المدرسون في الإمارات والحاجة إلى مزيد من الدعم

د. عظمى أنزار: المدرسون في الإمارات والحاجة إلى مزيد من الدعم

  • 25 يونيو 2008

شهدت المنظومة التعليمية في دولة الإمارات العربية المتحدة تطوراً ملموساً على مدار العقود الثلاثة الماضية؛ فمنذ ستة وثلاثين عاماً شرعت الدولة في تدشين نظامها التعليمي ببضعة مدارس خُصص جلها للبنين، واليوم أصبح كل مواطني الدولة ينعمون بخدمات تعليمية مجانية لا تعترضها الصعاب ولا المتاعب، بدءاً من مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر (الصف الثالث الثانوي). أما مرحلة التعليم العالي فهي تمثل شاهداً على حرص القيادة السياسية على بناء مستقبل أفضل لأبناء الإمارات، وليس أدل على ذلك من تنوع مجالات التعليم الجامعي والزيادة المطردة في أعداد الكليات والجامعات. وقد استفادت المرأة في الإمارات، شأنها شأن أخواتها في باقي دول الخليج، أيما استفادة من البرامج الحكومية في مجال التعليم، ولعل النسب المرتفعة للفتيات الملتحقات بمراحل التعليم المختلفة بالبلاد وتفوقهن الباهر دليل واضح على ذلك.

وتتركز رؤية القيادة السياسية في البلاد، وكذلك مسؤولو وزارة التربية والتعليم، في هذه الآونة على الارتقاء بجودة التعليم بمختلف مستوياته، لا سيما في مرحلة التعليم الأساسي التي يتخللها بناء العقول وتوسيع المدارك قبل الخروج إلى معترك الحياة الذي يستلزم تراكم الخبرات والمعارف. ومن الُمسلّم به أن عنصر المناهج التعليمية السليمة والكتب المدرسية لا يُعوّل عليه وحده في نجاح المنظومة التعليمية، بل يلزم إلى جانب ذلك توفير المباني المدرسية المناسبة وإتاحة المواد التعليمية، ناهيك عن استقدام المدرسين الأكفاء للعمل بالمدارس، أي إن المعلم القدير هو العنصر الأساس الذي بدونه ينحسر دور العناصر الأخرى انحساراً يكاد يجعلها غير ذات أهمية. وفي معرض الحديث عن هذا الأمر يقول أحد التربويين من كوريا الجنوبية إن "جودة أي نظام تعليمي لا يمكن أن تتجاوز قدرات المعلمين العاملين في إطاره".

 وتحظى قضية المعلمين والتعليم بأهمية بالغة في البلاد، فمع الاعتماد الكبير على المعلمين الوافدين، ومع وجود الجيل الأول فقط من المواطنين الإماراتيين الملتحقين بالجامعات المحلية، أصبح نظام التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة يواجه تحديات كبيرة فيما يتصل بكيفية توفير العدد اللازم من الكوادر الإماراتية المؤهلة للاشتغال بالتدريس، والتي تستطيع أن تأخذ دور القيادة في عملية التطوير الدائم للمخرجات التعليمية في هذا البلد. وتشير الإحصاءات المتاحة إلى وجود نحو 22.000 معلم في البلاد، 43% منهم من الإماراتيات، فيما تتألف النسبة المتبقية من المعلمين والمعلمات الأجانب. ويلاحظ أنه بينما أتاحت فرص الحصول على التعليم العالي للإماراتيات فرص الاشتغال بمهنة التدريس، فإن الشباب الذكور آثروا الابتعاد عن هذه المهنة؛ فوفقاً للإحصاءات الرسمية، لا تمثل نسبة الإماراتيين المشتغلين بسلك التدريس في البلاد سوى 4.5% من إجمالي قوة العمل في هذا القطاع، بل إن عدد الإماراتيين الذين يدرسون حالياً في كلية الإمارات للتطوير التربوي للاشتغال مستقبلاً بمهنة التدريس أو المهام الإدارية في هذا القطاع لا يتجاوز 14 شاباً!!

ونظراً لندرة أعداد الإماراتيين المؤهلين للاشتغال بالتدريس، فإن وزارة التربية والتعليم لم تجد خياراً آخر سوى استقدام معلمين عرب للتدريس في مدارس البنين بمرحلتيها الإعدادية والثانوية، بالرغم من أن بيانات الوزارة تؤكد تفوق المعلمات الإماراتيات بنسبة ضئيلة على المعلمين الوافدين، وهو الأمر الذي يفسر الخلل الحالي في جودة التعليم بين مدارس البنين والفتيات؛ فمعدلات الأداء والتفوق في مدارس الفتيات أعلى من نظيراتها في مدارس البنين.

إن الارتقاء بكفاءة المعلمين الحاليين أمر يحتاج إلى مزيد من الانتباه وبذل كل جهد ممكن، وقد قامت وزارة التربية والتعليم مؤخراً باستحداث معايير جديدة يتم قياس كفاءة المعلمين في البلاد استناداً إليها. وتقضي هذه المعايير بأن يعتبر الحاصل على درجة البكالوريوس في مادة محددة مصحوبة بما لا يقل عن 18 ساعة دراسة للعلوم التربوية، مؤهلاً للتدريس في مدارس الإمارات. وطبقاً لإحصاءات وزارة التربية والتعليم فإن نحو 67% من المعلمين الذكور و45% من المعلمات الإناث يتوافر فيهم شرط درجة البكالوريوس في مادة التخصص التي يريدون تدريسها، غير أن شرط ساعات الدراسة التربوية لا يتوافر فيهم حتى يتسنى لهم مباشرة تدريس تلك المواد. بمعنى آخر، لم يحصل هؤلاء المعلمون، ذكوراً كانوا أم إناثاً، على الساعات التربوية الثمانية عشرة التي تنص عليها المعايير المستحدثة لقياس كفاءة المعلمين. ولتيسير تلبية هذه المعايير واستيفائها من قبل جميع المعلمين، لا بد للوزارة من تخصيص موارد ضخمة لتدريب المعلمين المقيدين لديها وتنمية الجوانب التربوية فيهم.

وثمة قضية أخرى ترتبط بما سبق، هي تلك المتعلقة بمسألة الاستمرار في توفير المعلمين المؤهلين للصفوف (7-12)، أي المرحلتين الإعدادية والثانوية، لا سيما في تخصصات الرياضيات والعلوم والمواد الأخرى ذات الصلة. فطبقاً لدراسة أجراها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في مارس/آذار 2008 اتضح أن أغلبية المواطنات (72%) اللائي يدرسن حالياً للاشتغال مستقبلاً بمهنة التدريس داخل البلاد يعتزمن التدريس في مرحلة التعليم الأساسي بعد التخرج من الكليات التربوية التي يدرسن فيها. من ناحية أخرى، ونظراً لارتفاع تكاليف المعيشة، نجد أن المعلمين الوافدين من العرب المؤهلين للتدريس يعزفون عن الانخراط في سلك التدريس في الإمارات، وهو ما يعني أن على الوزارة وضع خطط مناسبة وتقديم حوافز مغرية خلال السنوات المقبلة بهدف استقدام معلمين أكفاء (من الجنسين) لتدريس مواد الرياضيات والعلوم بفروعها في السنوات الدراسية ما بين الصف السادس الابتدائي حتى الثالث الثانوي.

علاوة على ذلك، فإن وضع برامج مستمرة ومنتظمة للتدريب وتوفير التمويل اللازم لتلك البرامج بغية تدريب المعلمين والنهوض بقدراتهم التربوية من شأنه أن يعود بالخير على المنظومة التعليمية، وأن يعزز من الجهود الحكومية المبذولة في هذا الصدد. وسعياً لتحقيق هذا الهدف، تدرس وزارة التربية والتعليم إمكانية إبرام شراكة مع أقسام التربية في الكليات والجامعات المحلية مثل الكليات العليا للتكنولوجيا وجامعة زايد وغيرها من المؤسسات الخاصة للارتقاء بقدرات ومهارات المعلمين. ولاشك في أن برامج التدريب المسائية أو التي يتم عقدها بعد انتهاء اليوم الدراسي للارتقاء بكفاءة المدرسين ومهاراتهم، يمكن أن تعود بالفائدة على الطلاب والمدارس. غير أن نجاح هذه المساعي يستلزم قيام الوزارة بالنظر ملياً في إمكانية تدبير الحوافز المالية المناسبة للمعلمين حتى يُقبلوا على تطوير مهاراتهم وقدراتهم التربوية.

إن المعلمين هم عماد المنظومة التعليمية في أي دولة، وأي دولة تسعى إلى توفير وجذب أفضل الموارد البشرية المحلية لإدارة منظومتها التعليمية لا يمكن لها أن تتجاهل الأهمية القصوى لوجود معلمين أكفاء. ومن ثمّ، فإن سعي القيادة السياسية للاستثمار بقوة في تطوير قدرات المعلمين في الإمارات من شأنه أن يؤكد، كما هو الحال دائماً، التزامها بتوفير نظام تعليمي ذي معايير عالمية لمواطنيها، وإيجاد قاعدة قوية ومؤهلة من الموارد البشرية من المواطنين. وقد عبر المثقف الأمريكي "ديريك كورتز سبوك" عن أهمية هذا الأمر حين قال "إن كنت ترى أن التعليم باهظ التكاليف، فحاول أن تجرب الجهل!". إن ضخ مزيد من الاستثمارات في المعلمين والارتقاء بكفاءة المنظومة التعليمية وجودتها سيعود، بلا شك، بفوائد جمة مالياً واجتماعياً على الإمارات وشعبها.

Share