الكويت والديمقراطية المأزومة

الكويت والديمقراطية المأزومة

  • 26 مارس 2009

مرة أخرى يلجأ أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، مضطراً إلى الخيارات الصعبة حتى يضع حداً للأزمة السياسية المتفاقمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وذلك بإعلان حل مجلس الأمة (البرلمان) ودعوة المواطنين إلى انتخابات مبكرة خلال ستين يوماً، بعد أن وصلت الأزمة بين البرلمان والحكومة إلى طريق مسدود، فقدمت الأخيرة استقالتها بعد أن قدّم نواب من البرلمان ثلاثة استجوابات بحق رئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد، وحملوه مسؤولية تراجع البلاد وعدم قدرة حكومته على حل المشكلات التي تعاني منها الكويت.

هذه الأزمة ليست جديدة بطبيعة الحال، وإنما هي امتداد لمسلسل الأزمات السياسية المتكررة بين البرلمان والحكومة، والتي عادة ما تنتهي بإقالة الحكومة أو بحل البرلمان؛ فمنذ تولي الشيخ ناصر المحمد مسؤولية رئاسة الوزراء قبل نحو ثلاث سنوات تم تشكيل خمس حكومات، لم يزد عمر الأخيرة منها عن 64 يوماً، تعاطت مع ثلاثة برلمانات، كما تم إجراء تعديل وزاري محدود على الحكومة مرتين، فيما تم حل البرلمان وفقاً للدستور ثلاث مرات في أعوام 2006 و2008 و2009، وهو أسرع معدل للتغيير الوزاري والبرلماني في المنطقة والعالم على الإطلاق. والتغيير هنا لا يحمل الطابع الإيجابي، بمعنى الرغبة في تطوير العمل السياسي والأداء المؤسسي، بقدر ما يحمل الطابع الاضطراري للخروج من الأزمات السياسية التي تشهدها البلاد نتيجة التوتر المستمر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ورغبة كل منهما في تطويع الأخرى، لا التعاون معها لتحقيق الصالح العام للوطن والمواطنين.

وقد أثارت الأزمة الأخيرة بين مجلس الأمة والحكومة الكويتية جدلاً فكرياً وسياسياً حول حقيقة المتسبب في إثارة هذه الأزمة وغيرها من الأزمات السابقة، وبرز في هذا الصدد اتجاهان رئيسيان؛ الأول يحمّل أنصاره مجلس الأمة المسؤولية، مشيرين إلى أن بعض أعضاء المجلس يستخدمون أدوات الرقابة البرلمانية بطريقة تعسفية من خلال المبالغة في تقديم الاستجوابات لأعضاء الحكومة لأسباب بعيدة عن الغايات الوطنية ومصلحة المواطنين، وأنهم يتعمدون التضييق على الحكومة وتجاوز حدود صلاحياتهم المقررة في الدستور، فضلاً عن تدني لغة الحوار داخل المجلس بشكل غير مسبوق، وتعمد توجيه الاستجوابات إلى أعضاء الأسرة الحاكمة بشكل يوحي بتحديها والدخول معها في صراع إرادات.

كما يحمّل أنصار هذا الاتجاه مجلس الأمة مسؤولية تعطيل كثير من المشروعات الضرورية للحفاظ على مسيرة التنمية والتطور في الكويت، ومن ذلك تعطيل خطة أقرتها الحكومة بقيمة خمسة مليارات دولار تهدف إلى مواجهة آثار الأزمة المالية العالمية الراهنة على الاقتصاد الكويتي، بدعوى أنها "تخلو من الشفافية والموضوعية"، الأمر الذي أدى إلى انقلاب رجال الأعمال الكويتيين على أعضاء المجلس. كما انتقد هؤلاء الدور السلبي الذي لعبه مجلس الأمة في السابق لعرقلة مسيرة الإصلاح الديمقراطي من خلال رفض إعطاء المرأة الكويتية حقوقها السياسية والسماح لها بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية تصويتاً وترشيحاً، وهو أمر بذلت الحكومة جهوداً مضنية حتى تمكنت من انتزاعه من أعضاء مجلس الأمة قبل الانتخابات الماضية.

وقد عبر أمير الكويت عن هذا الاتجاه بوضوح في خطابه الذي أعلن فيه حل مجلس الأمة، وانتقد فيه بشدة ممارسات أعضاء المجلس، واصفاً تلك الممارسات بأنها "شوّهت وجه الحرية والديمقراطية الكويتية.. وأفسدت التعاون المأمول بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأشاعت أجواء التوتر والتناحر والفوضى بما أدى إلى تعثّر مسيرة العمل الوطني في البلاد"، كما انتقد الاستجوابات البرلمانية المقدمة إلى الحكومة، والتي أدت اندلاع الأزمة الأخيرة، قائلاً: "إن ممارسة النائب لحقوقه الدستورية في استخدام أدوات الرقابة البرلمانية حق لا جدال حوله، بل هي ممارسة رقابية محمودة ما دامت في إطارها الصحيح بما في ذلك توجيه الاستجوابات. ولكن كل حق، مهما كان نوعه، له شروط وضوابط لا يجوز إغفالها أو القفز عنها، ولعل أهمها أن يكون منضبطاً بإطاره القانوني السليم وملتزماً روح المسؤولية ومحققاً لغاية وطنية وبعيداً عن الكيدية والشخصانية وإلا صار الحق أشبه بالباطل". ولم ينكر أمير الكويت أن هناك بعض أوجه القصور في أداء الأجهزة الحكومية، والتي تستوجب العمل على إصلاحها وتسريع إنجاز المشاريع التنموية، لكنه أكد أن الإصلاح المطلوب لن يتحقق في ظل هذه الأجواء المشحونة بغيوم الشد والتوتر والتعسف والتشكيك والترهيب.

أما الاتجاه الثاني فيحمّل أنصاره الحكومة مسؤولية تكرار هذه الأزمات السياسية، مشيرين إلى أن أعضاء مجلس الأمة لا يتجاوزون سلطتهم المقررة في الدستور عندما يستخدمون أدوات الرقابة البرلمانية المقررة لهم في مساءلة الحكومة، ولكن المشكلة تكمن في حقيقة أن الحكومة لا تقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية، ولا تريد أن يتم استجوابها ومساءلتها، وفي كل مرة يتعرض فيها أحد أعضاء الحكومة إلى استجواب يمكن أن ينجح في طرح الثقة فيه تلجأ القيادة إلى تغيير الوزير أو تغيير الحكومة أو حل البرلمان. كما يرى هؤلاء أن استجواب رئيس الحكومة، لا يمثل تحدياً للأسرة الحاكمة، طالما أن الدستور الكويتي أعطى الحق صراحة لأعضاء مجلس الأمة في استجواب كل أركان الحكومة بمن فيهم رئيس الوزراء، الذي يجوز استجوابه لكن لا يسمح بطرح الثقة فيه.

واقع الأمر أن كلا الطرفين يتحملان مسؤولية هذه الأزمات المتكررة التي قدمت صورة سلبية للتجربة الديمقراطية الرائدة في الكويت؛ فأعضاء البرلمان كثيراً ما يستخدمون أدوات الرقابة البرلمانية بشكل تعسفي، ويفتعلون أزمات حول بعض القضايا الثانوية، فعلى سبيل المثال تسبب إصرار بعض الأعضاء الإسلاميين على استجواب وزير الأوقاف بسبب قرار منع بيع بعض الكتب الدينية في معرض للكتب في وقوع أزمة بين الحكومة والبرلمان في مايو/أيار 2007، كما اضطرت الحكومة إلى الاستقالة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (2008) بسبب إصرار أعضاء في مجلس الأمة على استجواب رئيس الوزراء على خلفية سماح السلطات بدخول رجل الدين الشيعي الإيراني محمد باقر الفالي إلى الكويت، على الرغم  من وجود حظر قانوني على دخوله، ما يؤكد حقيقة أن البرلمان أصبح فاقداً للأولويات، ولا يمتلك رؤية واضحة حول قضايا الوطن والمواطنين. أما الحكومة فتساهم بدورها في خلق هذه الأزمات من خلال رفضها قواعد اللعبة الديمقراطية؛ فهي تنظر بحساسية إلى كل استجواب يتم تقديمه لرئيسها أو أي عضو من أعضائها، ولا تتعامل مع هذه الاستجوابات باعتبارها حقاً يكفله الدستور لأعضاء البرلمان، وأن عليها واجب الرد على استجواباتهم أو استفساراتهم، وغالباً ما تسارع إلى تقديم استقالتها بدعوى عدم تعاون البرلمان.

غير أن أخطر ما في الأزمة الأخيرة هو صدور بعض الدعوات، التي تطالب بمراجعة الدستور الكويتي وتعديله للحد من صلاحيات مجلس الأمة وسلطاته، بهدف وضع حد لهذه الأزمات المتكررة بين البرلمان والحكومة، بدعوى أن الدستور يعطي البرلمان صلاحيات كبيرة يسهل معها تعطيل عمل الحكومة وحجب الثقة عنها، في الوقت الذي راجت فيه توقعات قوية باتجاه أمير الكويت إلى إعادة دمج منصبي ولاية العهد ورئاسة الحكومة مرة أخرى، وتكليف ولي العهد الشيخ نواف الأحمد برئاسة الحكومة القادمة بهدف تحصين منصب رئيس الحكومة من الاستجوابات على غرار ما حصل مع الحكومة المستقيلة برئاسة الشيخ ناصر المحمد. ولا شك في أن كلا الأمرين سيمثلان انتكاسة كبيرة للتجربة الديمقراطية الكويتية إذا حدثا بالفعل، أو حدث أي منهما؛ ففصل ولاية العهد عن رئاسة الحكومة، والذي تم في العام 2003 اعتُبر إصلاحاً سياسياً مهماً في مسيرة العمل الديمقراطي؛ لأنه كان يعني إمكانية إخضاع الحكومة للمساءلة الحقيقية أمام البرلمان، وبالتالي فإن العودة مرة أخرى إلى دمج المنصبين سيمثل تراجعاً عن هذا المسار الإصلاحي. كما أن تعديل الدستور للحد من صلاحيات مجلس الأمة لا يمكن أن يمثل حلاَ للعلاقة المتأزمة بين الحكومة والبرلمان؛ فالمشكلة ليست في الصلاحيات الممنوحة للبرلمان بقدر ما تكمن في كيفية استخدام هذه الصلاحيات وفي قبول الحكومة لها، والإقدام على خطوة كهذه سيزيد المشكلات والأزمات السياسية القائمة تعقيداً.

لقد انحاز أمير الكويت إلى التجربة الديمقراطية عندما امتنع عن سماع الأصوات التي كانت تطالب بحل البرلمان حلاً غير دستوري وتعليق العمل بالدستور لمدة عام أو عامين، والمأمول أن يستمر في انحيازه لهذه التجربة الرائدة في المنطقة، ويرفض الأصوات التي تطالب بتقليص صلاحيات البرلمان أو إعادة دمج منصبي ولاية العهد ورئاسة الحكومة، وأن يعمل بدلاً من ذلك على تفعيل مسيرة الإصلاح السياسي في البلاد من خلال تعيين رئيس للحكومة من خارج الأسرة الحاكمة لإنهاء الحساسية القائمة حالياً في تعامل البرلمان مع الحكومة، وإقرار نظام للأحزاب السياسية في الكويت؛ فمن خلال ذلك يمكن تصحيح مسار هذه التجربة الديمقراطية، وإعادتها كما كانت قدوة ونموذجاً يستلهمه الآخرون.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات