المذهب العسكري الروسي الجديد ومحادثات ستارت

  • 14 مارس 2010

بعد طول انتظار وتأجيل، وبعد تخرصات ذهبت بأصحابها كل مذهب، وقع الرئيس ديمتري ميدفيديف المذهب العسكري الروسي الجديد في الخامس من فبراير الماضي، والذي يحل محل سابقه لعام 2000 في توجيه السياسة الدفاعية الروسية في العقد القادم. فما هي انعكاسات هذا المذهب على المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وروسيا للحد من الأسلحة الاستراتيجية (محادثات ستارت)، وعلى معالم وثيقة "مراجعة الموقف النووي" الأمريكية المنتظرة؟

تبدأ وثيقة 2010 بتحليل البيئة الأمنية المحيطة بروسيا، والتي تُوصف بأنها معقدة وديناميكية، ولكن لا تتضمن أي تهديد حال؛ حيث تضاءل حجم الصراع العسكري الذي تواجهه الدولة. ثم تدلف الوثيقة إلى تعداد مصادر الخطر على الأمن القومي الروسي، مع تركيز أساسي على سياسات الناتو في "الجوار القريب". وعلى عكس سابقه الذي اعتبر سياسات الناتو، وإن لم يذكره بالاسم (أشار إلى كتل واتحادات عسكرية)، تهديداً واضحاً، فإن مذهب 2010 يعتبر "بعض" سياسات الناتو خطراً، يمكن أن يتطور إلى تهديد عسكري. ومع ذلك، فإن ذكر الناتو بالاسم لأول مرة في الوثيقة الأخيرة كمصدر رئيس للخطر على الأمن القومي الروسي، وإن لم يكن تهديداً حالاً، من الممكن أن يلقي ببعض الظلال على محادثات ستارت، وعلى عملية "إعادة ضبط" علاقات روسيا بالغرب برمتها. بيد أن هذا السلوك الروسي، الذي يطلق عليه بعض الغربيين رهاب الناتو، ليس مفاجئاً على الإطلاق. فروسيا، منذ سنوات عدة، تعتبر تمدد الناتو إلى جوارها القريب، أو محاولته تقمص دور، أو التحول إلى، منظمة أمنية كونية تتجاوز مجلس الأمن الدولي وتتجاهل آراء ومصالح روسيا، تهديداً للأمن القومي الروسي. ومن المفارقات أن الوثيقة ذاتها تعلن رغبة روسيا في استمرار تعاونها مع الناتو؛ ربما لموازنة ما سبق، وربما لضرورات السياسة العملية، في ضوء استئناف العلاقات بين الطرفين منذ مارس من العام الماضي.

وإن كانت وثيقة 2010 لم تسم الولايات المتحدة كأحد مصادر الخطر الرئيسة للأمن الروسي، فإنها كانت بالقطع في ذهن واضعي الوثيقة حين أشاروا إلى "محاولات لزعزعة استقرار الدول والأقاليم"، و"نشر فرق عسكرية لدول أجنبية في أقاليم مجاورة لروسيا وحلفائها"، و"تدشين نظم دفاع صاروخية استراتيجية"، و"عسكرة الفضاء الخارجي، وتوظيف نظم عسكرية غير نووية فائقة الدقة". ويلخص ذلك ما يعتبره الروس سياسات أمريكية خطرة، أو مهددة لأمن بلادهم، وتحديداً الخطط الأمريكية لبناء نظام دفاع صاروخي في أوروبا، والذي من شأنه- طبقاً لموسكو ـ تقويض الاستقرار الدولي، والإخلال بتوازن القوى القائم، وأن يقود فوراً إلى زيادة درجة العدائية في السياسة الأمريكية تجاه روسيا. أضف إلى ذلك أن وثيقة "المراجعة الأربعية للدفاع" التي أصدرها البنتاجون مؤخراً أشارت إلى تحويل جزء من الصواريخ النووية الاستراتيجية إلى أخرى غير نووية فائقة الدقة، تستخدم في الحروب التقليدية. ولكن إذا كانت الوثيقة الأمريكية اعتبرت روسيا شريكاً محتملاً في جهودها لمواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، فإن الوثيقة الروسية لم تذكر أبداً الولايات المتحدة كشريك محتمل.

