المخاطرة بمستقبل العراق

  • 15 نوفمبر 2003

بغض النظر عن صحة المزاعم والاتهامات الموجهة إلى بعض المسؤولين السياسيين العراقيين بشأن تغليب المصالح الاقتصادية والتورط بممارسات غير مقبولة في منح العقود، فإن الأنباء التي تحدثت عن قيام سلطة التحالف المؤقتة بالتحقيق في طريقة منح العقود الخاصة برخص الهاتف وما إذا كان البعض من السياسيين قد استغل نفوذه وتأثيره في سير العملية، تدعو كل الحريصين على مستقبل العراق إلى القلق العميق، لأنها تشير إلى ظاهرة خطيرة في العلاقة بين السلطة والبلاد، يتعين التنبه إليها في وقت مبكر قبل استفحالها.

فمثل هذه الظاهرة لا تقتصر خطورتها في بلد مثل العراق يمر بمخاض عسير، على التبعات الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تنجم عن عملية منح عقود لا تعتمد معايير الكفاءة وحساب التكاليف بقدر اعتمادها على الوساطات والعلاقات التي تربط القائمين على منح العقود بالشركات والمصالح الفائزة، بل تمتد لتشمل مستقبل البلاد والمجتمع العراقي برمته، وذلك لسببين رئيسيين، الأول، هو حقيقة أن أي سلطة جديدة في العراق تكون قد جاءت على أنقاض نظام لم تقتصر جرائمه على السياسة وما ترتب على ذلك من تسلط وقسوة وقمع وقتل مئات الآلاف من البشر، بل امتدت إلى الاقتصاد بشكل إخضاع ثروات البلاد إلى مصالح ورغبات حفنة صغيرة من المسؤولين نجم عنها سوء إدارة وتدمير وتشويه لغالبية المرافق والأنشطة الاقتصادية. والثاني، والأهم، يتمثل في طبيعة المرحلة الراهنة الصعبة التي تمر بها البلاد والتي تتطلب أكبر قدر من الحيطة والحذر في تصرف السياسيين بما يضمن حماية ورعاية المصالح العامة. فمن غير الممكن تصور عملية ضخمة لإعادة الإعمار في العراق في ظل تفشي ممارسات المحسوبية والفساد بين أوساط المسؤولين الذين يتعين عليهم أن يكونوا قدوة أمام الجميع في إظهار معالم العراق الجديد القائم على الحرية والديمقراطية واقتصاد سوق يعتمد الكفاءة أولا وأخيرا في سيرورته ونشاطه. إن وضع المصالح الاقتصادية للمسؤولين في مقدمة اهتماماتهم وفي بلد يمر بمثل ما يمر به العراق لهو مرض لا يقل في أعراضه ونتائجه عن أمراض النظام السابق لما يترتب عليه من مخاطر تهدد مستقبل العراق. المطلوب منذ الآن وضع أسس وقواعد عمل واضحة وصريحة تعتمد الشفافية والمسؤولية والمحاسبة سواء فيما يتعلق بمنح العقود أو بتسيير النشاط الاقتصادي هدفها الأول تحصين صانع القرار السياسي من الولوج في أنشطة يمكن أن تؤثر في قراراته وتبعدها عن المصلحة العامة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات