المتانة الاقتصادية الخليجية في مواجهة الأزمات العالمية: المؤشرات والدلالات

  • 18 سبتمبر 2011

تُعد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من أقل البلدان في العالم تضرراً من الأزمات الاقتصادية العالمية، ولاسيما الأزمة المالية وأزمة الديون الأمريكية- الأوروبية، حالها في ذلك حال العديد من البلدان الصاعدة، كدول مجموعة "بريكس" التي تضم الصين وروسيا والبرازيل والهند.

ولكل من هذه البلدان والمجموعات الاقتصادية الأسباب والمبررات التي جعلت اقتصاداتها أقل تأثراً بهذه الأزمات التي عصفت بالاقتصاد العالمي، ولاسيما الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، والتي ما زالت تداعياتها تتوالى تباعاً.

وما يعنينا هنا هو تلك الأسباب والدلالات التي تخص دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولاسيما ما يرتبط ببنيتها الاقتصادية، التي أهلتها لتتعامل مع تداعيات هذه الأزمات بمرونة عالية، إضافة إلى بعض المتغيرات العالمية التي منحت هذه البلدان مرونة إضافية.

وتقف المسألة الخاصة بتطورات أسواق النفط العالمية في مقدمة هذه المتغيرات الدولية التي ساعدت دول المجلس على الحد من الانعكاسات السلبية لهذه الأزمات على أوضاعها الاقتصادية؛ حيث ارتفعت أسعار النفط من 36 دولاراً للبرميل في بداية عام 2009 أي بعد الأزمة المالية مباشرة لتكسر حاجز المائة دولار للبرميل في عام 2011 مما ساهم في توفير قدرات مالية كبيرة لدول المجلس وفائض مهم في موازناتها السنوية (يتوقع أن يصل إلى 304 مليارات دولار في 2011 مقابل 136 مليار دولار حققها في 2010 وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي) استغلته هذه البلدان في دعم المؤسسات المالية والمصرفية فيها، وفي زيادة الإنفاق الحكومي وتنشيط الأوضاع الاقتصادية بشكل عام.

وقد ساعد ذلك كثيراً على الخروج من شرنقة الديون الهالكة والمخصصات الكبيرة لها، والتي تعرضت لها بعض البنوك الخليجية من جراء التأثيرات الشديدة للأزمات على بعض القطاعات، وخاصة القطاع العقاري والهبوط الحاد في أسواق الأوراق المالية في دول مجلس التعاون.
وبفضل سرعة انتعاش قطاع التجارة والنقل الدوليين، تمكنت دول المجلس من استرجاع مكانتها الدولية في أنشطة هذين القطاعين اللذين يشكلان نسبة مهمة من الناتج المحلي، وخصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تحولت إلى مركز عالمي للتجارة والنقل.

وضمن هذه العوامل أيضاً، تأتي مسألة محدودية انكشاف المؤسسات المالية والمصرفية الخليجية على البلدان المأزومة بالديون، كالولايات المتحدة واليونان وإيطاليا وأيرلندا؛ حيث تعاني العديد من اقتصادات البلدان، كألمانيا وبريطانيا وفرنسا من جراء انكشافها على الدول التي تعاني من تراكم الديون العالمية، مما عرضها، وما زال، لتداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة.

وبالإضافة إلى هذه العوامل والمتغيرات الدولية، فإن اقتصادات دول المجلس حققت تقدماً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين جعلها أكثر قدرة على تحمّل التقلبات الاقتصادية العالمية والتعامل معها بمرونة أكبر؛ حيث أصبحت هذه الاقتصاديات أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على أسعار النفط المتأرجحة صعوداً وهبوطاً، ليس استجابة لمستويات العرض والطلب في الأسواق العالمية فحسب، بل تجاوباً مع الأحداث السياسية والأمنية ورغبات المضاربين؛ حيث حققت دول المجلس واحدة من أعلى معدلات النمو في العالم خلال سنوات العقد الماضي.

وشهدت السنوات الماضية أيضاً تطورات ملحوظة في أداء المؤسسات المالية والمصرفية الخليجية، ولاسيما الصناديق السيادية، التي أصبحت في مقدمة الصناديق السيادية في العالم في حجم الموجودات؛ إذ قامت هذه الصناديق بشراء حصص مهمة من أصول مؤسسات مالية عريقة وذات عائدات جيدة بشكل عام، كما استحوذت على مؤسسات أخرى بالأهمية نفسها. وقد أتاح مثل هذا التوجه مضاعفة عائدات الاستثمارات الخارجية؛ بحيث أصبحت تشكل جزءاً كبيراً من عائدات الدولة، بل إنها اقتربت في بعض السنوات من عائدات النفط، مما وفر مداخيل إضافية مكنت دول المجلس من التغلب على بعض التداعيات الناجمة عن الأزمات العالمية.

وتزامناً مع ذلك حقق القطاع المالي والمصرفي المحلي تقدماً نوعياً في أدائه؛ بحيث تحولت العديد من المؤسسات والمصارف المحلية إلى مؤسسات كبيرة نسبياً، سواء من خلال الزيادات المتتالية في رؤوس الأموال والأصول أو من خلال الاندماجات الكبيرة، كاندماج بنك دبي الوطني وبنك الإمارات الدولي ليشكلا أكبر بنك في المنطقة تحت اسم "بنك الإمارات دبي الوطني"؛ إذ أدى ذلك إلى زيادة اندماج القطاع المالي والمصرفي في الاقتصاديات الخليجية التي أصبحت أقل اعتماداً على المؤسسات والبنوك الأجنبية في تمويل المعاملات والعقود التجارية والمشاريع التنموية الكبيرة، وبالتالي قلل كثيراً من انكشافها على المؤسسات المالية والمصرفية الأجنبية المتورطة في الأزمات العالمية، وبالأخص أزمات الديون.

ملخص ما سبق، أن القطاعات الاقتصادية الخليجية الأكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، وهي قطاعات الخدمات المالية والتجارة والنقل الجوي استطاعت تفادي الجزء الأكبر من تداعيات الأزمات  العالمية، في الوقت الذي استعادت فيه أسواق النفط العالمية قوة اندفاعها، مما ساعد دول المجلس على تجاوز تداعيات هذه الأزمات بأقل الخسائر الممكنة.

ومن المؤكد أن لهذه التطورات والتغيّرات الخليجية النوعية دلالات عديدة تكمن في تأكيد ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى إحداث مزيد من التنوع في الاقتصادات الخليجية، بما يزيد من مناعة هذه الاقتصادات وقدرتها على مواجهة الأزمات القادمة والمتوقعة وفق البنك الدولي للإنشاء والتعمير.

ومن الدلالات المهمة في هذا الصدد تعزيز مكانة دول مجلس التعاون ودورها في الاقتصاد العالمي، فهذه الدول وبفضل قوة اقتصادها، صُنّفت ضمن الاقتصاديات العالمية الصاعدة إلى جانب الصين والهند والبرازيل، والتي ساهمت، وما تزال، تساهم بقوة في جهود إنعاش الاقتصاد العالمي؛ بفضل معدلات التنمية العالية التي تحققها، وبفضل ارتفاع مستويات الطلب في أسواقها على مختلف أنواع السلع والخدمات.

وفي هذا الصدد يمكن لدول المجلس، إضافة إلى دورها المحوري في تعزيز التوازن المطلوب بين العرض والطلب في أسواق النفط العالمية، المساهمة في إيجاد الظروف المناسبة للنمو الاقتصادي العالمي وتجنب الدخول في مرحلة ركود جديدة والحد من التضخم.

وبالنتيجة، فإن البنية الاقتصادية والسياسات المالية والاقتصادية المرنة التي انتهجتها دول مجلس التعاون الخليجي لم تتح التخفيف من حدة تداعيات الأزمات المالية والاقتصادية العالمية فحسب، وإنما أتاحت أيضاً فرصاً استثمارية مجدية استغلتها دول المجلس في تخفيض تكاليف المشاريع التنموية المزمع تنفيذها داخلياً والاستحواذ على مؤسسات مهمة ومربحة خارجياً، مما يعطي دفعاً جديداً لاقتصاديات هذه الدول في السنوات القادمة.

Share