المصالحة العصية

  • 29 مارس 2012

شهد عام2007 تطوراً مأساوياً غير مسبوق في مسار نضال الشعب الفلسطيني من أجل استرداد حقوقه، ففي ذلك العام وقع صدام دموي شامل بين حماس وفتح على أرض قطاع غزة انتهى بسيطرة الأولى على القطاع وانفرادها بحكمه فيما بقيت السلطة الفلسطينية المنتمية إلى حركة فتح منفردة بالسيطرة على الضفة الغربية. وفي الحالتين لا يجب أن ننسى أن الاحتلال الإسرائيلي يعلو الطرفين معاً، فكأنما تركت حماس وفتح عدوهما الرئيس كي ينال كلٌ منهما من الآخر ويقوض قوته. كانت العلاقات قد توترت بين الطرفين وشابتها مناوشات مسلحة في أعقاب فوز حماس بالأغلبية التشريعية في انتخابات2006. فقد أثار هذا الفوز، الذي أدى للمرة الأولى منذ عرفت القضية الفلسطينية فكرة السلطة الوطنية في أعقاب اتفاق أوسلو1993، صراعاً على السلطة بين الطرفين، خاصة وأن مقاليد رئاستها كانت بيد فتح ممثلة في الرئيس محمود عباس.

ليس هذا هو المكان المناسب للبحث التفصيلي في أسباب ما حدث، لكن نتائجه السلبية كانت شديدة الوضوح، فقد قوض الصدام الفرص المتاحة للشعب الفلسطيني لاسترداد ولو جزء من حقوقه سواءً بالطرق السلمية أو المقاومة المسلحة؛ إذ لم يعد ممكناً بعد ذلك الصدام أن يدعي الرئيس الفلسطيني عندما يدخل في مفاوضات مع إسرائيل أنه يمثل كل الفلسطينيين، وبالتالي فإن توصل هذه المفاوضات جدلاً إلى نتيجة لن يكون له أية آثار على قطاع غزة تحت حكم حماس التي ترفض نهج الرئيس أصلاً، كذلك لم يعد بمقدور أية مقاومة فلسطينية مسلحة أن تحقق نتائج باهرة مع هذا الانقسام الثنائي الذي يحرم قطاع غزة من أية مساندة من قبل السلطة الفلسطينية في رام الله.

وللأمانة، فإن انقسام حركات التحرر الوطني ظاهرة معروفة في سياق النضال ضد الاستعمار، غير أن بعض الحركات نجا من هذا الانقسام بفعل التأييد الشعبي الكاسح واستخدام القوة في مواجهة المنشقين وإخضاعهم للتيار العام، كما حدث إبان حرب التحرير الجزائرية. لكن حركات أخرى وقعت في مستنقع الانقسام والصدام المسلح بين قواها الرئيسة، وهو ما أدى إلى تأخير لحظة الاستقلال بالإضافة إلى استنزاف الدولة الناشئة بعد الحصول على الاستقلال، وتعويق أية عملية لإعادة البناء الداخلي وتحقيق إنجازات تنموية، كما كان الحال في حرب التحرير الأنجولية. غير أن المسألة بالنسبة للشعب الفلسطيني مختلفة، فهو أكثر الشعوب احتياجاً لوحدته في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي يجثم على الأرض الفلسطينية، ويبتلعها قطعة قطعة دون أي رادع فلسطيني أو عربي أو دولي، ومع ذلك فإن الانقسام قد قارب الخمس سنوات عمراً، وأحدث ما أحدثه من تخريب في النضال الفلسطيني على الرغم من تعدد الجهود العربية لمواجهته والقضاء عليه. ونشير فيما يلي إلى المحطات البارزة في تلك الجهود.

بدأت تلك الجهود منذ ما قبل الصدام الدموي الشامل عندما لاحت النذر بأن العلاقات بين فتح وحماس توشك أن تتردى في هاوية العنف، وفي هذا السياق بادر الملك عبدالله بن عبد العزيز عاهل السعودية بدعوة الطرفين في فبراير2007 إلى مكة لإجراء "حوارات الوفاق والاتفاق الوطني"، ونتيجة لهذه المبادرة تم التوصل إلى ما يعرف "باتفاق مكة" الذي أكد على حرمة الدم الفلسطيني وأهمية الوحدة الوطنية واعتماد لغة الحوار كأساس وحيد لحل الخلافات، فضلاً عن الاتفاق بصورة نهائية على تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمضي قدماً في إجراءات تطوير منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها (على أساس أن بنيتها القائمة أصبحت متخلفة عن حقائق القوة الجديدة، كظهور حركات المقاومة الإسلامية وفي مقدمتها حماس)، وأشار نص الاتفاق إلى أنه سوف يُمَكِّن من التصدي للملفات الرئيسة المرتبطة بالقضية الفلسطينية، غير أن تطوراً عملياً إيجابياً واحداً لم يحدث في أعقاب الاتفاق، بل لقد وصلت الأمور في يونيو من السنة نفسها إلى الصدام الدموي الشامل.

وفي صنعاء، وبعد أقل من عام على الصدام، تم التوصل بين الطرفين بوساطة يمنية في 23 مارس2008 إلى "إعلان صنعاء" لتحقيق المصالحة الفلسطينية، وقد نصت المبادرة اليمنية على العودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 13 يونيو2007 (تاريخ المواجهة الدموية)، وإجراء انتخابات مبكرة رئاسية وتشريعية، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس وطنية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تُمثَل فيها كافة الفصائل بحسب ثقلها في المجلس التشريعي، مع إشراف لجنة من الجامعة العربية على تنفيذ ما سبق. لكن شيئاً من هذا كله لم يحدث ولو من قبيل المحاولة، واستمر الانقسام.

وفي 26 فبراير2009 بدأت عملية حوار شامل بين الطرفين برعاية مصرية تم التوصل فيها إلى اتفاق تفصيلي سمي "باتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني"، وتضمنت هذه الاتفاقية حلولاً وبرامج تفصيلية في ستة موضوعات هي منظمة التحرير الفلسطينية، والانتخابات، والأمن، والمصالحات الوطنية، واللجنة المشتركة لتنفيذ الاتفاقية، والمعتقلون. وفي البند الأول عن منظمة التحرير الفلسطينية كان التركيز كالعادة على تفعيل المنظمة وتطويرها، وتشكيل مجلس وطني جديد، وتم في البند الخاص بالانتخابات تحديد توقيت كلٍ من الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني (في 28 يونيو2010)، وكذلك نظام الانتخابات (نظام مختلط يجمع بين الانتخابات الفردية والانتخابات بالقائمة)، وتنظيم الانتخابات وضوابطها. وعلى صعيد البند الخاص بالأمن تم التوصل أيضاً إلى اتفاق تفصيلي، وفيما يتعلق بالمصالحات الوطنية جرت محاولة لتصفية تداعيات صدام2007 على العلاقات بين الطرفين، مع تشكيل لجنة فلسطينية مشتركة من كافة الفصائل للإشراف على تنفيذ الاتفاقية. وأخيراً عالج البند السادس قضية المعتقلين من كل طرف لدى الآخر، وهنا حرمت الاتفاقية الاعتقال على خلفية الانتماء السياسي، وطلبت من كل طرف الإفراج الفوري عن المعتقلين لديه من الطرف الآخر. لكن الاتفاقية كالمعتاد لم تسفر عن أي شيء.

وفي أعقاب ثورة 25 يناير المصرية، وكأحد مؤشرات التغيير الجزئي في السياسة المصرية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي، تم تقارب مع حماس ترتب عليه تحسين شروط انتقال الفلسطينيين عبر معبر رفح، وفي هذا المناخ جرت محاولة جديدة للمصالحة برعاية مصرية تُوِجَت باتفاق جديد بين فتح وحماس في القاهرة بتاريخ 30 أبريل2011، وشمل الاتفاق هذه المرة أيضاً قضايا تفصيلية تتعلق بتنظيم الانتخابات بعد عام من توقيعه، بالإضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بترتيب الأوضاع في منظمة التحرير الفلسطينية، وتشكيل الحكومة الفلسطينية مع اختيار رئيسها بالتوافق بين الطرفين، وتفعيل المجلس التشريعي. وتفاءل الكثيرون يومها بتوقيع الاتفاق في ظل مناخ جديد، ودور مصري أكثر فاعلية وقبولاً من الطرفين، لكن مصير اتفاق القاهرة لم يختلف هذه المرة أيضاً، فلم تحدث أية تطورات إيجابية فيما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يتم التوصل إلى حكومة وحدة وطنية، أو التوافق حول شخص رئيسها.

من جانبها دعت قطر في الخامس من فبراير لهذا العام (2012) إلى اجتماع حضره كلٌ من الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وتضمن الاتفاق المعلن نقطة جديدة تتعلق بالتوافق حول محمود عباس كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية الحائرة، على أن تتكون هذه الحكومة من كفاءات مهنية مستقلة، وفيما عدا هذا جرى التأكيد مجدداً على تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها، وإجراء انتخابات لمجلس وطني جديد تتزامن مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وفي هذه المرة لم تقف الأمور عند حدود الجمود الذي شهدته كافة اتفاقات المصالحة السابقة، ولكنها تجاوزت ذلك بكثير إلى اتهام مفاجئ وقاسٍ من قبل حركة حماس وقيادتها للسلطة الوطنية في رام الله، بأنها المسؤولة عن أزمة الوقود في غزة بالتواطؤ مع إسرائيل في مؤامرة لإحكام الحصار حول القطاع. ولا يعنينا الآن التدقيق في صحة هذه الاتهامات التي أنكرتها السلطة بطبيعة الحال بقدر ما يعنينا ما تشير إليه من تدهور حاد في العلاقات بين الطرفين.

هكذا تبدو جهود المصالحة الفلسطينية عصية على كافة محاولات تحقيقها، ولابد أن تكون هناك أسباب عميقة تفسر ذلك، وفي تقديري ثمة أسباب ثلاثة رئيسية: أولها، وإن لم يكن أهمها بالضرورة، هو ميراث الصدام الذي أريقت فيه دماء غزيرة من الطرفين، ويزيد الأمر على ذلك بالنسبة لحركة فتح أن ثمة شعوراً غير معلن بمهانة الهزيمة السريعة والحاسمة لقواتها في غزة. والثاني، أن هناك تناقضاً حقيقياً في النهج بين الطرفين فيما يتعلق باسترداد فلسطين وحقوق شعبها، فبينما قبلت السلطة مبدأ التفاوض مع إسرائيل وأظهرت بصدده "مرونة" فائقة، وثابرت عليه رغم عدم جدواه منذ عقد اتفاق أوسلو في 1993، تحمل حماس رايات المقاومة – وإن كانت لا تقاوم حالياً- وترفع شعارات تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وهو تناقض جوهري يصعب تجاوزه خاصة في ظل العوامل الإقليمية والعالمية. أما السبب الثالث والأخير فهو ما يبدو لي من أن حركة حماس ربما تكون قد أعادت حساباتها بعد التغيرات التي شهدها العالم العربي، خاصة في ظل هيمنة قوى "الإسلام السياسي" بشكل واضح على العملية السياسية في كلٍ من تونس ومصر (والثانية بالنسبة لحماس هي الأهم)، فضلاً عن احتمال تكرار السيناريو نفسه في ليبيا واليمن وسوريا في مستقبل غير بعيد. وإذا كان هذا التحليل صحيحاً فأحد تداعياته أن حماس قد تفكر في أنها يمكن أن تكون بصدد الدخول في تحالف استراتيجي عربي كبير يغيّر الموازين في المنطقة، فلِمَ يكون التوصل إلى حلول وسط مع السلطة الفلسطينية المهادنة لإسرائيل؟ في إطار هذه الأسباب يبدو لي أن المصالحة الفلسطينية ستبقى عصية لسنوات قادمة أو على الأقل إلى حين حدوث تغيير حقيقي في مواقف الطرفين.

Share