الكويت وزلزال التأبين

د. بشارة نصار شربل: الكويت وزلزال التأبين

  • 21 فبراير 2008

لم يكن ما ضرب الكويت في الأيام الماضية أقل من زلزال سياسي خطير سيترك شروخاً وتصدعات تحتاج وقتاً طويلاً للالتئام. فهذا البلد الذي مر بمخاضات سياسية متعددة بينها تجربة الاحتلال وجد نفسه فجأة، بعد اغتيال القائد العسكري في "حزب الله" عماد مغنية، في قلب حدث لم يكن يحسب أنه سيكون في صميمه يوماً من الأيام.

كانت الشرارة ذلك البيان الذي بعث به التحالف الوطني الإسلامي (شيعي) إلى "حزب الله" اللبناني يبارك له فيه بـ "استشهاد" مغنية والذي تبعه تصريح وزير الداخلية الكويتي جابر الخالد الصباح تنديداً بـ "الإرهابي الذي نال جزاءه"، لكن هذه الشرارة كان يمكن أن تنطفئ في مهدها لو لم يرتكب النائب عدنان عبد الصمد المعروف بأنه زعيم "حزب الله" الكويتي غير المعلن حماقة إقامة تأبين شعبي في إحدى الحسينيات في مدينة الكويت برّأ فيه مغنية من جريمة خطف الطائرة الكويتية "الجابرية" في عام 1988، والتي قتل فيها كويتيان، ومن تهمة تفجير موكب الأمير الراحل جابر الأحمد الصباح.

خطيئة عبد الصمد جاءت مزدوجة؛ فهو استفز، أولاً، مشاعر أكثرية كويتية تعتقد على نطاق واسع بأن مغنية هو مرتكب عمليتي الخطف والتفجير، أو أنه مرتكب لواحدة ووراء واحدة أخرى، فوضع بذلك الطائفة الشيعية في موقع الاتهام بالولاء. وهو أثار، ثانياً، قوى سياسية وإعلامية وطائفية سنية كانت تنتظر فرصة للظهور بمظهر المدافع عن العصب الكويتي ولخوض معركة رابحة تسجل فيها نقاطاً واضحة حتى ولو كانت على حساب الوحدة الوطنية والوئام الداخلي.

واضح لكل متابع للشأن الكويتي أن خطوة النائب عبد الصمد وزميله أحمد لاري في إقامة حفل التأبين أزهقت جهد سنوات طويلة من بناء النسيج الوطني الكويتي، وأطاحت جزءاً من إيجابيات معركة تحرير الكويت التي خاضها الجمهور الشيعي بتصميم وتفان فأزالت كل غبن لحق به إبان الحرب الإيرانية-العراقية، وأنهت عهداً كان فيه الشيعة يشكون من تعرضهم لملاحقات بسبب اصطفافهم مع إيران ضد صدام. فهل أتى التأبين مجرد تحد في نزوة رد فعل، أم أنه جاء بعد حساب دقيق لما يمكن أن ينجم عنه من تداعيات؟

 كلا الاحتمالين كارثي. الأول؛ لأنه ليس من شيم المتمرسين بالعمل السياسي مثل النائب عبد الصمد، ما يعني عدم أهليته لقيادة فئة من مجتمعه يجب أن تكون في منأى عن أي سلوك يعادي الثوابت الوطنية. والثاني؛ لأنه سيكون التسبب بالمشكلة أمراً متعمداً أو خطيراً يتجاوز قدرة الكويت على تحمله.

تسلط حادثة الكويت الضوء على مشكلتين، أولاهما مسألة اندماج الشيعة في دولهم، وثانيهما مسألة الدولة المركزية وقوتها.

في المسألة الأولى يبدو أن ما قام به النائبان الشيعيان يتعارض كلياً مع الجهد الذي قام به الإمام اللبناني الراحل محمد مهدي شمس الدين، والذي تركز على تثبيت الهويات الوطنية للشيعة في الدول العربية التي يعيشون فيها. والإمام الراحل كان فقيهاً ومثقفاً وصاحب رؤيا، عمل بدأب على اندماج الشيعة في كل دولة يعيشون فيها بالمجتمع، وحضهم بلا كلل في زياراته وكتاباته ووصاياه على عدم التطلع إلى الخارج درءاً للفتن وحفاظاً على الشيعة وعلى الأوطان التي يعيشون فيها. وهو اشتغل عملياً على الخط المناقض لتوجهات الثورة الإسلامية في إيران التي قامت منذ انتصار الخميني بتشجيع حركات شيعية موالية لها في الدول العربية، علماً أنها وجدت التربة الأكثر خصوبة في لبنان بسبب الاحتلال الإسرائيلي من جهة وضعف التركيبة اللبنانية والدولة اللبنانية من جهة أخرى، فأسست "حزب الله" الذي صار قوة كبيرة قادرة على ربط مصير الدولة بمصيرها وعلى خوض حروب بالاستقلال عن الدولة.

ما قام به النائبان الشيعيان الكويتيان لم يمر مرور الكرام ليس فقط بسبب التجمع التأبيني الذي هو في النهاية تجمع رمزي، بل بسبب القوة التي تمثلها شريحة من المجتمع لها ثقل في كل نواحي الحياة، وخصوصاً بسبب "العلاقة المميزة" التي تربط النائبين وما يمثلانه بطهران.

ولأن خطوة التأبين لمتهم بقتل كويتيين حساسة بالنسبة إلى المجتمع الكويتي، فإن حصولها أدى إلى ردات فعل مستنكرة وشاجبة عبرت عنها الحكومة وقوى سياسية عاقلة، لكن ردات الفعل الخطيرة أتت من قوى متطرفة طالبانية الطابع والتوجه لم تتردد في وصف الشيعة بـ "الفئة المارقة" وبالمطالبة بسحب جنسية النائب عبد الصمد وإعادته إلى إيران، فاتحة ملف تفجيرات مكة في الثمانينات التي اعتقل خلالها عبد الصمد مع كويتيين آخرين بعضهم أُعدم، فيما كان نصيب عبد الصمد الإفراج عنه بعد تدخل من الشيخ صباح الأحمد حين كان وزيراً لخارجية الكويت.

هذه القوة التي تتمتع بها الطائفة الشيعية في الكويت كانت حتى الوقت الحاضر مصدر ثراء وغنى في التركيبة الكويتية. فهل حان وقت تحويلها عن هذا المنحى لتتحول جزءاً من مشروع إيراني في المنطقة؟

السؤال جائز بسبب حصول التأبين خلافاً لأي منطق وطني. ولأن إيران الدولة صاحبة الطموحات والأطماع حققت أغراضاً مهمة لها في العراق ولبنان من خلال فرز مذهبي عام يرتكز على تمويل وترتيب لمناحي حياة عموم الشيعة بما يحاكي النمط الإيراني بعيداً عن الفضاء المجتمعي والمعرفي الذي يجب أن يشتركوا فيه مع مواطنيهم. والسؤال جائز أيضاً لأن إيران التي تخوض مواجهة شرسة مع الولايات المتحدة والغرب عموماً تفهم مدى أهمية تجميع الأوراق في المنطقة إما لتحقيق مآرب مباشرة من خلال حلفائها، وإما لتحقيق مكاسب سياسية عبر استخدامهم للضغط على حكوماتهم. وما شهدناه من تأبين في الكويت والمنامة يمكن أن يحمل معاني متعددة لكنه في النهاية سيجعل أحمدي نجاد شديد الانشراح.

أما في مسألة الدولة المركزية؛ فواضح أن هذا المنحى في تأكيد أولوية "الأمة" على "الوطن" وأولوية الأيديولوجيا على الدستور هو من سمات الدول التي لم تترسخ فيها فكرة الدولة أو تقاليدها بحيث تحتوي الصراعات السياسية في داخلها وتؤسس قواعد وطنية عامة لا تنتهك بسهولة ولا تسمح بانقسامات عامودية وشروخ تصدع البنية الوطنية.

ففي كل الدول التي حققت فيها طهران اختراقات على مستوى الأقليات الشيعية أو الأكثريات الشيعية، هناك حرب أهلية قائمة باردة أو ساخنة أو هناك دولة تعاني أزمات تجعلها غير قادرة على فرض عدم تجاوز دورها ووجوب الولاء الواحد لها. وهنا يجب الإشارة إلى أن الديمقراطية ليست بالضرورة حلاً لهذا النوع من الأزمات البنيوية. فهي كذلك في المجتمعات التي لا تتشظى جراء حادثة واحدة تعيدها إلى مكوناتها العنفية الأصلية. والعالم العربي من تلك المجتمعات تدمره الديكتاتورية وليس مؤهلاً بعد لتطبق عليه مفاهيم الديمقراطيات الحديثة. إنه مع الأسف واقع هذه المنطقة التي لم تختمر فيها بعد تجارب الديمقراطية أو أنها لم تتشبع بعد من حدة النزاعات والانقسامات وأعراس الدم ومواكب الجنازات ومناسبات التأبين.

Share