الكويت: الانتخابات طريقاً إلى إلغائها

د. بشارة نصّار شربل: الكويت .. الانتخابات طريقاً إلى إلغائها

  • 19 يونيو 2008

يطرح إنشاء مجلس الأمة الكويتي لجنة برلمانية دُعيت "لجنة الظواهر السلبية والدخيلة" أسئلة عن مستقبل الديمقراطية في الكويت، وعن التركيبة السياسية المتوقعة إذا ما استمر "الاجتياح" الأصولي لمختلف مناحي الحياة، مثلما يطرح أسئلة أخرى عن مغزى الانتخابات حين يصل أعداء الديمقراطية إلى السلطة.

واللجنة، كما يوحي اسمها، هي نسخة مخففة عن جهاز "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" السعودي، الذي ثار لغط كبير في السنتين الأخيرتين حول سلوكياته التي أودت بحياة طالبات إثر حريق شب في مدرستهن، وأودت مرات بحياة شبان وشابات تعرضوا للمطاردة من قبل عناصر متطرفة تريد تطبيق ما تدعي أنه حدود شرعية، في وقت يختلف الفقهاء في هذا الشأن، وتتعارض سنة التطور مع كثير من الطروحات المتعلقة بهذا الموضوع.

لم تكن "لجنة الظواهر السلبية" مفاجأة كبرى للمجتمع الكويتي؛ فهي تتمة لما درج عليه النواب السلفيون في الكويت في مجالس الأمة السابقة من تصدٍ لما اعتبروه مظاهر "لا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا"، وهو تعبير مطاط يتضمن اجتهادات تبدأ من القاء تحية الصباح ولا تنتهي بالرقص والغناء. ولم يكن السلفيون وحدهم في هذا المنحى؛ إذ فرضوا بالتكافل والتضامن مع "الحركة الدستورية"، التي هي عملياً الفرع الكويتي لحركة "الإخوان المسلمين"، مجموعة قوانين وإجراءات تناولت المجتمع الكويتي في العام والخاص على السواء. وكان أبرز ما حققته الحركة الإسلامية عموماً قانون "منع الاختلاط" في الجامعات والمدارس. وهو الأمر الذي بدأ يأخذ بالتوسع مستهدفاً المدارس الخاصة، في افتئات واضح على حق المواطنين في الاختيار بعدما وُضع التعليم العام تحت السيطرة، وأُخضعت الدولة كرهاً أو مسايرة للمشيئة الأصولية.

المفاجأة التي صدمت كثيرين في الكويت هي السهولة التي تشكلت بها اللجنة؛ فلم يعارضها سوى أربعة نواب من أصل خمسين نائباً، ولم تقف الحكومة متصدية لها أو محذرة المجلس من انعكاسات تشكيلها. لقد مرت العملية بيسر رغم أن مقاومة المجتمع المدني اللاحقة بدأت تطعن في دستوريتها وتعتبرها خارجة عن طبيعة الدور المناط بأي مجلس نيابي، أي التشريع والرقابة. وهذا المرور يعكس هشاشة القوى الديمقراطية المتقدمة التي تخوض قتالاً تراجعياً دفاعاً عن مكتسبات تحققت في فترات تاريخية سابقة.

رغم كل ذلك، تطرح مسألة التوسع في مفهوم "أسلمة المجتمع" أسئلة كبرى، من نوع: كيف يمكن لمجتمع يحيا في القرن الواحد والعشرين أن يطبق مبادئ لم تطبق يوماً على مر تاريخ الإسلام، إلا في فترات النكوص عن المنحى التسامحي أو تجاهل وجوب اليسر في ممارسة العقيدة؟. كما يطرح التساؤل حول إمكانية تطبيق هذا النوع من المبادئ في زمن العولمة والاتصالات المفتوحة على مصراعيها، والتي توجب إحداث مواءمة بين الحداثة والأصول، بعيداً عن تطرف يفضي من غير شك إلى تصادم أو استبداد.

بيد أن السؤال الخطير الذي يطرحه هذا التطرف في التدخل في سلوكيات الناس هو: كيف تستطيع الديمقراطية ضمان الحرية وضمان استمرارها على السواء؟

ليس الإنجاز الانتخابي السلفي في الكويت نسيج وحده في العالم الإسلامي؛ فقبله بنحو عقدين ربح الأصوليون الجزائريون الانتخابات التي أُجهضت، وتسبب إجهاضها بعقد من العنف لم تخرج منه الجزائر إلا مضرجة بالدماء. ولو جرت انتخابات حرة في معظم البلدان الإسلامية؛ فإن الأصوليين سيفوزون على الأرجح، لكن هذا الفوز لن يتلازم على الإطلاق مع تعهد منهم بألا يغيروا الدساتير التي سمحت لهم بالدخول في عمليات الانتخاب الديمقراطية.

وإذا كان من المبكر الحكم على التجربة التركية الأكثر تقدماً نظراً إلى اعتدال الإسلاميين الأتراك، فإنه من السهل توقع ماذا سيحصل لو سيطر الإسلاميون المنتخبون على السلطة في أي دولة أخرى.

ينجم عما تقدم معضلة تواجه السلطات القائمة مثلما تواجه المجتمع المدني في كل دولة تطرح عليها هذه الإشكالية. والمعضلة سببها الورطة التي يقع فيها دعاة الديمقراطية التقدميون المنفتحون حين تنتج هذه الديمقراطية متطرفين أتوا عبر الأدوات الشرعية ولكن ليعتبروا أن الديمقراطية صالحة لمرة واحدة، هي تلك التي أتت بهم إلى السلطة.

يسهل القول إن الدعوة إلى مزيد من الديمقراطية كفيلة بجعل المجتمع يعي مصلحته في السير في ركاب التقدم والحداثة وتداول السلطة. ويسهل القول كذلك بأن السلطات القائمة سواء المتوارثة أو الانقلابية هي السبب في تنامي الأصوليات. وهذا القول صحيح، ولاسيما أن تلك السلطات تفرغ المجتمع من البدائل الديمقراطية الممكنة، لكن ربما وجب النظر إلى وجود استعداد عميق لدى هذه المجتمعات لقبول أفكار التطرف في حقبة زمنية مليئة بالنزاعات، وفي ظل صراعات دولية تقنع كثيرين بأن صدام الحضارات واقع، وأن تعاونها يحتاج إلى مزيد من امتلاك القوة عبر العودة إلى الخصوصية وتأكيد الذات.

لجنة الظواهر الدخيلة في الكويت جرس إنذار يجب أن ينبه المجتمعات إلى أن ممارسة الديمقراطية لا تنتج بالضرورة ديمقراطيين، وإلى أن الانتخابات يمكن أن تسفر عن نجاح من يهدف إلى إلغائها بوصفها ممارسة وحيدة للتعبير عن الإرادة الحرة.

هنا تبدو بعض السلطات التقليدية الموروثة أو الانقلابية أكثر تقدماً من منتوجات التجارب الديمقراطية، مما يغري بالمحافظة على الموجود وعدم تحريك المياه الآسنة. وهو قمة الفشل في مجتمعاتنا وقمة اليأس المفضي إلى الإحباط والانتظار الطويل.

Share