المصالـحة الفلسطينيّة أولوية مؤجلة

  • 5 يناير 2010

كان من المقرّر أن توقّع القوى الفلسطينية، وعلى رأسها حركتا "حماس" و"فتح"، اتفاقاً للمصالحة الوطنيّة في القاهرة في شهر أكتوبر 2009، إلا أن "حماس" طلبت تأجيل التوقيع، وعبّرت عن تحفّظها على بعض بنود الاتفاق. وخلال الأشهر الماضية لم تتوقّف الجهود والتحرّكات من أجل إنجاز المصالحة، وطيّ هذه الصفحة المظلمة من الشقاق الوطني على الساحة الفلسطينية. في هذا السياق، فإن التصريحات التي أدلى بها رئيس المكتب السياسيّ لـ "حماس"، خالد مشعل، في أثناء زيارته للمملكة العربيّة السعوديّة، مؤخراً، قد أحيت الأمل لدى الكثيرين في تحقيق الوفاق الوطني الفلسطيني، وتجاوز مرحلة الصراع التي أضرّت بالقضية، ربما أكثر من أي شيء آخر، حيث قال إن "حماس" في المراحل الأخيرة من تحقيق المصالحة مع حركة "فتح"، وإن شوطاً كبيراً قد قطِع في هذا الاتجاه.

إن القوى الوطنيّة الحيّة لا بدّ من أن تدرك بعقل منفتح طبيعة التطوّرات والتغيّرات التي تحيط بها ومعناها ودلالتها، وما تقدّمه من دروس وعبر يمكن الاستفادة منها، من أجل تصحيح المسار، ومراجعة التوجّهات والأهداف. ومنذ الانشقاقين السياسي والجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربيّة في عام 2007، شهدت المنطقة الكثير من التغيّرات التي تفرز دروساً من الضروري أن تعيها القوى الفلسطينيّة في بحثها عن التوافق الوطني وتجاوز الخلافات. فقد أثبتت السنوات الماضية أن الصراع بين هذه القوى قد أضرّ بها جميعها، ولم يسئ إلى واحدة دون الأخرى، وقبل ذلك أضرّ بالقضية الفلسطينية، وشوّه صورتها على الساحتين الإقليمية والدولية، كما أثبتت أن الحوار هو وحده القادر على تسوية الخلافات بعيداً عن استخدام القوّة أو التهديد بها، وأن هناك من يعمل على استغلال الصراع الوطني الفلسطيني لتحقيق أهدافه الخاصّة، وأن المراهنة على الوقت لإزالة أسباب التوتّر والمواجهة غير صحيحة، لأن كلّ يوم يمر من دون تحقيق المصالحة الفلسطينية يؤدّي إلى مزيد من التصعيد الذي يباعد بين المواقف، ويزيد الفجوة بين الأطراف المتصارعة.

ولذلك، فإن المصالحة قد أصبحت أمراً ملحّاً لا يمكن تأجيله، أو التهاون في العمل من أجله، لأنه عندما تكون القدس مهدّدة بالتهويد الكامل، والمستوطنات تتمدّد بشكل خطر، وربما غير مسبوق في الأراضي المحتلة، والحكومة الإسرائيلية اليمينيّة المتشدّدة تعمل على تصفية القضية برمّتها من خلال فرض الأمر الواقع على الأرض، والتهديد بقوّة السلاح، ونسف مرجعيّات العملية السلمية كلّها، والفلسطينيون في قطاع غزة يعانون أوضاعاً معيشيّة مأساويّة، ومعرّضين للقصف الإسرائيلي في أي وقت، عندما يكون ذلك كلّه، ولا تزال القوى الفلسطينيّة مختلفة مع بعضها بعضاً، وغزة منفصلة عن الضفّة، وهناك سلطتان تتنازعان الشرعية في الأراضي الفلسطينية، فإن الأطراف المسؤولة عن ذلك تسيء إلى قضية التحرّر الوطني الفلسطيني، وتساعد إسرائيل على تصفيتها، وترتكب خطأ كبيراً في حقّ الأجيال الفلسطينية الحاليّة والقادمة، وربما تحوّل عمليّة المصالحة، مع مرور الوقت، إلى أمل مستحيل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات