المصالحة الفلسطينية: التفاعلات الداخلية والمؤثرات الخارجية

  • 20 مارس 2011

بعد "الفيتو" الأمريكي الأخير، الذي اُستخدم لإحباط قرارٍ لمجلس الأمن يدين الاستيطان الإسرائيلي، وبالتزامن مع التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية، بدأ موضوع المصالحة الفلسطينية يثير مجدداً سجالاً حاداً بين الفريقين المسؤولين عن حالة الانقسام؛ "فتح" و"حماس" (بصرف النظر عن طبيعة مسؤوليتهما ودرجتها)، ولاسيما مع تنامي التحركات الشعبية المطالبة بإنهاء الانقسام في الضفة الغربية وقطاع غزة، ودخول شخصيات عدة كالرئيس محمود عباس أبو مازن ورئيس وزرائه سلام فياض، وغيرهما، على خط السجال الدائر عبر مبادرات خاصة لإنهاء الانقسام.

وحول البيئة التي يجري في ظلها البحث عن المصالحة الفلسطينية، يمكن القول إن الطرف الإسرائيلي- الأمريكي غير معني بذلك، إلا بتحقيق شرط استجابة "حماس" للمطالب التقليدية، التي تبنتها اللجنة الرباعية الدولية (الاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقات الموقعة معها، ونبذ "الإرهاب"). وبالرغم من انسداد الأفق السياسي، جرّاء نهج الحكومة الإسرائيلية الحالية وإصرارها على المضي قدماً في سياساتها الاستيطانية، فإنه لا يزال من المتعذر فصل موضوع المصالحة عن الحلول المتباينة التي يدور الحديث حولها منذ سنوات طويلة.

في حركة "فتح"، ذهب الرأي الغالب إلى أن المصالحة ينبغي أن تستبطن الموافقة على تقاسم الأدوار، بحيث تكون العملية التفاوضية مع إسرائيل من اختصاص منظمة التحرير، مع إيجاد آلية تسمح للسلطة الفلسطينية (حكومة الوحدة) بقيادة العلاقات الداخلية وفق التفاهمات المتضمنة في "الورقة المصرية" التي وقعتها "فتح"، والتي يطلبون من "حماس" التوقيع عليها؛ لأن مضمونها هو "وثيقة فلسطينية"، بمعزل عن التغيرات التي حصلت في مصر.

وكمدخل لذلك، دعت "فتح" إلى تشكيل حكومة وحدة، مهنية غير سياسية، متفق عليها، تشرف على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وفق القانون الفلسطيني الذي فازت "حماس" على أساسه عام 2006، وبإشراف عربي وإسلامي ودولي، وتقوم هذه الحكومة بتوحيد المؤسسات الفلسطينية، وإعادة إعمار قطاع غزة.

ومع أن هناك معلومات نشرت، بعد حوارات دمشق، حول قبول "فتح" التحفظات التي وضعتها "حماس" على الورقة المصرية، إلا أن الخلاف ظل قائماً، وبدا أنه من الصعب معرفة حيثياته الدقيقة.

وعلى مقربة من طروحات "فتح"، جاءت مبادرة رئيس حكومة السلطة سلام فياض لتؤجج مواقف الطرفين؛ حيث يعتقد فياض أن الثغرة الأكبر أمام إقامة الدولة الفلسطينية، وتوفير متطلبات ضمان تحقيقها، تتمثل في حالة الانقسام القائمة بين شطري الوطن، وأن النجاح في بلورة خطة قابلة للتطبيق العاجل، سيضع الفلسطينيين في موقف أفضل، لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء الوفاء باستحقاق سبتمبر 2011، بإقامة دولة فلسطين المستقلة ضمن حدود عام 1967.

لهذا تضمنت مبادرة فياض؛ تشكيل حكومة وحدة وطنية لإدارة الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال المؤسسات القائمة في الجانبين، وهو ما يتيح لمؤسسات "حماس" الأمنية في قطاع غزة مواصلة عملها تحت الحكومة القائمة. ويُفهم من هذا أن السماح ببقاء مؤسسات "حماس" هو الجائزة التي تقدمها السلطة لحركة "حماس" من أجل إعادة توحيد الوطن. وينص الشق الأمني من الخطة على قيام حكومة الوحدة، إلى جانب مهامها الاعتيادية، بتطبيق المفهوم الأمني المعمول به حالياً في الضفة والقطاع، القائم على "استبعاد العنف"، ويتطلب ذلك من "حماس" مواصلة التهدئة.

وحسب التقارير المنشورة، يجري فياض مشاورات واتصالات مع الدول الأوروبية والإدارة الأمريكية للحصول على اعتراف بالحكومة الفلسطينية الجديدة بمشاركة "حماس"، ووجد ترحيباً بمبادرته لدى بعض الجهات والشخصيات الأوروبية والدولية الفاعلة.

ولكن الأهم من ذلك، هو ردود الفعل الفلسطينية على هذه المبادرة. فرغم نشر تأكيدات بأن مبادرة فياض تحظى بقبول رئيس السلطة محمود عباس وعدد من قادة "فتح"، إلا أن قادة آخرين في "فتح" استنكروا تدخل فياض في "قضية سياسية"، معتبرين أن دوره "إداري" فقط، وأن مسألة المصالحة مع "حماس" وإقامة حكومة وحدة وطنية، تقررهما الجهات العليا وليس رئيس الوزراء. وقدّر هؤلاء أن خطة فياض شخصية وغير منطقية، وأن مشاركة "حماس" في حكومة وحدة في ظل الانقسام مرفوضة، وبقاء الأمن بيدها مرفوض أيضاً، كما أن الحديث عن تشابه السياسات الأمنية ليس صحيحاً.

أما في "حماس"، فقد تم عرض طيف واسع من المفاهيم والرؤى المتعلقة بالمصالحة، انطلاقاً من الإدراك بأن العملية تحتاج لمسار وقناعة وآليات وإجراءات مختلفة. وباعتقاد قادة "حماس"؛ لن تتم المصالحة دون إصلاح منظمة التحرير، كضرورة ملحة، وكمقدمة يجب أن تعلن "فتح" أن إسرائيل هي العدو وأن "حماس" وفصائل المقاومة شركاء، وأن تكون المصالحة – بتعبيرات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" – على أساس "إعلان الجهاد ضد إسرائيل ورفض التفاوض معها". وبالمثل؛ أن يعلن رئيس السلطة محمود عباس بوضوح أنه لا يقبل بتجزئة القدس وأنه يؤمن بحق العودة وعدم التنازل عن الأراضي في الضفة الغربية، والتنكر للتنازلات التي تضمنتها وثائق المفاوضات التي بثتها "الجزيرة". يضاف إلى هذا ضرورة تغيير سلوك "فتح" والسلطة، ميدانياً وأمنياً وإعلامياً؛ لأن المصالحة لا تتسق مع استمرار الاعتقالات والمحاكمات العسكرية للمقاومين والتحريض ضدهم والتنسيق الأمني بين السلطة وقوات الاحتلال.

وحول "مبادرة فياض"، كان هناك مستويان من الحكم عليها لدى "حماس"؛ الأول: أنه يمكن القبول بحكومة وحدة وطنية، ولكن على أساس تفعيل "اتفاق مكة" في سياق وطني جديد يحافظ على خيار مقاومة الاحتلال، والثاني: أن صيغة فياض غير مقبولة، ليس فقط لأنه يمثل أقلية في المجلس التشريعي، (لكونه يترأس قائمة "الطريق الثالث" التي تحتل مقعدين)، وأن دعوته الغالبية للمشاركة في حكومة برئاسته تعدّ محاولة منه لخداع الرأي العام، وإنما أيضاً، وهو الأهم، لأن خطة فياض تركّز على "الوظيفة الأمنية" للسلطة في خدمة الأمن الإسرائيلي، بتضمنها "نبذ العنف"، أي وقف المقاومة ضد الاحتلال، وهو ما يتفق تماماً مع التصور الإسرائيلي الأمريكي لدور السلطة الفلسطينية، ومحاولة تعميم تجربة الضفة الغربية على قطاع غزة.

وبعد تصريحات متعددة حول مبادرة يجري الإعداد لها في "حماس" لمعالجة حالة الانقسام، كان هناك تحرّك في هذا الإطار (في غزة يوم التاسع من مارس/آذار الجاري)، حيث استجابت فصائل فلسطينية (الجهاد والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب)، ومنظمات وفعاليات أخرى، لدعوة "حماس"، لمناقشة المبادرة التي ستعلن عنها قريباً، لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. في هذا الاجتماع، تم الاتفاق على تنظيم مسيرة تجسد الوحدة وتطالب بإنهاء الانقسام وترفع العلم الفلسطيني فقط (وهو ما حدث لاحقاً..). وطرحت "حماس" أفكارها الرئيسة شفوياً حول المصالحة وترتيب البيت الفلسطيني، استناداً إلى حوار شامل مع الفصائل ومؤسسات المجتمع وفعالياته. وحسب التسريبات، تمحورت هذه الأفكار حول ثلاثة بنود؛ أولها: تشكيل قيادة موحدة لإدارة الشؤون الفلسطينية لمرحلة انتقالية يتم الاتفاق عليها، يكون من أبرز مهامها إعادة بناء منظمة التحرير، وثانيها: تشكيل حكومة وحدة وطنية، وثالثها: الاتفاق على برنامج سياسي وطني يحافظ على الثوابت الوطنية وخيار المقاومة.

في خلفية توجهات "حماس"، يدرك المطلعون على آلية صناعة القرار في الحركة، أن قيادتها تعتقد بصورة جازمة أن ثقل النهج المقاوم في معادلة المصالحة والصراع يزداد بصورة ملموسة، وخاصة في ظل التغيرات النوعية التي تشهدها المنطقة العربية. بينما – وفق الاعتقاد ذاته – خسر قادة "فتح" والسلطة الكثير من الرصيد الشعبي بعد تسريب وثائق المفاوضات، كما خسروا الدعم الذي كان يوفره النظام المصري في عهد حسني مبارك، وباتوا مكشوفين، ويبحثون عن غطاء يأملون أن يجدوه في المصالحة، في محاولة للخروج من أزمتهم الداخلية والخارجية، وخاصة بعد انهيار برنامجهم المبني على التفاوض مع العدو، بفعل التعنت الإسرائيلي.

وبالتزامن مع نشاط الحراك الشعبي لإنهاء الانقسام، وبعد دعوة رئيس الحكومة في غزة إسماعيل هنية لرئيس السلطة وقيادة "فتح" لعقد اجتماع عاجل لبحث المصالحة الوطنية، أبدى محمود عباس (خلال كلمته أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير يوم 16 مارس 2011) استعداده للتوجه إلى قطاع غزة "من أجل إنهاء الانقسام وليس لإجراء مفاوضات جديدة مع حركة حماس". وتضمنت مبادرته "تشكيل حكومة من شخصيات وطنية محايدة تتولى التحضير الفوري لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وأخرى للمجلس الوطني لمنظمة التحرير خلال ستة أشهر أو فترة قصيرة يتم الاتفاق عليها، تحت إشراف عربي ودولي كامل". ودعا عباس هنية لإجراء "الترتيبات اللازمة لزيارة غزة بالتنسيق والتفاهم مع الفصائل وفعاليات الشعب الفلسطيني في القطاع والخروج معهم لاستقباله عند معبر بيت حانون خلال أيام". وكلّف عباس وفداً أمنياً، لا يضم سياسيين، للتوجه إلى القطاع للتنسيق والتهيئة للزيارة. وتم إجراء الاتصالات مع الأطراف العربية والإقليمية بشأن المبادرة.

ومن جهتها رحبت حكومة هنية، والفصائل والفعاليات الشعبية، بمبادرة عباس وزيارته لغزة، وبدأت الاستعدادات لهذه الزيارة. واجتمعت، لأول مرة منذ الانقسام، قيادات من حركتي "فتح" و"حماس" في مقر محافظة نابلس، إضافة إلى ممثلين عن عدد من الفصائل الفلسطينية والشخصيات المستقلة، لبحث آليات إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة.

وعلى الرغم من أنه من المبكر الحكم على الحدث الجديد، لكن يستوقفنا مؤشران مهمان؛ أولهما: اتساع الحديث في "حماس" عن ضرورة أن يبادر عباس بإجراء حوار شامل يتناول كل القضايا العالقة بين الجانبين("فتح" و"حماس")، ورفض اقتصار زيارته على توقيع اتفاق مصالحة وتشكيل حكومة، وثانيهما: الغضب العارم الذي قابلت به إسرائيل، على المستويين الحكومي والشعبي، مبادرة عباس للمصالحة، واتهامه بمحاولة إعطاء الشرعية الدولية لحركة "حماس" مرة أخرى، واستغلال التغيرات الجارية في العالم العربي لتشكيل جبهة رفض ضد إسرائيل. وراحت حكومة نتنياهو تجري اتصالات مع الولايات المتحدة ودول أوروبية، لإحباط تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، وطلبت من الأسرة الدولية الإيضاح للفلسطينيين بأن إقامة حكومة وحدة مع "حماس" ستكون "خطوة تدل على عدم الاهتمام بمواصلة المسيرة السلمية".

ومع أن إسرائيل لم تحدد طبيعة الرد المتوقع على تشكيل حكومة وحدة، لكن من المرجح أنها ستوقف التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وستفرض عليها عقوبات تتضمن العديد من الإجراءات السياسية والأمنية وغيرها. وبالتالي، سيبدأ فصل جديد في الصراع. 

على أي حال، مقابل نشوء "فرصة ثمينة" للمصالحة، ومع استمرار التفاعلات المعبّرة عن "الحالة الصعبة"، وتدفق سيول التصريحات للطرفين، تبيّن تفصيلات المواقف المسبقة أن المصالحة الحقيقية بين "فتح" و"حماس" لا تزال بعيدة المنال، في ظل وجود تعارض بين المشروعين/النهجين المتباينين للطرفين؛ في موضوعات التسوية والمقاومة ودور السلطة، فضلاً عن الخلاف حول أسس استعادة الوحدة الوطنية ومسألة منظمة التحرير.

Share