المساواة في الوصول للقاحات كورونا المستقبلية.. اختبار للأخلاق والقيم العالمية

  • 25 أبريل 2020

على الرغم من أن مرض فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» بات يضرب في كل مكان من العالم ولا يفرّق بين دولة وأخرى ولا يستثني مجتمعاً دون آخر، إلا أن خطره وبرغم شموليته يهدد بشكل أكبر وأكثر عمقاً وتأثيراً الدول النامية والفقيرة التي ستعاني بلا شك آثاره وتداعياته الوخيمة.
آثار كورونا في هذه الدول ستطال كافة مجالات الحياة في حال توسع اجتياحه لها، سواء كان ذلك في المجال الصحي وارتفاع أعداد المصابين والوفيات، أو في المجال الاقتصادي والخسائر التي ستنجم عن تعطل مظاهر الحياة وتوقف وسائل الإنتاج.
والسبب في ارتفاع نسبة خطورة هذا الوباء على هذه الدول هو محدودية قدراتها على مواجهته، سواء من حيث الإمكانات الصحية والتجهيزات الطبية المتقدمة اللازمة لتقديم الرعاية للمرضى والأدوية والعقاقير التي يمكن أن تساهم في الحد من أعراضه عليهم وتدعم قدرتهم على التعافي منه، وكذلك الكوادر الطبية والتمريضية المدربة والمؤهلة للعمل في مثل هذه الظروف ووسائل الحماية التي تضمن تقليل احتمالات وفرص انتقال العدوى إليهم، أو من حيث مستويات الأمن الغذائي ومدى توافر الأغذية الصحية التي تعزز المناعة وقدرة الجسم على التغلب على الفيروس والتي تفتقر إليها شريحة واسعة من السكان، أو من حيث توافر المياه النظيفة للشرب والاستعمالات المنزلية التي تشكل ضرورة وركيزة أساسية من ركائز التصدي للمرض.
عوامل أخرى تضاف إلى هذه العوامل وتجعل من الدول النامية والفقيرة الحلقة الأضعف عالمياً أمام «كوفيد-19» الذي لا يزال يجوب أنحاء المعمورة ولا يمنح فرصة للبشرية لالتقاط الأنفاس في صراعها معه ومحاولاتها لكبح جماحه وإضعاف قوته والقضاء عليه، على رأسها النقص في المعلومات وعدم توافر المراكز العلمية والبحثية ذات الكفاءة التي يمكن أن تساند جهود الدولة في مواجهة المرض، وتدني مستوى الدخل الفردي والأسري الذي يهدد في حال تراجعه أكثر باضطرابات اجتماعية وحالات انفلات وفوضى في إطار الصراع على توفير الاحتياجات الأساسية، ومحدودية موارد الدولة ذاتها وعدم قدرتها على إطلاق برامج لدعم الاقتصاد ومساعدته على الصمود، بجانب نقص الوعي العام والمجتمعي تجاه خطورة المرض وأهمية اتخاذ كافة الوسائل الوقائية والاحترازية وأقلها التباعد الاجتماعي وتجنب الاختلاط مقروناً بالعادات والتقاليد والأنماط المعيشية والاجتماعية التي يصعب على كثير من المجتمعات في تلك الدول التخلي عنها.
إزاء هذا كلّه وأسباب أخرى متعددة غيره، وفي ظل ضرورات التكاتف بين دول العالم كلها كبيرها وصغيرها وغنيها وفقيرها وقويها وضعيفها، وتوحدها للتصدّي للعدو المجهول والخفي، فقد باتت الحاجة ملحّة وذات أولوية قصوى في أن تحظى الدول النامية بالدعم اللازم الذي يجعلها سنداً لجهود القضاء على الفيروس وليس عبئاً عليها، ودعامة لجدار التصدي له وليس ثغرة يمكن أن ينفذ منها، وهو ما يتحقق بالاستجابة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي صدر مساء يوم الإثنين 20 إبريل الجاري بإجماع أعضائها الـ193، الذي يطالب بإتاحة «الوصول العادل» إلى «اللقاحات المستقبلية» ضد كورونا، ويؤكد «الدور القيادي لمنظمة الصحة العالمية» في جهود مكافحته.
القرار الذي يدعو إلى «تعزيز التعاون العلمي الدولي وتكثيف التنسيق بين دول العالم ومنظماته لمكافحة كوفيد-19»، بما في ذلك منظمات القطاع الخاص، يضع المسؤولية على عاتق الجميع من خلال المطالبة بتمكين دول العالم أجمع من الحصول على لقاح ضد هذا الوباء الفتاك ويؤكّد مسؤولية الشركات المصنعة للأدوية ومختبرات الأبحاث عن توفير ما تستطيع التوصل إليه ليكون في متناول الجميع، وعلى مسؤولية الدول والمنظمات الدولية المعنية عن ضمان توفير الموارد التي تتيح «الوصول العادل والشفاف والمنصف والكفء والفعال في الوقت المناسب إلى الوسائل الوقائية والتجارب المخبرية والأدوية واللقاحات المستقبلية ضد كوفيد-19» ولجميع المحتاجين إليه، ولاسيما البلدان النامية.
كورونا يضع قيم العالم وأخلاقياته في الميزان، فهو ينذر بمخاطر جمة حال تفشيه في البلدان الفقيرة خصوصاً ذات الكثافة السكانية المرتفعة، فالعدوى به تعود لأسباب بيولوجية تتعلق بتركيبته الكيميائية، إلا أن انتشاره وتوسعه يعتمد إلى حد بعيد على ضعف الإمكانيات اللازمة للتعاطي معه خصوصاً في الدول التي لا تتمتع ببنية تحتية صحية متينة قد تجعل هذا التوسع مضاعفاً وتصعّب السيطرة عليه وتقود إلى كارثة إنسانية تدمي الضمير العالمي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات