المعركة الحاسمة ضد البطالة في منطقة الشرق الأوسط

  • 15 فبراير 2012

اختبرت قصة البطالة في الشرق الأوسط مزيجاً من النجاح والفشل في السنوات الأخيرة. ومع التباطؤ الكبير للتعافي الاقتصادي في العالم الغربي والاضطراب السياسي في المنطقة، أخذ التركيز يتزايد على المستويات المرتفعة والمقلقة للبطالة في صفوف الشباب. ويبدو الوضع قاتماً، إذا أخذنا في الاعتبار الآفاق المتشائمة نوعاً ما لسوق الوظائف العالمي في 2012، والحاجة الملحة لخلق 600 مليون وظيفة جديدة في العقد التالي. ومن حسن الحظ أن أداء دول الخليج العربي كان أفضل من سائر  الدول، وهي ما تزال مستمرة في تشجيع مشاركة قوة العمل الوطنية في سوق العمل.

ومع ذلك، كان لا بد للأزمة الاقتصادية العالمية أن تؤثر في أوضاع  منطقة الشرق الأوسط؛ فوفقاً لتقرير "اتجاهات التوظيف في العالم 2012"، الذي تصدره منظمة العمل الدولية، فإن اتجاه التوظيف الإيجابي التدريجي في الشرق الأوسط، خلال النصف الأول من العقد المنصرم، دخل في حالة ركود في عام 2008 مع بداية الأزمة. وقُدِّر معدل البطالة بنحو 10.2% عام 2011، بزيادة 0.3% عن نسبة البطالة في العام الذي سبقه. ونتيجة لذلك، فإن منطقة الشرق الأوسط هي أحد الإقليمين اللذين يتجاوز فيهما إجمالي معدل البطالة 10% (الإقليم الثاني هو شمال أفريقيا ). وقد حدث هذا على الرغم من النمو الاقتصادي السريع الذي شهدته معظم دول الشرق الأوسط. ويبدو أن فرص الخروج من هذه الحلقة محدودة على الأقل في المستقبل القريب؛ لأن آفاق سوق العمل أخذت تتفاقم بسبب التحديات التي تواجهها هذه السوق. ولا تظهر التوقعات الأساسية لمنظمة العمل الدولية تغييراً في معدلات البطالة العالمية بين العام الراهن وعام 2016؛ إذ ستبقى في حدود 6% من قوة العمل العالمية.

بيد أن الوضع على جبهة البطالة في صفوف الشباب أكثر إثارةً للقلق. ففي عام 2011، كان 74.8 مليون من الشبان في المرحلة العمرية (15-24 سنة) عاطلين عن العمل، وهو ما يزيد بمقدار 4 ملايين عما كان عليه الحال في عام 2007. ويقدر تقرير منظمة العمل الدولية معدل بطالة الشباب على المستوى العالمي بنحو 12.7%، بزيادة نقطة مئوية كاملة عن نظيره قبل الأزمة. وعلى المستوى العالمي، تبلغ نسبة البطالة في صفوف الشباب أكثر بنحو ثلاثة أضعاف من معدل البطالة العام، وهناك نحو 6.4 ملايين شاب يأملون في الحصول على وظيفة، وخرجوا تماماً من سوق العمل. والقصة تعيد نفسها في منطقة الشرق الأوسط، حيث يستمر الشباب في تحمل وطأة مشكلة البطالة.

غير أن المسألة لا تصل إلى درجة الوضع السيئ الذي لن يتحسن أبداً في كل الأنحاء، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمنطقة الخليج العربي؛ فهناك دلائل تشير إلى أن جهوداً مكثفة تبذل لمعالجة الوضع. ووفقاً لتقرير "دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي: تعزيز النتائج الاقتصادية في اقتصاد عالمي غامض"، الذي أصدره صندوق النقد الدولي هذا العام، فإن قضية كيفية خلق مزيد من الوظائف باتت تمثل الشغل الشاغل لصنّاع السياسات في كل مكان، حتى في دول مجلس التعاون الخليجي، التي لديها مستويات بطالة منخفضة، مثل الكويت وقطر ودولة الإمارات. وكما يقول صندوق النقد الدولي، فقد استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي إيجاد نحو 7 ملايين وظيفة جديدة على مدى السنوات العشر الماضية. وهذا إنجاز كبير لمنطقة يبلغ إجمالي عدد سكانها 40 مليون نسمة.

