المأزق الاستراتيجي الفلسطيني الراهن

  • 31 مايو 2010

مرت في شهر مايو 2010 الذكرى الثانية والستون لإعلان دولة إسرائيل في 15 مايو 1948 على أكثر من نصف أرض فلسطين الطبيعية، وقد يكون من المفيد بهذه المناسبة التوقف عند تحليل الوضع الاستراتيجي الفلسطيني بعد ما يزيد على ستة عقود تلت إعلان دولة إسرائيل، وهو وضع يشير بداية إلى مأزق واضح. لسنا في حاجة بطبيعة الحال إلى الإشارة إلى أن إسرائيل فيما يزيد قليلاً على ستين عاماً تمكنت من فرض سيطرتها على كامل الأرض الفلسطينية اعتباراً من عدوانها على العرب في1967، وإنما قد يكون من المهم أن نلفت إلى أن المسألة قد تجاوزت بكثير احتلال الأرض إلى تآكل هويتها بفعل الاحتلال، وبصفة خاصة في الآونة الأخيرة مع الاندفاعة المتسارعة في عمليتي الاستيطان والتهويد.

قد يقول البعض إننا نشهد الآن مفاوضات إسرائيلية-فلسطينية غير مباشرة بوساطة أمريكية مما قد يبرر الأمل في إمكان التوصل إلى تسوية قد تحفظ ولو بعضاً من الحقوق الفلسطينية، غير أن الكل يدرك، أو على الأقل يدرك الفلسطينيون، أن هذه المفاوضات لا يمكن أن تفضي إلى أي نتيجة مُرضية لهم على ضوء المواقف الإسرائيلية التي لم يعد تطرفها المتزايد خافياً على أحد، ومع ذلك فإن الفلسطينيين قد قبلوا الانخراط في هذه المفاوضات حتى لا يُتهموا كالعادة بأنهم يضيعون فرصاً للسلام، وربما حتى تظهر السلطة الفلسطينية وكأن لديها بدائل للحركة طالما أنها لا تفعل شيئاً من أجل القضية سوى التفاوض، وبصفة خاصة على ضوء تراجع الدعم العربي إلى الحد الذي يجعل النظام العربي الرسمي لا يملك إلا أن يوفر غطاءً شرعياً لمفاوضات عقيمة.

غير أن المواقف الإسرائيلية المتطرفة التي تجعل من إخفاق هذه المفاوضات شيئاً مفروغاً منه -خاصة أن الفلسطينيين لم يعد في جعبتهم مزيد من التنازلات- لا يجب أن تُرد إلى تطرف الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية فحسب، وإنما يجب أن تٌفهم أساساً على ضوء الخلل الفادح في ميزان القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولذلك فإن الطريق إلى إحداث أي تقدم في الموقف الفلسطيني لا يمكن أن يبدأ إلا بالعمل على تصحيح هذا الخلل، وهذا هو جوهر المأزق الفلسطيني الاستراتيجي الراهن، ذلك أن الفلسطينيين بشتى فصائلهم وعلى اختلاف توجهات هذه الفصائل لا يبدو أنهم يملكون رؤية لتصحيح هذا الخلل، ناهيك عن أن توضع هذه الرؤية موضع التطبيق.

وثمة وسائل عديدة تملك قوى التحرر الوطني لشعب خاضع للاحتلال أو للاستعمار أن تبدأ عن طريقها في تصحيح ميزان القوى بينها وبين المستعمر أو المحتل. وعلى الرغم من أن البعض يفهم النضال التحرري وكأنه الكفاح المسلح فقط فإن تجارب التحرر الوطني المعاصرة تشير بوضوح إلى تنوع وسائل تصحيح ميزان القوى بدءاً من الكفاح المسلح، كما كان الحال في الخبرة الجزائرية، وانتهاءً بالنضال السلمي على النحو الذي سارت عليه التجربة الهندية بقيادة المهاتما غاندي، وبين الطرفين توجد آليات أخرى لعل من أهمها العصيان المدني، لكن مشكلة القوى المسؤولة عن النضال الفلسطيني في الوقت الراهن أنها لا تتبنى أياً من هذه الآليات، وقد تهاوت كلها واحدة تلو الأخرى بعد أن كانت المقاومة الفلسطينية قد حققت نقلة نوعية في آلياتها في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته انتهاءً بما عرف بانتفاضة الحجارة في نهاية الثمانينيات، غير أن اتفاقية أوسلو 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين استطاعت إحداث تحول استراتيجي واضح في وضع المقاومة الفلسطينية. صحيح أن هذه الاتفاقية قد مثلت السابقة الأولى لاعتراف إسرائيل بوجود شعب فلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل لهذا الشعب، لكنها استطاعت أن تخترق جدار المقاومة بالفكرة العبقرية التي تضمنتها عن إقامة سلطة "وطنية" في ظل الاحتلال.

في كافة التجارب الاستعمارية وتجارب الاحتلال الأجنبي كانت السلطات الاستعمارية وسلطات الاحتلال تحرص بعد حين على إقامة سلطة من أبناء البلد الخاضع لها والمستعدين للتعاون معها تحت وهم أن هذا هو السبيل الأمثل لنيل الحرية، وكانت مهمة هذه السلطة بصفة عامة هي تنفيذ السياسة الاستعمارية أو سياسة الاحتلال بأيدي أبناء البلد الأصليين، لكن تكييف هذه السلطة "سياسياً" لم يكن موضعاً لأي جدل، فقد صنفتها الشعوب الخاضعة للاستعمار والاحتلال وحركات التحرر التي انبثقت عن هذه الشعوب باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من العملية الاستعمارية أو من بنية سلطات الاحتلال، وعليه كانت هذه السلطة دوماً هدفاً طبيعياً لحركات التحرر الوطني مثلها في ذلك مثل جنود الاستعمار والاحتلال، أما الحالة الفلسطينية بعد أوسلو 1993 فقد تفردت ببناء السلطة من قوة المقاومة الرئيسية للمشروع الصهيوني في ذلك الوقت، وهي حركة فتح. قبلت الحركة هذا الوضع وصار منها رئيس للسلطة ورئيس للمجلس التشريعي ورئيس للحكومة، وأخذت الحركة سمات "الدولة العربية" وعيوبها دون أن يكون لها أي من مزايا هذه الدولة، والأهم من ذلك أن قوات المقاومة التابعة لفتح قد تحولت بموجب هذه السلطة إلى قوات أمن داخلي تحفظ النظام داخل الأراضي المحتلة بما في ذلك تطويق أي حركة شعبية مناهضة للمشروع الصهيوني على أرض فلسطين.

في مقابل ذلك استمرت حماس -ثاني كبريات الفصائل الفلسطينية بعد فتح- وعدد آخر من الفصائل في رفع شعار المقاومة وممارسته، لكنها أسقطت تحفظاتها على فكرة السلطة الوطنية في ظل الاحتلال ربما خشية أن يستأثر غيرها بمقاليد الأمور فيفرض قيوداً على حركة حماس في المقاومة، أو رغبة في أن تظهر بمظهر الأقوى على الساحة الفلسطينية. في هذا السياق دخلت حماس انتخابات 2006 مسقطة بذلك بطريق غير مباشر تحفظاتها على اتفاقية أوسلو التي انبثق عنها قانون الانتخابات، وفازت حماس بالانتخابات بعد حصولها على أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي، وشكلت الحكومة، فما الذي حدث؟

