المساعدات الإنسانية والتنافس الدولي حول سوريا

بعد نقاشات ومداولات استمرت أياماً، وافق مجلس الأمن الدولي على دخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر معبر واحد فقط؛ وذلك في تسوية تعد حلاً وسطاً بعد أن عطلت روسيا والصين قراراً بإدخال المساعدات من معبرين مع تركيا وفقاً للآلية المعتمدة من قبل؛ وهو ما يكشف عن استمرار الخلافات الدولية بشأن الأزمة، ويلقي بضلال من الشك على الجهود الرامية إلى حلها.

عكست النقاشات التي جرت في اجتماعات عقدها مجلس الأمن نهاية الأسبوع الماضي «عن بُعد»، عمق الخلافات بين دول المجلس بشأن سوريا، حيث تمسكت الصين وروسيا بموقفهما الرافض لتجديد التفويض الذي أقره مجلس الأمن قبل 6 سنوات، وكان يسمح بإيصال المساعدات للسوريين من خلال 4 نقاط عبور، منها اثنتان عبر تركيا، وواحدة عبر الأردن، وواحدة عبر العراق. وتم بالمقابل طرح مشروع قرار آخر قدّمته ألمانيا وبلجيكا والكويت، الدول المكلّفة بالشقّ الإنساني من الملف السوري، كحل وسط؛ حيث تبنى المجلس القرار الذي يسمح بدخول المساعدات عبر معبر تركي واحد وهو معبر باب الهوى، ولمدة عام فقط.

وترفض روسيا قرار التمديد، وتطالب بتقليص عدد المعابر إلى معبر واحد، لأنها تريد أن تمر المساعدات الإنسانية عبر الحكومة السورية؛ حيث ترى إمكانية وصولها إلى شمال غرب سوريا من داخل البلاد نفسها.  وقد قال ديمتري بوليانسكي، نائب المبعوث الروسي في الأمم المتحدة عقب التصويت «روسيا تؤيد دوماً إدخال مساعدات إنسانية إلى سوريا مع الاحترام الكامل لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، وبالتنسيق مع حكومتها الشرعية. فلا ينبغي تسييس هذه القضية».

في المقابل، اعتبرت ألمانيا وبلجيكا أن «معبراً حدودياً واحداً غير كافٍ، لكن عدم وجود أي معبر سيثير القلق بشأن مصير المنطقة برمتها». وتريد الدول التي دافعت عن التمديد للتفويض السابق أن تضمن تقديم المساعدات بسهولة وتحت إشراف الأمم المتحدة، وذلك حتى لا تكون ورقة ضغط سياسية يمكن أن تُستخدم من قبل الحكومة السورية، وخاصة أن هناك جهوداً متواصلة من أجل الدفع بالمسار السياسي الذي يسير ببطء شديد، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين أنقرة وموسكو، في مارس الماضي.

وقد اعتبرت المنظمات الإنسانية أن الاكتفاء بمعبر واحد لن يسهم في توزيع المساعدات على جميع المناطق كما يجب؛ وعبرت وكالات الإغاثة العاملة في سوريا عن قلقها الشديد من أن تتدهور الأوضاع بشكل أكبر، وسط أنباء عن إغلاق معبر باب الهوى، بسبب ظهور إصابة بفيروس كورونا فيه؛ ما سيحرم بالطبع ما يناهز مليون ونصف المليون سوري من المساعدات الإنسانية؛ فالمعبر أصبح بعد قرار مجلس الأمن شريان الحياة الوحيد تقريباً للشعب السوري في شمال سوريا وغربها، ومن دونه لا يمكن أن تصل المساعدات إلى سكان المنطقة الذين يعتمدون بشكل أساسي على الغذاء والدواء الذي تقدمه الأمم المتحدة عبر الحدود؛ وهذا يعني تفاقم المعاناة، وخسارة المزيد من الأرواح.

وأياً يكن الأمر، وبالرغم من أهمية القرار الذي صدر بناء على قاعدة «شيء أفضل من لا شيء»، فإنه في الحقيقة لا يلبي احتياجات السكان في شمال وغرب سوريا، حيث يتفاقم الوضع الإنساني هناك، وخاصة مع استمرار القصف العشوائي من فترة إلى أخرى، وتفشي فيروس كورونا، بينما يشهد القطاع الصحي انهياراً شبه كامل. وما يفاقم الوضع أيضاً، قانون قيصر الذي دخل حيز التنفيذ منتصف الشهر الماضي، حيث سيزيد معاناة الناس، ليس فقط في شمال سوريا وغربها، ولكن في عموم البلاد أيضاً، التي تعاني مشاكل اقتصادية صعبة، تفاقمت بعد انهيار العملة السورية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة؛ ما أدى إلى احتجاجات شعبية واسعة حتى في المناطق الموالية للنظام.

إذاً، قرار مجلس الأمن الدولي لم يحل المشكلة؛ حيث لا يمكن للمنظمات الإنسانية أن تقوم بعملها كما يجب؛ وهو ما يتطلب من المجلس، الذي يُفترض أن مهمته خدمة الأمن والسلم الدوليين، وحماية المدنيين خاصة في مناطق النزاع، إعادة النظر مجدداً في هذه القضية الحيوية؛ وعلى أعضائه الذين تسبّبوا في شل المجلس في حالة الأزمة السورية منذ بدايتها، أن يتجاوزوا الخلافات السياسية وحسابات المصالح الضيّقة، وأن يساعدوا في التخفيف من معاناة الشعب السوري، لا أن يكونوا سبباً في استمرار مأساته.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات