المصالح النفطية .. ورقة مؤثرة في إدارة الأزمة العراقية

  • 22 ديسمبر 2002

تسارعت في الأيام الأخيرة وتيرة التصريحات والتكهنات بشأن الأزمة العراقية، ورغم التضارب والتفاوت اللذين يكتنفان تصريحات مسؤولي الدول والأطراف المعنية بدءا بالعراق والولايات المتحدة وانتهاء بفرق التفتيش الدولية مرورا بقوى كبرى ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بالوضع في العراق، فإن هناك ترجيحا لكفة الحديث عن الحرب مقابل تراجع واضح لفرص التسوية السياسية للأزمة، فالأمر لم يعد يقتصر على مجرد "تسريبات إعلامية" غربية تستهدف تعظيم الضغوط النفسية التي تمارس ضد النظام العراقي بقدر ما بات مرتبطا بحقائق ووقائع وتحركات ملموسة على الأرض. زوايا المشهد السياسي الإقليمي باتت مفتوحة إذاً على الاحتمالات كافة، وتضارب الإشارات الذي يعد سمة مميزة للأزمة العراقية منذ عشر سنوات أو يزيد بات أكثر ميلا نحو الخيار العسكري، ويبقى تساؤل: ما هو هامش المناورة السياسي المتاح أمام القوى الكبرى حيال سيناريو الحرب المحتملة؟

الواضح -حتى الآن- أن موسكو وبكين في مواجهة بدائل استراتيجية صعبة يتعين المفاضلة بينها، والأصعب من ذلك أن النظام العراقي قد زاد موقف هذه الدول ارتباكا حين انتقل من دائرة التلويح والتهديد بمصالح هذه الدول النفطية إلى دائرة التنفيذ عبر إلغاء عقد إحدى أكبر شركات النفط الروسية، في تحرك لم يكن يخلو من دلالة بالنسبة إلى الصين أيضا. وما يزيد الأمر تعقيدا أن التحرك العراقي جاء قبيل خوض اختبار قوة دبلوماسي جديد مع الولايات المتحدة حول تحديد ماهية "الخروقات المادية" التي يمكن اتهام العراق بارتكابها، كما أن الدولتين أصبحتا في مواجهة تلميحات صريحة صدرت عن مؤتمر المعارضة العراقية الأخير بالحرمان من المشاركة في تقاسم المصالح النفطية.

وهناك قاعدة في علم إدارة الأزمة تقول إن الطرف الأضعف استراتيجيا يكون في موقف تفاوضي أقوى بحكم انعدام خياراته وتزايد فرص لجوئه إلى "الخيار شمشون" بإعلاء معدلات التهديد بالقوة، ولكن سوء الإدراك وخطأ الحسابات السياسية يمكن أن يحرم الطرف الأضعف من أن يلوذ، أو يحتمي، بضعفه الذي يستمد منه قوته الحقيقية، ومن هنا يمكن فهم خسارة النظام العراقي لإحدى أوراق الضغط الحيوية حين فقد نقط الاتزان الفارقة بين الضغط والتهديد في توظيف المسألة النفطية، فاتحا الباب أمام إمكانية قلب المعادلة الاستراتيجية الروسية، فالمصالح النفطية التي كانت دافعا لمساندة بغداد باتت تضغط في اتجاه معاكس ومغاير تماما كي تتفادى موسكو موقفا جيوسياسيا صعبا تصبح فيه مصالحها النفطية "كبش فداء" لخط سياسي معين تجاه العراق، ولذا لم يكن مفاجئا أن يستخدم الرئيس بوتين مؤخرا عبارة "العواقب الوخيمة" التي يمكن أن يتعرض لها العراق في حال لم يمتثل للقرار رقم 1441 الصادر عن مجلس الأمن، رغم أن هذه العبارة كانت محور خلاف دبلوماسي حاد مع الولايات المتحدة بغية استبعادها من القرار، حيث اعتبرت فرنسا وروسيا أن هذه العبارة تفتح الباب أمام عمل عسكري تلقائي أمريكي، ولكن يبدو أن موسكو أرادت الآن أن تقترب درجة من أن تفتح الباب "بيدها لا بيد عمرو" حفاظا على مصالحها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات