"المتانة الاقتصادية" للإمارات عالية جداً

  • 31 مارس 2011

على هامش فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر "التطورات الاستراتيجية العالمية: رؤية استشرافية"، والذي عقده مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في الفترة (3-5 مايو 2009)، أجرى موقع المركز مقابلة حصرية مع الدكتور مانو باسكاران، زميل باحث أول بمعهد دراسات السياسات في سنغافورة؛ لعرض آرائه بخصوص عدد من الموضوعات المتعلقة بمرحلة ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، وقدرة الصين "الزائدة"، وربط العملة، وتجارة النفط بالدولار الأمريكي. وفيما يلي نص المقابلة:

س: هل يمكنكم إلقاء الضوء على "المنظور الجديد" الذي يمكن أن يتبلور في مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية؟

ج: سيكون لدينا وضع جديد بشكل كامل بعد الأزمة المالية العالمية؛ لأن الأبعاد الجيوسياسية التي تحرك الاقتصاد العالمي سوف تتغير. فأولاً-  قامت الولايات المتحدة بدور موازن في العديد من مناطق العالم، وخصوصاً في آسيا؛ من أجل المحافظة على الاستقرار الإقليمي والدولي. وهذا الدور الأمريكي الموازن سوف يتقلص. وفي هذه الحالة، فإن ما يطلق عليه "السلع الدولية العامة" (توفير الاستقرار، ومن ثم إتاحة الفرصة للأسواق الاقتصادية بالازدهار) سوف تقل قيمتها، وسوف يصبح العالم مكاناً أكثر خطورة. ثانياً، سيكون هناك تغير كبير في المدخلات الإيديولوجية في السياسة الاقتصادية مع انخفاض الثقة في عمل السوق الحرة؛ ما يعني مزيداً من الممارسات التنظيمية في القطاع المالي، ومزيداً من القيود على تدفقات رؤوس الأموال وغيرها. وسيؤدي ذلك إلى بعض المشكلات في النظام المالي العالمي. ثالثاً، سنشهد نمواً بطيئاً للاقتصاد العالمي؛ مع ولوج كل من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان في فترة من "التعافي" تحاول خلالها حل المشكلات التي سببتها الأزمة الاقتصادية في المقام الأول. وسيحتاج هذا إلى بعض الوقت. وخلال هذه الفترة، سوف ينخفض الإنفاق الاستهلاكي، ويتم تخفيض الإنفاق العام. ومن ثم ينخفض الطلب، و يتباطأ النمو.

ومن ناحية أخرى، تتحرك الصين نحو مرحلة مختلفة من النمو، حيث يتم التشديد ليس على تحقيق معدل أعلى من نمو الناتج المحلي الإجمالي، بل على نوعية هذا النمو. بعبارة أخرى، سوف يستهدف الصينيون معدلاً أقل من النمو، ولكنه ذو نوعية أعلى من ناحية آثاره على البيئة وتوزيع الدخل وغيرهما. ولهذا، فإن نمواً اقتصادياً بطيئاً من جانب الصين، وإن كان جيداً نوعياً، يعني نمواً أبطأ للاقتصاد العالمي ككل.

ويتعلق البعد الجيوسياسي الرابع بالبنية المتغيرة للاقتصاد العالمي. فمكانة الولايات المتحدة، مقارنة بالقوى الاقتصادية الكبرى الأخرى، تنخفض سواء ما يتعلق بالوزن النسبي لناتجها المحلي الإجمالي أو أهمية الدولار كعملة احتياط وحساب عالمية. وهناك أيضاً صعود الصين، وهو الأمر الموثق جيداً. بيد أن أحد الجوانب المهمة للاقتصاد العالمي، والتي لا يتم التركيز عليها، ليس صعود الصين فقط، بل الصعود المتزامن للصين والهند والعديد من الاقتصادات الناشئة الأخرى، ولاسيما البرازيل وتركيا. وهذا الصعود المتزامن للعديد من الاقتصادات الكبيرة، مع تهافتها على الموارد وقدرتها على المنافسة في أسواق التصدير، سوف يكون له دلالات هائلة على الاقتصاد العالمي.

س: هل يمكن توضيح ما أسميته "القدرة الزائدة" للصين والمشكلات الأخرى ذات الصلة التي تواجه هذه الدولة وتؤثر في مكانتها المستقبلية في الاقتصاد العالمي؟

ج: بشكل عام، أعتقد أن الصين تتصرف بشكل جيد على المدى الطويل. ولكن مصدر القلق أن رد فعل الصينيين على انهيار شركة "ليمان براذرز" في سبتمبر 2008 وغيرها كان مفرطاً. لقد قاموا، بشكل أساسي، برد فعل نقدي وليس مالياً؛ بمعنى أنهم أطلقوا فقاعة استثمار هائلة، تم تمويلها بواسطة الزيادة الكبيرة في عرض النقود والائتمان. فقد ازدادت نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين بنحو 30 نقطة في 15 شهراً؛ وهذه زيادة ضخمة. ولهذا، حصل تزايد للتضخم (حوالي 5% وهو رقم كبير). وإذا لم يقم الصينيون بالتخلص من فائض النقود الزائد من النظام المالي، فإن التضخم سوف يصبح أكثر خطورة. ولكنهم حالياً يواجهون مشكلة تتعلق بكيفية التخلص من النقود الزائدة من دون التسبب بصدمة قد تفضي إلى انخفاض النمو. علاوة على ذلك، فإن مستوى الفساد في الصين لا يزال عالياً. فبعض حكومات المقاطعات والحكومات المحلية فاسدة جداً، وتعيق سير الأعمال التجارية. وقد يحصل بعضها على حيازة غير قانونية لأملاك وأراضي الغير.

س: ما هي مؤشرات التدهور النسبي لمكانة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي؟

ج: بادئ ذي بدأ، لن ينمو الاقتصاد الأمريكي بأكثر من 2.5% سنوياً، خلال السنوات الخمس أو الست القادمة. وبالمقابل، تشهد الصين والهند، وغيرهما من الاقتصادات الناشئة مثل البرازيل وتركيا والسعودية، نمواً بوتيرة أسرع. وبصفة عامة، فإن معظم دول العالم، باستثناء أوروبا واليابان، سوف تنمو بمعدلات أسرع مقارنة بالولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك، يتراجع الوزن النسبي للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. كما أن دور الدولار الأمريكي كوحدة للتبادل وتحديد القيمة سوف يتدهور. وعلى المستوى الكلي (السياسة المالية ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي والسياسة النقدية والنظام السياسي)، ثمة متاعب تعاني منها الولايات المتحدة. ولكن على المستوى الجزئي، لا تعاني من أية مشكلة. فلا يوجد، في رأيي، نظام يتمتع بالقدرة على الإبداع وممارسة الأعمال وبناء الثروة مثل النظام الأمريكي. فمثلاً، في السنوات العشر المنصرمة، لم تكن الولايات المتحدة في وضع جيد بعكس الصين. ومع ذلك، كانت الأولى مسؤولة عن اختراع غوغل وآي– فون وآي– باد وأبل …إلخ. في الحقيقة، ثمة شيء ما يتعلق بالولايات المتحدة يتيح لها مستوى مذهلاً من الإبداع وطاقة الأعمال. ويجب ألا نقلل من أهمية هذا البلد، الذي سيستمر المولّد الأساسي للثروة والمعرفة والإبداع في العالم.

س: ما رأيكم في "المتانة الاقتصادية" للإمارات العربية المتحدة"؟

ج: تتخذ السياسات المالية والنقدية في دولة الإمارات، وهما مصدر القوة لهذا البلد، بحذر واهتمام بالغين. وأعتقد أن أداء المصرف المركزي للإمارات العربية المتحدة كان ممتازاً فيما يتعلق بالمحافظة على القوة المالية. علاوة على ذلك، فإن السرعة التي تم التعامل بها مع مشكلة دبي أظهرت قوة أساس الاقتصاد الإماراتي ومتانته.

ومع ذلك، فإن المشكلة الرئيسة التي تواجهها الإمارات تتعلق بضرورة تنويع الصادرات؛ حيث يعتمد اقتصادها بشكل كبير على صادرات النفط. بيد أن صانعي القرار في دولة الإمارات يحاولون جاهدين اغتنام الفرصة المتاحة من جراء ارتفاع الطلب على النفط، ومن ثم زيادة أسعاره، لبناء قاعدة تصدير أكثر تنوعاً ومتانة، عن طريق الاستثمار في القطاع المالي وقطاعي السياحة وتقنية الطاقة الخضراء (مدينة مصدر). ويبدو أن الإمارات تسير على الطريق الصحيح. وإذا تابعت الدولة العمل على تنويع اقتصادها، فسوف تمتلك اقتصاداً قوياً جداً.

إن قضية المتانة الاقتصادية تتعلق بالقدرة على النهوض بعد الأزمات. وأعتقد أن الإمارات العربية المتحدة قد تعلمت القواعد الأساسية للقيام بذلك. الاختبار الأقصى للمتانة الاقتصادية يتم عند حصول صدمة؛ حيث يتم اختبار طريقة استجابة النظام. وقد تم اختبار الاقتصاد الإماراتي بالفعل، سواء من خلال التعامل مع الأزمة المالية العالمية أو أزمة دبي. ويمكنني القول إن النظام المصرفي الإماراتي قوي، ويستطيع تحمل الصدمات. أضف إلى ذلك أن المتانة الاقتصادية هي الموازنة بين مضخمات الصدمة وآليات امتصاصها؛ بمعنى أنه يجب أن تخفض مضخمات الصدمات وأن تطور آليات لامتصاصها. ويلاحظ أن مضخات الصدمة هي مسألة سياسية بشكل رئيسي. يجب أن تبني نظاماً سياسياً رشيداً قادراً على استيعاب أي صدمة دون أن يضخمها. ويجب أن يتواجد قطاع مالي قوي لاستيعاب الصدمة. وأعتقد أن الإمارات العربية المتحدة قد تمكنت من القيام بهذه الأمور. باختصار، فإن المتانة الاقتصادية للإمارات عالية جداً.

س: هل يجب أن تبقي الإمارات العربية المتحدة عملتها مرتبطة بالدولار الأمريكي؟

ج: بالنسبة للاقتصادات صغيرة الحجم، مثل الإمارات وسنغافورة، فإن سعر الصرف هو السعر الأكثر أهمية في الاقتصاد. ولهذا، إذا كنت تريد مرتكزاً نقدياً، فيجب أن يرتبط بمعدل صرف العملة، والذي يجب أن يكون مرتبطاً بشيء ما بأي شكل من الأشكال. والسؤال المطروح هو ماهية الشكل الأمثل؟ اختارت هونغ كونج، على سبيل المثال، ربط عملتها بالدولار الأمريكي بمعدل ثابت. وقد نجح هذا النظام في هونغ كونج؛ لأن اقتصادها مرن جداً، وبنيته الاقتصاد جد متينة. بعبارة محددة، في اقتصاد مرن جداً وآليات قوية لامتصاص الصدمات ونظام مالي متطور جداً وسواها من الأمور، فإن نظام الارتباط النقدي قد ينجح.

وفي سنغافورة اخترنا ربط عملتنا بسلة من العملات، وليس بعملة واحدة. ولكن الارتباط النقدي هنا ليس ثابتاً، بل من النوع الزاحف. وفي هذه الحالة، يحدد سعر صرف الدولار السنغافوري في ضوء وجود أو عدم وجود مشكلة تضخم. وإذا توقع المصرف المركزي حصول تضخم، فإنه يسمح بزيادة قيمة صرف العملة مقابل السلة مع الوقت. فمثلاً، نشهد حالياً زيادة قيمة الدولار السنغافوري بسبب مشكلة التضخم.

خلاصة الأمر، أعتقد بوجوب إنشاء نوع من الارتباط النقدي بالنسبة للاقتصادات صغيرة الحجم، مثل الإمارات العربية المتحدة. ولكن يجب ألا نربط العملة بالدولار الأمريكي بالضرورة، فيمكن أن يتم الربط بسلة من العملات، أو بعملة دولية أخرى مثل اليورو والين، وحتى حقوق السحب الخاصة (SDR). أما مسألة تعويم سعر الصرف، فقد تكون مسألة خطرة في الوقت الحالي.

س: ماذا تعتقد في تجارة النفط بواسطة الدولار الأمريكي؟

ج: أعتقد أن من المحتم أن تتقلص هيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياط ووحدة حساب عالمية. وفي تجارة النفط، يعمل الدولار كوحدة حساب. وفي رأيي، لا يوجد سبب يفسر هذا الوضع. فبالنسبة لبعض السلع التجارية، مثل المطاط، يقوم كل من الرنجت الماليزي والدولار السنغافوري بدور وحدة الحساب؛ نظراً لأن هاتين الدولتين من أكبر مصدري المطاط.

بعبارة واحدة، ليس هناك من سبب يدعو لاستعمال الدولار الأمريكي في تجارة النفط. إن الأمر لا يعدو مجرد مسألة تاريخية. ولكن أي سياسة بديلة يتم اتباعها يجب الاتفاق عليها بين منتجي النفط الأساسيين ومنظمة الأوبك. وبالطبع من الأسهل المتاجرة بالنفط من خلال استعمال عملة واحدة مقارنة باعتماد عدة عملات.

Share