المديونيات الـحكومية ناقوس خطر عالميّ

  • 19 يوليو 2011

بعد عام ونصف العام من منازعة الوضع المالي المتأزّم، تتّجه اليونان، ذات المديونية الثقيلة والعجز المالي المزمن والانكماش الاقتصادي، إلى إعلان العجز الجزئي عن تسديد الديون، يحدث هذا برغم الدعم المالي الكبير الذي تلقّته من "منطقة اليورو" و"صندوق النقد الدولي"، وهو الدعم الذي لم يخلُ أيضاً من وجه فنيّ تمثل في سلسلة من التوجيهات والاقتراحات التي قدّمت من قِبل تلك الجهات لمؤازرة الحكومة اليونانية في أزمتها، وكان الهدف من ذلك حماية أول عضو في "منطقة اليورو" من الدخول في دائرة الإفلاس، وجعله حائط صدّ يحمي المنطقة جميعها في مواجهة الأزمة.

إن الإعلان المحتمل لعجز اليونان الجزئي عن تسديد ديونها البالغة 350 مليار يورو سيكون بادرة غير مسبوقة وفاتحة لنيران مالية كئيبة لن ينحصر مداها داخل "منطقة اليورو" فقط، ولكنها تعدّ خطوة باتجاه تحطيم الحاجز النفسي الذي يمنع النظام المالي العالمي من تقبّل فكرة إفلاس الاقتصادات الكبرى، فإفلاس الاقتصاد اليوناني سيفتح الباب لإفلاس اقتصادات أخرى في "منطقة اليورو" وعلى رأسها الاقتصاد الإيطالي، ثالث أكبر اقتصادات "منطقة اليورو"، الذي يبدو مترنّحاً تحت ثِقَل المديونية الحكومية التي تتجاوز نحو 1.8 تريليون يورو أو ما يقدّر بنحو خُمس حجم الناتج المحلي الإجمالي لـ "منطقة اليورو" كلها، وإلى جانب ذلك فهناك دول أخرى في المنطقة تعيش حالة التعثّر المالي وهي البرتغال وآيرلندا وإسبانيا، وهي قد تحتاج إلى مساعدات مالية لإنعاش خزائنها، وضخّ دماء جديدة في اقتصاداتها المتعثّرة.

يحدث هذا في الوقت الذي تواجه فيه "منطقة اليورو" أزمة كبيرة في تدبير السيولة اللازمة لدعم الاقتصادات المتعثّرة، نتيجة تراجع القدرات المالية للاقتصادين الألماني والفرنسي، أكبر المانحين في المنطقة، كما أن هذين الاقتصادين ليسا بعيدين كثيراً عن مشكلات المديونية، إذ تتجاوز مديونيّاتهما الحكومية ما يقدّر بنحو أربعة أخماس ناتجيهما المحليين الإجماليين، وإلى جانب ذلك تتعالى تحفّظات مواطني الدولتين على قيام حكوماتهم باستخدام أموال دافعي الضرائب في بلادهم لتحمّل أعباء الأخطاء المالية لحكومات دول أخرى، ويعني ذلك أن "منطقة اليورو" مقبلة على معضلة مالية صعبة قد تودي باستقرارها، وتهدّد مستقبلها كأنموذج استثنائي ناجح للوحدة النقدية لا يوجد له مثيل في العالم.

ليست "منطقة اليورو" بمفردها هي التي تواجه هذه المعضلة بل إن نيران أزمة المديونية الحكومية قد طالت منذ شهور الاقتصاد الأمريكي على الجانب الآخر من الأطلسي، الذي تجاوزت قيمة مديونيته الحكومية حجم ناتجه المحلي الإجمالي منذ نحو الشهرين، فتخطّت الحاجز المسموح به، ما وضع الإدارة الأمريكية في مأزق ماليّ خطِر، بعد أن باتت غير قادرة على الاستدانة من جديد إلا إذا تمكّنت من رفع سقف المديونية، وإلا ستكون مهدّدة بعدم القدرة على تمويل النفقات الفيدرالية، وقد تتفاقم الأزمة إلى تخلّف عن سداد أقساط الدَّين المستحقة، ما يفتح الباب، حال حدوثه، أمام إعلان الإفلاس، ولعل رفض الكونجرس الأمريكي حتى الآن فكرة رفع سقف المديونية يمثّل ناقوس خطر ليس للاقتصاد الأمريكي بمفرده فقط ولكن للاقتصاد العالمي كله، ينذر باندلاع موجة جديدة من »الأزمة المالية العالمية. 

Share