تغير بذلك جذرياً نمط الصراع بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وهو في هذه الحالة يدخل في فئة الصراعات غير "المتناظرة" التي تدور بين جيوش الاستعمار والاحتلال وحركات تحرر تخوض حرب عصابات قائمة على الكر والفر دون قواعد ثابتة معتمدة على الاحتضان الشعبي لها، وأصبح الصراع بين إسرائيل وفصائل المقاومة -ولو في أبعاد أساسية- صراعاً "متناظراً" يدور بين قوتين نظاميتين لكل منهما مقاره ومؤسساته ورجاله، ولم تكن إسرائيل تحتاج إلى وضع أفضل من هذا كي تسدد ضربات قاصمة متتالية للمقاومة الفلسطينية خاصة إن فكرت أن تبادر بفعل مقاوم. وإذا كانت حماس قد أبقت على شعارات المقاومة مرفوعة، فإن سلوكها الفعلي صار هو "التهدئة"، وإذا كانت قد صمدت صموداً بطولياً سواء في وجه الحصار الذي فرض عليها بعد وصولها إلى الحكم أو في مواجهة العدوان الإسرائيلي واسع النطاق في أواخر 2008 وأوائل 2009 فإن هذا كله لم يقربها خطوة واحدة من طريق استعادة الحقوق؛ لأنها صارت منكشفة كما جرى لفتح قبلها، وزاد الطين بلة أن الخلاف بين فتح وحماس قد وصل إلى حد الصدام المسلح في 2007، وأن كل محاولات استعادة الوحدة الوطنية بين أكبر فصيلين في حركة التحرر الوطني قد باءت بالفشل.

من الناحية الفعلية إذن لم تعد لدينا مقاومة فعلية للمشروع الصهيوني. هناك صاروخ أو صاروخان يطلقان من حين لآخر على مدينة إسرائيلية قريبة، أو حركات احتجاجية تخرج أسبوعياً مع نشطاء سلام إسرائيليين وغربيين لتعلن رفضها ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. لكن الموقف يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. فهو يحتاج أولاً إلى المضي قدماً وبسرعة في عملية إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تعد تعبر بحال عن الجسد السياسي الفلسطيني، ثم يحتاج ثانياً إلى مراجعة فكرة السلطة في ظل الاحتلال، وهناك من الفلسطينيين من يرى ضرروة حل هذه السلطة وتحميل إسرائيل بصفتها قوة احتلال كافة أعباء إدارة شؤون الأراضي المحتلة، أو على الأقل تطوير هذه السلطة بحيث تكون سلطة تكنوقراطية وإدارية فحسب! وقد يحل هذا صراع حماس وفتح على السلطة- على أن تبقى القيادات السياسية خارج الأراضي المحتلة تدير النضال الفلسطيني وليس شؤون الحياة اليومية لشعب لا يأمن شر اقتحام القوات الإسرائيلية في كل وقت، ثم يحتاج الأمر ثالثاً إلى العمل بكل السبل على تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس، وقد يكون إلغاء السلطة مفيداً في هذا الصدد، وأخيراً ثمة حاجة ملحة بعد هذا كله إلى الاتفاق على كلمة سواء بين فصائل المقاومة فيما يتعلق بالرؤية الشاملة لأساليب النضال وأدواته، وهذه قصة أخرى.

يخشى المرء إن ظلت الأمور على ما هي عليه في الساحة الفلسطينية أن يصبح كل ما مضى من عمر المقاومة عبثاً يصل إلى نقطة لا يمكنه التحرك بعدها ولو خطوة واحدة إلى الأمام، وأن يصيب هذا التآكل من ثم هذه المقاومة، وهي ظاهرة عرفتها حركات تحرر وطني كثيرة غير حركة التحرر الفلسطيني، إلى أن تظهر قوى أخرى بديلة قادرة على حمل مشروع التحرر دون الوقوع في شراك العدو. فهل يختار الفلسطينيون، أو بالأحرى قياداتهم، الاستمرار في مأزقهم الاستراتيجي الراهن، أم أن ثمة من لا يزال يتحرك في الاتجاه السليم؟ 

Share