي إيه" وحركة طالبان، واستطاع خداع جهاز الاستخبارات الأمريكية واختراقه بشكل خطير.

وقد كشفت هاتان العمليتان عن بعض أوجه القصور التي تحتاج إلى إصلاح في النظام الأمني الأمريكي، أهمها: تصدع منظومة الحماية الأمنية التي فرضت عقب أحداث 11 سبتمبر على الموانئ والمطارات والطائرات والأهداف الحيوية والاستراتيجية الأمريكية بالداخل والخارج، ووجود حالة من التمفصل المهني بين العديد من الأجهزة والمؤسسات الأمنية الأمريكية خاصة في مجالي تبادل المعلومات وتحليلها وصولاً إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية الأجنبية المماثلة، الأمر الذي دفع الرئيس أوباما إلى إصدار تعليماته لوكالات الاستخبارات بضرورة اتخاذ سلسلة من الإجراءات الهدف منها سد الثغرات الأمنية التي تم الكشف عنها عن طريق تكثيف التعاون بين الأجهزة المعنية، والتركيز على ضرورة تبادل المعلومات وسرعة تناقلها وتعقب مصادرها وتحليلها.

ومع الاعتراف بأهمية الإجراءات التي اتخذتها إدارة أوباما في مجال مواجهة الإرهاب الدولي، فإنه ينبغي الاعتراف أيضاً بأن هذه الإدارة مازالت تواجه معضلة أمنية بالغة التعقيد تتمثل أولى مظاهرها في تعدد الثقوب في إستراتيجية مكافحة الإرهاب، وعدم الاعتراف بقدرات العدو "غير المرئي"، والتي بلغت درجة عالية من احتراف الإرهاب سواء على مستوي التنظيم واختيار الأهداف أو على مستوى سرعة الرد والقدرة على توظيف عناصر أمنية مخابراتية في دول صديقة للولايات المتحدة، ناهيك عن خطورة خلايا القاعدة النائمة المنتشرة في العديد من البلدان.

أما على المستوي الأمني والعملياتي فتتمثل المعضلة في أن أوصال الأجهزة الأمنية ما زالت غير متلاحمة بحيث أطلق الخبراء على هذه الحالة "بالنظام الأمني المقطوع". ويمكن تحديد مسببات هذه المعضلة الأمنية في: التنافس الشديد، وليس التعاون، بين المؤسسات والأجهزة الأمنية المختلفة، وتركيزها على الإدارة برد الفعل بدلاً من التخطيط المستقبلي، ناهيك عن تورط القوات الأمريكية في إدارة حربيين في آن واحد: العراق وأفغانستان، بشكل يحد من قدرة الولايات المتحدة على التعامل بإيجابية مع التهديدات الجديدة والأحداث المتداعية في أكثر من مكان بالعالم ويحد من قدرات الأمن القومي الأمريكي.

وتظل المعضلة الحقيقية التي ينبغي أن يدرك أبعادها المخطط الأمريكي أن امتلاك سبل القوة ليس مبرراً لضمان النجاح في كل الأحوال، خاصة أنه قد ثبت بالفعل أن الإفراط الزائد في استخدام القوة لم يحقق الأهداف المرجوة منه، والتجارب المعاصرة في الصومال وأفغانستان والعراق وأخيراً غزة تؤكد تلك الحقيقة.

Share