وعلى عكس التكهنات الكثيرة، لم يوسِع المذهب العسكري الجديد من دور الأسلحة النووية في السياسة الأمنية الروسية، بل قلل من هذا الدور إلى حدٍ ما، من خلال وضع معايير أكثر تشدداً في استخدام مثل هذه الأسلحة. وقد كانت هذه القضية بالذات خلافية بصفة أساسية بين صانعي السياسة الروسية. ففي أكتوبر الماضي، أشار نيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، وهو الهيئة التي كانت مخولة بوضع مسودة المذهب الجديد، في مقابلة أن الوثيقة الجديدة ستمنح للأسلحة النووية دوراً في الصراعات المحلية (حرب جورجيا مثلاً)، ما كان سيمثل توسعاً هائلاً لدور الأسلحة النووية. في هذا الصدد، وكما كان الحال بالنسبة للمذهب السابق، تميز الوثيقة الجديدة بين أربعة أنواع من الصراعات العسكرية ـ هي الصراع المسلح والحرب المحلية والحرب الإقليمية والحرب واسعة النطاق أو الحرب العالمية ـ لكنها تتيح استخدام الأسلحة النووية في النوعين الثالث والرابع من الصراعات. كما تحذر من أن الحرب الإقليمية التقليدية مع قوة نووية يمكن أن تتصاعد إلى المستوى النووي.

ولكن التغير الأهم في الوثيقة الجديدة يتعلق بالمعيار الجديد لتوظيف الأسلحة النووية، حيث أصبح أكثر ضيقاً في نطاقه وأكثر إحكاماً في صياغته. فبينما يمكن أن تلجأ روسيا إلى استخدام سلاحها النووي، وفقاً للمذهب السابق، "في مواقف تمثل خطراً على أمنها القومي"، فإن وثيقة 2010 تسمح بتوظيفها عندما "يكون وجود روسيا ذاته محل تهديد" في حالة تعرضها لهجوم نووي، أو هجوم بأسلحة الدمار الشامل، أو حتى بهجوم تقليدي. كأن موسكو ضيقت من شروط أو معايير عبور الحاجز النووي في مذهبها الجديد الذي لا يتبنى صراحة خيار الضربة الاستباقية preemptive، والتي كانت جزءاً من المناظرة في أثناء صياغة الوثيقة، وثارت تكهنات بتضمينه فيها. وكان نيكولاي باتروشيف متزعماً لهذا التوجه؛ مستنداً بالأساس إلى سياسات الولايات المتحدة والناتو التي تمثل تهديداً لروسيا، وتضمين وثيقة "المراجعة الأربعية للدفاع" الأمريكية مبدأ "الضربة الكونية الفورية"، بأسلحة نووية أو بأخرى تقليدية فائقة الدقة.

والمهمة الأساسية التي يوكلها المذهب الروسي الجديد للأسلحة النووية هي "منع صراع نووي أو أي صراع عسكري آخر" اعتماداً على مبدأ الردع النووي الكافي. وهذه المهمة أصبحت معيارية بالنسبة لأية دولة نووية، ولكن المذهب الروسي يتضمن عنصراً جديداً، وهو إيكال مهمة الردع الاستراتيجي أيضاً للأسلحة (التقليدية) فائقة الدقة. وهذا يؤشر إلى أن روسيا تخطط لاتباع نفس المسار الأمريكي، وتزويد جزء متزايد من وسائل نقل الأسلحة الاستراتيجية برؤوس تقليدية. علاوة على ذلك، ثمة تأكيد في وثيقة 2010 على قدرة الردع الاستراتيجي؛ ما قد يعني أن روسيا لا تعطي دوراً ظاهراً للأسلحة النووية التكتيكية. وهو الأمر الذي قد يمهد السبيل لمفاوضات ما بعد ستارت 3، بهدف التوصل إلى اتفاقية تعالج فئة من الأسلحة النووية لم تكن من قبل موضوعاً لأي معاهدة دولية، وهي القنابل النووية التكتيكية، والتي تملك الولايات المتحدة 500-1200 منها، فيما تحوز روسيا 3000-3800 رأساً.

وبالجملة، فإن مذهب 2010 يعطي اهتماماً أقل للمكون النووي في القوات المسلحة الروسية مقارنة بسابقه. وهذا واضح حتى على المستوى الشكلي: فهناك فقرات أقل عن استخدام الأسلحة النووية والموقف النووي. وبالعكس، يضع المذهب الجديد تأكيداً معتبراً أكثر على القوات التقليدية، ونظم الأسلحة فائقة الدقة والاتصالات والقيادة والتحكم، وغيرها من العناصر التي تعتبر روسيا متخلفة فيها عن الدول الغربية. وهذا التغير في مناط التأكيد يعكس تركيز القيادة الروسية السياسية والعسكرية على السواء بالتحديث الجاري للقوات المسلحة. ولعل هذا يفسر زيارة الرئيس الروسي لفرنسا في أوائل مارس الجاري؛ حيث طلب مساعدتها في تحديث بعض نظم التسلح الروسية التقليدية. 

وترى طائفة من الخبراء والمحللين أن المذهب العسكري الروسي الجديد ساهم بالقطع في إعطاء دفعة للمحادثات الروسية الأمريكية للتوصل إلى معاهدة جديدة لتخفيض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت 3)، تحل محل نظيرتها المنتهية في 5 ديسمبر/كانون الثاني الفائت. يُذكر أن هذه المحادثات الجارية منذ عامٍ تقريباً طالت أكثر مما كان متوقعاً، وفوت المفاوضون أكثر من فرصة أو استحقاق لإكمال المعاهدة، والتي ستتضمن خفض الترسانة الاستراتيجية لكلٍ من الولايات المتحدة وروسيا بنسبة الربع على الأقل، خلال سبعة أعوام، بما في ذلك الرؤؤس النووية (تُخفض إلى ما بين 1500 و1675) ووسائل نقلها (تُخفض إلى ما بين 500 و1100). بعبارة محددة، فإن الأثر الإيجابي للقيود التي وضعتها روسيا على استخدام الأسلحة النووية يفوق التحفظات الأمريكية والغربية على اعتبارها الناتو مصدر الخطر الرئيس للأمن القومي الروسي.

فلأول مرة منذ تبني سياسة الضربة الأولى، تقرر روسيا تقييد استخدام أسلحتها النووية في وثيقة استراتيجية. وبالفعل، سادت حالة من التفاؤل في الجولة الأخيرة من المحادثات في جنيف التي انتهت في أوائل مارس الجاري، على الرغم من استمرار وجود عقبات تتعلق أهمها بالخطط الأمريكية لإقامة نظام دفاعي صاروخي في أوروبا الشرقية ضد الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى يتحول في مرحلة لاحقة إلى نظام أرضي ثابت، والاتفاق على إجراءات الرصد والتحقق. ومع ذلك، أكد المفاوضون أنفسهم، وكذلك القيادتان الأمريكية والروسية أن الجولة التالية من المحادثات (تبدأ في 9 مارس) سوف تشهد الانتهاء من الاتفاقية، ليتم توقيعها قريباً، ربما في أواخر الشهر الجاري، أو في أثناء قمة الأمن النووي التي ستلتئم في واشنطن (في 12-13 أبريل القادم)، أو ربما في احتفال خاص ينظم لهذا الغرض في أواخر أبريل بالعاصمة التشيكية براغ.

ويتوقع بعض المحللين كذلك أن يكون للبعد النووي في المذهب العسكري الروسي الجديد تأثير على وثيقة "مراجعة الوضع النووي" للولايات المتحدة، والتي كانت مستحقة في ديسمبر الماضي وتأخر إصدارها أكثر من مرة، ولكن من المتوقع أن تصدر قريباً، ربما قبل القمة النووية الشهر القادم؛ لأنها ستكون ضرورية لتأسيس مصداقية لإدارة أوباما خلال القمة التي ستجمع نحو 43 دولة، منها الدول النووية الرئيسة في العالم. وقد أشار بعض الخبراء إلى أن الوثيقة الجديدة ربما تشهد تغييراً، يختلفون في مداه، عن سابقتها التي وقعت في عام 2001. في هذا الصدد، أشار مسؤولون كبار في إدارة أوباما إلى أن الوثيقة الجديدة سوف تتخلى عن بعض سياسات الإدارة السابقة، من قبيل استخدام الأسلحة النووية لاستباق هجوم كيماوي أو بيولوجي أو للرد عليه. وسوف تعمد المراجعة إلى طرق جديدة لتخفيض مخزون البنتاجون من الرؤوس النووية المستخدمة (حوالي 5000). وقد أكد الرئيس أوباما مؤخراً أن المراجعة سوف "تقلص عدد ودور الأسلحة النووية في استراتيجيتنا للأمن القومي، مع الاحتفاظ برادع نووي فعال وآمن".

وأخيراً، جاء توقيع المذهب العسكري الروسي الجديد قبل شهر بالكامل من حلول الذكرى الأربعين للتصديق على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في عام 1970. ومن ثم، يُعتقد أن هذا المذهب، خاصة إذا تم توقيع ستارت 3 في أبريل القادم، سوف يقوي موقف روسيا في مؤتمر مراجعة المعاهدة المقرر عقده في مايو القادم.

Share