المجتمع المدني في العراق: الواقع والتحديات

المجتمع المدني في العراق: الواقع والتحديات

  • 24 أكتوبر 2004

انشغل مفكرو العالم العربي بقضيتي الأمن والسياسة في العراق عن قضايا لا تقل عنهما أولوية وجدية؛ مثل بناء مؤسسات المجتمع المدني، التي تُعد – لارتباطها بعلاقة جدلية مع الديمقراطية – أحد مظاهر حالة التعافي في المجتمع العراقي، والتي يعزز وجودها فرص هذا المجتمع في الخروج من دوامة الفوضى والعنف وتحقيق الاستقلال والديمقراطية. ففي حين غابت مؤسسات المجتمع المدني في العراق أيام حكم النظام السابق، تمثل المرحلة الراهنة فرصة ثمينة للاتجاه نحو العمل الجماعي وبناء التشكيلات المهنية والمعرفية والاجتماعية والسياسية المنظمة التي تقوم على مصالح شرائح واسعة من الناس وتلبي حاجاتهم الأساسية. ليس من الصعب الاستدلال على ندرة وجود أي نوع من البنى المدنية في ظل النظام العراقي السابق، وأن ما كان موجودا منها بالفعل خضع لقيود صارمة أو أزيل باعتباره يشكل خطرا أو تهديدا محتملا للنظام. ولقد أسس النظام السابق هيمنته على مؤسسات المجتمع المدني تشريعيا عبر المادة 26 من الدستور العراقي الصادر عام 1990، والتي اشترطت ضرورة انسجام ممارسة حرية الرأي والنشر والاجتماع والتظاهر وتأسيس الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات مع خط الثورة "القومي والتقدمي". 

وهذا ما جعل الكثير من المؤرخين والمفكرين يربطون نهاية المجتمع المدني العراقي، الذي شهد ازدهارا كبيرا في مراحل تاريخية سابقة، بتولي حزب البعث السلطة في العراق. أدى التضييق الذي مارسه النظام السابق على أنشطة المجتمع المدني في الداخل إلى نقل جزء من فعالياته إلى الخارج، فنظمت الجاليات العراقية نفسها في مؤسسات وهيئات بلغ عددها نحو 32 منظمة حتى عام 2003، اتخذت جميعها طابعا سياسيا معارضا، وهي المنظمات التي بادر معظمها إلى تكثيف نشاطها أو محاولة العمل في الداخل عقب سقوط النظام السابق. لقد دلت حالة الانفلات الأمني وتفشي الفوضى وأعمال العنف فور سقوط النظام السابق في العراق إلى أن هذا الأخير قوض بالفعل أي فرص لنشوء مجتمع مدني كان يمكن أن يقوم بدور في احتواء تداعيات انهيار السلطة والحد من الدمار الذي خلفته الفوضى في غياب أي فعاليات لها القدرة على التنظيم والحشد وحل المشكلات الجماعية. ورغم هذا فإن العراق ليس حديث العهد بما يسمى مؤسسات المجتمع المدني، بل ازدهرت في عشرينيات القرن الماضي أشكال عدة من البنى المدنية كالمؤسسات المهنية القانونية، والصحافية، والأحزاب السياسية، والاستوديوهات الفنية، وجمعيات الكتّاب، واتحادات العمال، وامتد هذا الازدهار إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. 

وفي الخمسينيات تمكن عدد كبير من العراقيين من المشاركة في السياسة العراقية من خلال الانضمام إلى عدد كبير من الأحزاب السياسية التي تشكلت في العراق آنذاك؛ مثل الحزب القومي الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وحزب الأمة، والحزب الشيوعي، وغيرها، كما طور شعراء العراق وأدباؤه حركات جديدة في الشعر والأدب، كالشعر الحر، والقصة القصيرة. وقد كفل الدستور الملكي عام 1925 للشعب العراقي في المادة 12 حرية الرأي والتعبير وتأسيس الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، دون شروط. لقد أثرَت تبعات الحرب الأمريكية على العراق التراث الفكري الغربي في موضوع المجتمع المدني بدراسته للحالة العراقية، وساهم العديد من المفكرين والباحثين والصحافيين الغربيين بالبحث والتقصي عن هذا الموضوع، لارتباطه المباشر بجهود إعادة إعمار العراق، وبناء "عراق حر مستقل"، واعتبر هؤلاء أن بناء مجتمع مدني في العراق يفوق في الأهمية بناء الديمقراطية نفسها، وأن بقاء الديمقراطية ممكن فقط من خلال دعم الأنشطة التي تربط الأفراد بمجتمعاتها. وتم تدعيم هذا التوجه برصد مبالغ مالية وصلت إلى 730 مليون دولار من قبل الدول المانحة، خصصت لبرامج الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان واللاجئين، كما نشطت مؤسسات ومنظمات دولية عدة في العمل في العراق، لكن هذا الحماس خفّ مع توالي أحداث العنف التي تشهدها الساحة العراقية. وحسب المفوضية العامة لمؤسسات المجتمع المدني العراقي، والتي تضم ممثلين مخولين من المنظمات والجمعيات والاتحادات والنقابات والهيئات والمؤسسات كافة غير الحكومية في العراق، يوجد في العراق حالياً 132 مؤسسة موزعة في نشاطها واهتمامها ما بين الفئات الاجتماعية كالمرأة والطفل والشباب، والمهنية كالمعلمين والمحامين والمزارعين والمهندسين والعاطلين عن العمل، والسياسية كالديمقراطية والسجناء والسلام وحقوق الإنسان، وغيرها من المؤسسات المهتمة بالبيئة، والفنون والرياضة. 

ومن الواضح أن هذه المؤسسات جميعها قد أنشئت بعد سقوط النظام السابق، ويقنن عملها الدستور المؤقت الذي تم تبنيه في مارس 2004، والذي ينص في مادته 21 تحت بند المجتمع المدني على ما يلي: "لا الحكومة الانتقالية العراقية ولا الحكومات وإدارات المناطق، والحكام والبلديات، ولا الإدارات المحلية يمكن أن تتدخل في حق الشعب العراقي في تطوير مؤسسات المجتمع المدني، سواء بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الدولي أو غير ذلك". شجع الوضع الجديد في العراق العديد من المنظمات العراقية التي تأسست في الخارج على إعادة تنظيم نفسها من جديد بما يتلاءم والمرحلة الراهنة، وأصبح نشاط العديد منها يتركز في العمل التطوعي وجمع التبرعات في الداخل والخارج، إلى جانب العمل السياسي. لا يمكن تقييم الوضع الحالي لمؤسسات المجتمع المدني في العراق تقييما محايدا إذا ما أغفلت جوانب مهمة تؤثر مباشرة في نشوء وممارسة هذه المؤسسات سلبا وإيجاباً؛ فغياب الأمن، والوضع الاقتصادي المتردي، والاحتلال جميعها عوامل لا يمكن أن تسير جنبا إلى جنب مع العمل المدني الجماعي، كما أن التركيبة المعقدة للمجتمع العراقي التي تفرضها انتماءات طائفية ودينية وعرقية وعشائرية تعتبر تحديا حقيقيا يمكن تجاوزه وتوظيفه لصالح العمل العام في حال وُجه الاختلاف بمسار الإغناء والتفاعل الإيجابي البنّاء، وتمكن العراقيون من تحقيق التوافق بين أطيافهم المتعددة والوصول إلى اتفاق على المبادئ الأساسية، وأهمها حرية العراق واستقلاله، وإلا سيكون الإفناء وتغييب الآخر سيد الموقف. إن الزيادة المطردة في عدد منظمات المجتمع المدني العراقية في ظل الأوضاع الجديدة لا تعني مباشرة أن أداء تلك المؤسسات إيجابي، فالظاهر أن هذه التنظيمات تعاني مشكلات فنية ومادية وأمنية، لكنها في المقابل نجحت في توزيع اهتماماتها على مجموعة من الموضوعات ذات الأولوية الآنية؛ كالبيئة والمرأة والطفل وضحايا الحروب والفقر والبطالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

 لا يمكن تخيل أن يكون العراق بلدا ديمقراطيا إذا لم تتدخل عوامل أخرى تحّيد أو تخفف ما تركه أسلوب التغيير الذي حصل في العراق بفعل قوة خارجية من آثار سلبية، كما أن عوامل التغيير الداخلية يجب أن تكون من القوة والتمكن ما يجعلها قادرة على الدفع باتجاه إعادة التوازن إلى العراق. الأمر الذي يتطلب ضرورة وجود بنى مدنية واجتماعية ومبادرات جمعية تقود التغيير من الداخل وتأخذ بالاعتبار قدرات الشعب العراقي وإمكانياته، ويتبناها العلماء والمختصون والمهنيون، خاصة وأن العراق لديه الإمكانية أن يكون أكثر بلاد الشرق الأوسط تقدماً وتطوراً، لامتلاكه أعدادا كبيرة من المتعلمين تعليما عالياً، وتراثا حضاريا عظيما وتاريخاً عريقاً، إلى جانب إمكانياته الزراعية، وامتلاكه لمخزون هائل من النفط، الذي سيوفر ما تحتاجه مشروعات التنمية الطموحة مستقبلا. وفي سبيل تسريع نمو وتطوّر كفاءة مؤسسات المجتمع المدني الحالية في العراق تظهر الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي والقانوني والإداري الذي ينظم عمل هذه المؤسسات في العراق، ويوضح علاقتها بمؤسسات الدولة الرسمية، ويحفظ لها حق العمل بكل حرية ومسؤولية. 

كما تحتاج مؤسسات المجتمع المدني في العراق إلى رعاية المنظمات الدولية المتخصصة والعمل معها لمواجهة بعض الصعوبات لا سيما ما يتعلق منها بالتمويل، وهو ما يضمن عدم تأثر المؤسسات المدنية بتوجهات الجهات الممولة، ولعل الحرص على اقتطاع جزء من الأموال التي خصصت لإعادة إعمار العراق لدعم مؤسسات المجتمع المدني سيفيد في نهوض الأخيرة بالعمل على تحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها. ولتنظيم عمل مؤسسات المجتمع المدني في العراق تتضح الحاجة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات الحديثة كالإنترنت، الذي سيتيح المجال للعاملين في هذه المؤسسات فرصة التواصل مع غيرهم من المهتمين بقضاياهم حول العالم، والاطلاع على أوراق بحث ووثائق ومقالات لم تكن لتتوافر لهم، كما ستتيح لهم المجال للتواصل مع بقية الفعاليات العاملة في هذه المؤسسات عبر المناطق المختلفة في العراق. إضافة إلى هذا، فمن الضروري العمل على توفير التدريب اللازم للكوادر الناشطة في هذا المجال، على أن يشتمل التدريب على تطوير المهارات والقدرات اللازمة لعمليات تأسيس الجمعيات والمنظمات المدنية، وجمع التبرعات، وكتابة التقارير، واستخدام تكنولوجيا المعلومات والإعلام الحديثة.

Share