المصالـحة الوطنيّة في‮ ‬ليبيا‮ ‬

  • 11 ديسمبر 2011

يعبّر "المؤتمر الأول للحوار الوطني" الذي نظّمه "المجلس الوطني الانتقالي" الليبي، أمس، تحت عنوان "الإنصاف والمصالحة"، عن إدراك القائمين على أمر المرحلة الانتقاليّة في ليبيا أهمية الحوار والمصالحة في بناء "ليبيا الجديدة" على أسس صحيحة، وتجاوز المشكلات والعقبات التي يمكن أن تعترض هذا الطريق، أياً كان حجمها، أو درجة التعقيد الذي تنطوي عليه، خاصة أن الدعوة وجِّهت إلى مختلف أطياف المجتمع الليبي من رجال دين ومنظّمات مجتمع مدني وأكاديميين وأعيان وغيرهم للمشاركة في هذا المؤتمر، وأكّدت وثيقة تنظيمه أن الهدف منه هو تحقيق المصالحة، وتنظيم الجهود المبذولة حالياً، ودعمها، لتأكيد اللحمة الوطنيّة، وتأسيس ركائز المصالحة الوطنية، وإيجاد ثقافة التسامح، وطيّ صفحة الماضي، والنظر إلى المستقبل.

من المهم والضروري التطلّع إلى المستقبل في ليبيا، لكن ذلك يجب أن ينطلق من تصفية خلافات الماضي والحاضر واحتقاناتهما، حتى يتم البناء على قواعد سليمة، وحتى لا تستنزف أيّ جهود ليبية في صراعات فرعيّة في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى تكاتف جهود أبنائها كلّهم لإعادة تعميرها وبنائها على المستويات المادية والمؤسساتية والقانونية، بعد سنوات طويلة من الفراغ المؤسساتيّ والقانونيّ، وهذا ما يدركه بوضوح "المجلس الوطني الانتقالي"، ومن ثمّ يحرص على تعزيز ركائز "الإنصاف والمصالحة" من خلال الحوار بين الليبيين.

لقد خطت ليبيا منذ إطاحة حكم معمر القذافي خطوات مهمّة إلى الأمام في مقدّمتها النجاح في تشكيل الحكومة، ووضع جدول زمني محدد للمرحلة الانتقالية في البلاد، لكن ما زال أمامها الكثير من التحدّيات الصعبة التي لا يمكن التعامل معها إلا من خلال رؤية وطنيّة واحدة، لعلّ أهمها مشكلة انتشار السلاح، وهي مشكلة معقدة، وبدأت تأخذ أبعاداً مقلقة خلال الفترة الأخيرة، وإعادة إنتاج النفط الليبيّ بمستواه قبل الصراع الأخير، وتصفية أيّ احتقانات تكون المواجهة المسلّحة، التي شهدتها البلاد على مدى شهور طويلة، قد تركتها على الساحة الليبية.

لقد كان التخلّص من نظام القذافي مهمة صعبة، إلا أن الليبيين الآن، بمختلف تياراتهم وقواهم وتوجّهاتهم، أمام المهمة الأصعب، وهي مهمّة البناء والمرور عبر الفترة الانتقالية الحالية نحو تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، بما يعود على المواطن الليبيّ بأثر إيجابي في حياته ومستوى معيشته. ليست إطاحة القذافي نهاية المطاف، و"المعركة" لم تنتهِ بعد، ولكنها معركة البناء والإعمار ووضع أسس الدولة العصريّة الحديثة في المجالات كافة، وهي معركة أشدّ صعوبة، وتحتاج إلى التعاون والتكاتف بين أبناء الشعب الليبي، في هذا السياق يمثل "المؤتمر الأول للحوار الوطني" لبنة مهمّة في البناء الكبير الذي يحتاج أول ما يحتاج إلى طيّ صفحة الماضي، وتصفية تركته، وتوحيد الليبيين على هدف واحد وطريق واحد.

Share