كانت الوصفات السياسية لمعالجة مشكلة البطالة في دول العالم متباينة في ضوء الطبيعة غير المتساوقة للمشكلة. ورغم أن هناك نحو 1.1 مليار شخص عاطل أو يعيش في فقر عبر العالم هذا العام، فإن نصف الوظائف التي فقدت في الآونة الأخيرة كانت في الاقتصادات المتقدمة، الأمر الذي يوضح سبب التباين في حجم الأزمة التي تواجهها كل دولة، ومع ذلك فإن ما نحتاج إليه الآن هو الإجماع والتوافق الدولي لمواجهة هذه المشكلة على نحو يسمح بالمزيد من الإنفاق العام دعماً لكلا من الاقتصاديين المحلي والعالمي.

وهناك من يرى أنه ينبغي على صناع السياسات في المنطقة الحذر من الآثار الانتشارية لمشكلة البطالة الآتية من الاقتصادات الكبيرة لتحاشي مزيد من التدهور في الظروف الاقتصادية العالمية. وفيما يتعلق بالتحدي الخاص بخلق الوظائف، هناك ضرورة لاتخاذ خطوات لدعم الاقتصاد الحقيقي وتنشيطه لتعزيز نمو الوظائف. وقد عبرت منظمة العمل الدولية عن قلقها من كونها، وعلى الرغم من حزم التحفيز الاقتصادية الكبيرة، لم تفلح في وقف زيادة بلغت 27 مليون عاطل عن العمل منذ ظهور الآثار الأولية للأزمة. ومن الواضح أن الإجراءات السياسية لم تتمكن من معالجة جذور مشكلة البطالة جيداً، وتحتاج إلى شيء من إعادة التقييم لجعلها فعالة بما فيه الكفاية.

إن دول منطقة الخليج العربي تبذل أفضل جهودها لمعالجة تحدي تشجيع توظيف المواطنين دون أن تفرض قيوداً غير ضرورية على ممارسة الأعمال التي تؤدي إلى إضعاف التنافسية. فالمملكة العربية السعودية، مثلاً، أخذت تنفذ بالفعل مبادرات جديدة لتوفير قوة دفع مضافة لنشاط القطاع الخاص، ولخلق الوظائف. وهناك دول أخرى في منطقة الخليج العربي أخذت تباشر مبادرات مشابهة. وعلى مر السنين، اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة عدداً كبيراً من الإجراءات لكي تكون سباقة في هذا المجال. ومع وجود هيئات، مثل صندوق خليفة لتمكين التوطين، وهيئة تنمية الموارد البشرية الوطنية وتوظيفها (تنمية)، استطاعت الدولة أن تواجه التحدي بنجاح. وعن طريق واحدة من هذه المبادرات، من المتوقع أن تخلق إمارة أبو ظبي وحدها أكثر من 600,000 وظيفة جديدة على مدى العقد التالي. وفي معرض التوظيف السنوي، الذي افتتحه معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي في دولة الإمارات، في مطلع فبراير 2012، تم عرض  نحو 2,000 وظيفة شاغرة على المواطنين في أكثر من 100 مؤسسة عامة وخاصة.

علاوة على ذلك، دشن وزير العمل الإماراتي، مؤخراً المرحلة الأولى من نظام معلومات سوق العمل في الدولة، والذي يهدف إلى دعم تطوير سياسات ذات كفاءة وملائمة تسهم في تحسين أداء فاعلية سوق العمل ودعم اتخاذ القرارات لتحقيق نتائج أفضل في مجال توظيف المواطنين والعمالة الوافدة المؤقتة؛ ما يسهم في تحقيق أفضل المخرجات لسوق العمل في الدولة. وقد أكد الوزير في كلمته بهذه المناسبة، أن إطلاق النظام يأتي انسجاما مع رؤية حكومة دولة الإمارات 2021 التي تؤكد تعزيز مشاركة القوى العاملة المواطنة وتطوير قدراتها وزيادة الكفاءة والمرونة والإنتاجية في سوق العمل من خلال اعتماد منهجية متكاملة لصياغة السياسات؛ استناداً إلى بيانات وإحصائيات وأدلة مدروسة تسهم في وضع الإطار التشريعي الملائم. وقد شهد حفل إطلاق المرحلة الأولى من هذا النظام توقيع ست مذكرات تفاهم مع جهات عدة تمثلت في المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية، والمركزالوطني للإحصاء، وهيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية "تنمية"، ومجلس أبوظبي للتوطين (توطين)، ومركز الإحصاء في أبوظبي، وصندوق معاشات ومكافآت التقاعد لإمارة أبوظبي. ومن الواضح أن مثل هذه المبادرات تدل على أن هناك استراتيجية متعددة الجوانب قيد التنفيذ في دولة الإمارات العربية المتحدة لجعل خلق الوظائف محور التنمية، وتوطين الوظائف كمسار للتمكين.

Share