المعادلة الراهنة بين مصر وقطاع غزة

إبراهيم عبدالكريم: المعادلة الراهنة بين مصر وقطاع غزة

  • 7 سبتمبر 2008

خلافاً لمواقف جميع الأطراف الإقليمية والدولية حيال الوضع القائم في قطاع غزة منذ سيطرة حركة "حماس" عليه في منتصف يونيو/حزيران 2007، يكتنف الموقف المصري قدر كبير من التعقيد، بفعل ارتباطاته بحسابات متعددة الأطراف. ويتيح إدراك تفاصيل هذه الحسابات تكوين صورة واضحة عن طبيعة العلاقة بين مصر وقطاع غزة، والتي يبدو أنها أصبحت تمثل إشكالية للقاهرة، وتنطوي على "ورطة" فاجأت القيادة المصرية، وفرضت عليها التعامل معها.

ويمكن تتبع بدايات ضغوط مشكلة قطاع غزة على مصر، منذ فك الارتباط الإسرائيلي عن القطاع في أغسطس/آب 2005، وتحوّل الاحتلال الإسرائيلي إلى صيغة أخرى، تتلخص بفرض حصار شامل على القطاع، ثم تعامل إسرائيل معه على أنه "كيان معاد" بعد سيطرة "حماس" عليه. وكان واضحاً أن مصر ستكون عنواناً جديداً للحصار، في ظل غياب المشاركة الإسرائيلية بالإشراف على معبر رفح بين مصر والقطاع، وكان التحدي الأول الذي انتصب أمام مصر يتمثل بكيفية التوفيق بين المطالب المتفاوتة المتعلقة بالوضع الجديد.. فكيف راحت تبدو حدود المعادلة الراهنة؟!.

لقد أدركت مصر أن لها التزامات تجاه سكان قطاع غزة، من منطلقات الجغرافيا والانتماء والتوجهات السياسية، فضلاً عن إرغامات الأمر الواقع، وأنها ليس لديها أي مبرر أو مصلحة في خنقهم وتجويعهم، ولكن المسألة تتعدى البعد الإنساني لتطال موضوعات أمنية وسياسية، متصلة بقضية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وبالالتزامات المصرية على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

لهذا عنيت مصر بضبط الحدود مع القطاع والتحكم بعبور الأشخاص والمواد المدنية، وفق مبدأ يجمع بين الحفاظ على متطلبات الأمن القومي المصري وعدم التسبب بقطيعة مع "حماس". لكن حين يتعلق الأمر بالتشدد المصري في تطبيق معايير العبور، وبتهريب الأسلحة والمواد القتالية، هنا تبدأ القراءات بالافتراق لتتخذ منحيين غير قابلين للتوافق، وعندئذ يعمد كل واحد من الطرفين إلى انتهاج السبيل الذي يراه مناسباً له من حيث تلبية مصالحه واحتياجاته.

في هذه الأجواء، بدأت أزمة معبر رفح بالتفاقم، وقام مؤيدو "حماس" باقتحام الحدود إلى الجانب المصري في يناير/كانون الثاني 2008، وبعد التوصل إلى حل امتصاصي سريع للمشكلة، اتضح على مدى الأشهر اللاحقة أن النواة الصلبة لهذه المشكلة بقيت قائمة؛ حيث رفضت "حماس" العودة لاتفاقية معبر رفح السابقة، مؤكدة رغبتها بتحويله إلى معبر مصري-فلسطيني وفق ترتيبات جديدة، واستمرت التظاهرات والمطالبات الفلسطينية بفتح المعبر، وبرزت اتهامات لمصر بأنها تغلق المعبر؛ لأن "حماس" رفضت الاعتراف بمطالب الرباعية الدولية في موضوع الاعتراف بإسرائيل.

وكان من المفهوم أن تنشأ توترات بين "حماس" والقيادة المصرية، على خلفية الامتعاض المصري من التطورات الجارية في قطاع غزة، والتي رأت فيها القاهرة أنها أفضت إلى "أن تكون لمصر حدود مع إيران"، في إشارة إلى أن حركة "حماس" تصنف كذراع إيرانية. ولوحظ أن ردود القاهرة ظلت تشمل مكونات عملية وسياسية وأمنية وسواها. ومن المقدر أن القيادة المصرية تحسّبت لنتائج الاستجابة لمطلب "حماس" بشأن معبر رفح، ومنها؛ المساعدة على تكريس حكم "حماس" في غزة، وتعميق الانقسام الفلسطيني، ونشوب خلاف مع السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس الذي يعارض التسليم بالواقع الذي فرضته "حماس"، ناهيك عن التعرض لاحتجاجات إسرائيلية وأمريكية وأوروبية. 

ولم يكن أمام "حماس" وجماهيرها أي بديل للتزود بالعديد من السلع وبالأسلحة والخبرات القتالية سوى استخدام الأنفاق بين قطاع غزة ومصر، والتي صارت تجارتها تلاقي رواجاً كبيراً، وأخذ عددها يزداد باطراد، حتى بلغ نحو 850 نفقاً. وعلى الرغم من أن هذه الأنفاق أسهمت بتخفيف وطأة الحصار، إلا أنها أدت إلى ظهور مشكلة حادة، بتعرّض مئات الفلسطينيين للمخاطر في سبيل توفير لقمة العيش خلال عمليات حفر الأنفاق، أبرزها؛ مقتل العديد من الأشخاص، سواء بسبب الانهيارات أثناء عملية الحفر، أم لدى تخريبها من قبل القوات المصرية، بتفجيرها أو ضخ المياه العادمة فيها أو غير ذلك، فضلاً عن اعتقال الذين يتم اكتشاف نشاطاتهم، ومصادرة المواد المهربة وضياع الأموال التي خصصت لشرائها. وحسب المصادر الإسرائيلية، فقد دمّرت السلطات المصرية خلال عام 2007 مثلاً 150 نفقاً، وأحبطت مئات عمليات التهريب، ووضعت يدها على عشرات الأطنان ومئات القطع الحربية، واعتقلت عدداً من الفلسطينيين كانوا في طريقهم إلى مهمات انتحارية.

لكن عمليات الحفر والتهريب لم تنقطع، وثمة تقارير إسرائيلية متواترة تتضمن التركيز على حركة نشطاء الفصائل الفلسطينية من قطاع غزة وإليه، وأن سيناء تحولت إلى "منطقة عمق استراتيجي" لحركة "حماس"، وأحد المواقع البارزة التي تتدرب فيها كوادرها هو موقع "جبل هلال"، الذي تصعب متابعة ما يجري فيه، وتتعاون قبائل بدوية معهم، وهناك تجري "حماس" تدريبات على الرمي والصواريخ الجديدة، وتفجير العبوات الناسفة، كما تقوم بتخزين معدات عسكرية تصل من السودان وغيره.

عند هذه النقطة، يمكن متابعة ظهور الشق الإسرائيلي للمشكلة؛ فبتأثير مخاوف إسرائيل من احتمال خروج القطاع من دائرة سيطرتها، وتحسن الوضع الداخلي، المدني والعسكري، في القطاع بفعل نهج "حماس"، مالت إسرائيل إلى تحميل مصر مسؤولية أعمال "حماس"، على غرار تحميل سورية مسؤولية أعمال حزب الله. وربما نجد في هذه المقارنة تفسيراً، ولو جزئياً، للسبب الذي جعل أحد الشروط الرئيسة التي طرحتها إسرائيل على مصر في مباحثات التهدئة، يتركز على ضرورة الوقف الفوري لحركة نشطاء "حماس" بين قطاع غزة وسيناء. ومن المرجح أن تكون القيادة المصرية قد تفهمت ذلك، وبمقتضى تطلعها إلى إنجاز التهدئة، تعهدت بالقيام بكل ما في وسعها لضبط الحدود.

هكذا وجدت مصر نفسها أمام عبء آخر يقتضيه "التعهد" المقدَّم إسرائيل، بصرف النظر عن الإحراج الذي سببه تجاهل إسرائيل لها لدى انسحابها من قطاع غزة دون القيام بأي ترتيب معها. والمفارقة أن إسرائيل رفضت إجراء أي تغيير في حجم القوة المصرية في سيناء، بذرائع أمنية وسياسية وعملية، وادعت أن القوة المصرية الحالية قادرة على عمل المزيد ضد التهريب من القطاع وإليه. وسجلت العلاقات بين الجانبين نتوءات من الخلافات حول السلوك المصري، كان منها، مثلاً، الغضب الإسرائيلي من إعادة الحجاج الفلسطينيين إلى قطاع غزة عن طريق معبر رفح دون أن يتم تفتيشهم.. والمثير للتساؤل أن المطالب الإسرائيلية كانت تتطابق أحياناً مع مواقف السلطة الفلسطينية، كما في "حادثة الحجاج"، وسواها.

بالمقابل، تستوقف المراقب أشكال متعددة للأداء المصري حيال مشكلة قطاع غزة، يفهم منها أن مصر معنية بالتعايش مع هذه المشكلة، وتراهن على الزمن والتطورات في تحجيمها وإبقائها تحت السيطرة؛ فقد اتسم القرار المصري بعدم إغلاق معبر رفح تماماً وتجنب استعداء "حماس" بقدر ملحوظ من الوعي للمخاطر المترتبة على ذلك. ففي ظل الاحتقان الداخلي المصري، وتمتع "حماس" بتأييد الرأي العام المصري، من شأن ذلك أن يؤجج الاحتجاجات التي تقودها حركة الإخوان المسلمين، باتجاه إشعال اضطرابات ضد النظام.

وفي الوقت ذاته، بدأت مصر العمل ميدانياً لإنشاء جدار حدودي ومعالجة شبكة الأنفاق، بمساعدة أمريكية هندسية وعسكرية ومالية (بلغت نحو 23 مليون دولار). وتحدثت أنباء عن أن مصر اقترحت على إسرائيل والولايات المتحدة حفر قناة مائية تغمر بمياه البحر المتوسط على طول "محور فيلادلفيا" لوقف التهريب، ومنع حفر الأنفاق تحتها.

كما أوضحت مصر أبعاد المأزق الناجم عن سياسة إسرائيل وتهديداتها بالتخلي عن مسؤولياتها تجاه قطاع غزة، وتحميل القاهرة عبء هذه المسؤوليات، وكان من بين البدائل التي وضعت لهذا الغرض، التوصل إلى اتفاق أولي تزوّد مصر بموجبه قطاع غزة بالكهرباء، بكميات تسمح لإسرائيل بوقف نقل الكهرباء إلى القطاع في غضون نحو سنتين. وتفيد معلومات متفرقة أن مصر تدرس إمكانية تزويد قطاع غزة بالوقود وبالحاجات الأساسية الأخرى، وفق المعايير الدولية، لتخيف معاناة سكانه جراء الحصار. وبذلك تتضح معالم موقف مصري يقوم على توفير الحد الأدنى من عناصر التفاهم بين مختلف الأطراف، مروراً بالتهدئة التي رأت فيها هذه الأطراف محطة ضرورية، قد تكون اختبارية، خلال عملية البحث عن آفاق مناسبة لأزمة مزمنة.

Share