المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا.. وكبح الطموحات الروسية والتركية

  • 12 أغسطس 2020

بعد دور ضعيف كان أقرب إلى الغياب منه إلى الحضور، أحيت الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامها بالساحة الليبية، التي ما زالت تشهد تنافساً دولياً محموماً على النفوذ، وصراعاً لتوسيع مساحات السيطرة بين الجيش الوطني وميليشيات حكومة الوفاق؛ بهدف تعزيز الأرضية التفاوضية وانتزاع المزيد من الأوراق التي تعزز قدرة كل طرف على فرض شروطه.

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية التي شاركت بشكل فاعل في الضربات الجوية التي لعبت الدور الأبرز في إضعاف قوات الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، ومن ثمّ إسقاط نظامه في عام 2011، ثم انسحبت لاحقاً من الساحة الليبية، باتت قلقة من المآلات التي وصل إليها الصراع في هذا البلد، والتي تشكّل تهديداً ربما يكون مباشراً لمصالحها في منطقة شرق البحر المتوسط بشكل عام، وفي منطقة شمال إفريقيا على وجه التحديد، خصوصاً في ظل تنامي النفوذ الروسي الذي يشكل التحدي الأول ليس للولايات المتحدة وحدها، بل ولحلفائها في حلف شمال الأطلسي، وتوسّع وتنامي الطموحات التركية التي باتت تثير حفيظة الأمريكيين وتسبب لهم حرجاً مع العديد من حلفائهم الأوروبيين. وقد تجلى القلق الأمريكي من الدورين الروسي والتركي من خلال العديد من الرسائل التي أطلقتها واشنطن مؤخراً ودعت فيها إلى وقف التدخلات الخارجية في الملف الليبي، وخصوصاً تلك التي تزيد من عسكرة الأزمة وتصب الزيت على النار، وإعلانها بشكل واضح، وعلى لسان سفارتها في طرابلس، معارضتها الشديدة للتدخل العسكري الأجنبي، بما في ذلك استخدام المرتزقة في إشارة إلى تركيا التي تقوم بنقل مقاتلين من سوريا لدعم ميليشيات الوفاق، والمسلحين التابعين للشركات شبه العسكرية في إشارة إلى شركة (فاغنر) الروسية التي تقدّم الدعم لقوات المشير خليفة حفتر، وتحذيرها من استغلال الصراع لإقامة وجود عسكري دائم والسيطرة على الموارد التي يمتلكها الشعب الليبي.

ولم يقتصر الاهتمام الأمريكي المستجدّ بالأزمة الليبية على المواقف الإعلامية، بل تجاوز ذلك إلى اتصالات دولية بدأت الإدارة الأمريكية بإجرائها في سبيل التوصل إلى صيغة مقبولة تنهي الأزمة، حيث تناقلت العديد من وسائل الإعلام العالمية أخباراً حول مباحثات أجراها الرئيس دونالد ترامب، مؤخراً مع عدد من قادة دول العالم، وكان محورُها الوضع في ليبيا والتهديدات التي يتسبب بها تجاه مصالح الأمن الجماعي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في منطقة البحر المتوسط.

التطور الأبرز الذي شهده الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية، هو المبادرة التي طرحتها الولايات المتحدة لحل الأزمة أثناء اللقاء الذي عقده السفير الأمريكي في القاهرة، جوناثان كوهين، مع رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، والتي تتضمن ثلاثة محاور هي: إنشاء منطقة منزوعة السلاح تشمل خط سرت الجفرة ومنطقة الهلال النفطي، بما يمكّن المؤسسة الوطنية للنفط من استئناف عملها ويسمح بإعادة تدفق النفط الليبي إلى الأسواق العالمية، وهو ما يقتضي إنهاء سيطرة قوات الجيش الوطني الليبي على الحقول والموانئ النفطية، وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل، وخصوصاً فيما يتعلق بإيرادات النفط، بحيث تشمل الأقاليم الثلاثة للبلاد، وسحب المرتزقة وتشديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على الأطراف الليبية، ثم التوصل إلى صيغة نهائية لوقف إطلاق النار، بموجب محادثات اللجنة العسكرية (5+5) التي ترعاها الأمم المتحدة.

وكانت الولايات المتحدة قد سبقت طرح مبادرتها بعدة مطالب وجهتها إلى حكومة الوفاق عبر القائم بأعمال السفارة الأمريكية في طرابلس، وهي وقف التصعيد العسكري في سرت والجفرة، وتسريح الميليشيات ونزع سلاحها، ومغادرة القوات الأجنبية والمرتزقة وإعادة فتح قطاع الطاقة، وهو ما يكشف عن توجّه أمريكي جديد يقوم على إعادة ضبط البوصلة على الساحة الليبية بما يضمن منع السيطرة الكاملة لأي طرف من الأطراف على مقدرات البلاد، وفي مقدمتها الثروة النفطية.

التحرك الأمريكي بدأ يثير ردود فعل الأطراف المعنية بالوضع الليبي، وفي مقدمتها روسيا التي أظهرت عدم رضاها تجاهه، وذلك وفقاً لنائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ألكسندر فينيديكتوف، الذي اتهم الولايات المتحدة وحلفاءها بمحاولة الاستيلاء على موارد النفط في ليبيا وفنزويلا، المعروفتين بامتلاكهما احتياطيات كبيرة من هذه المادة، الأمر الذي قد يدفع باتجاه المزيد من التوتر والتعقيد في الأزمة، ويؤكد الحاجة إلى تفاهمات دولية بشأن المبادرات التي يمكن أن تُخرج الأزمة من واقعها الحالي الذي وصل إلى مرحلة أقرب ما تكون إلى الجمود.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات