الكويت: أزمة ممارسة ونظام

  • 3 يوليو 2012

سيُسجل حتماً في تاريخ الحياة السياسية الكويتية أن شهر حزيران/ يونيو 2012 شهد تطورات نوعية، وضعت التجربة السياسية البرلمانية والشعبية على المحك، مثلما طرحت أسئلة عن مستقبل الإمارة والحكم فيها.

ليست أزمة الشهر الماضي هي الوحيدة في تاريخ البرلمانات الكويتية أو الحكومات التي كانت تنتهي أعمارها عموماً برفع كتاب عدم تعاون مع مجلس الأمة. غير أن الجديد هو أنها شكَّلت منعطفاً جديداً في الحراك السياسي الصاخب في السنوات الأخيرة ونقلت السجال إلى مرحلة أخرى لا تشبه ما قبلها. فالتطور الجديد المتمثل بقرار المحكمة الدستورية إبطال "مجلس 2012" وإعادة "مجلس 2009"، لا يمكن فصله عن سياق التطورات السابقة على انتخاب "المجلس المُبطل"؛ كون اللاعبين السياسيين الأساسيين لايزالون على المسرح، باستثناء رئيس الحكومة السابق الشيخ ناصر المحمد. ولهذا، يجدر بنا العودة قليلاً إلى الوراء لندرك أن ما يحصل حالياً في الكويت ليس وليد لحظته، بل يأتي في سياق طبيعي لهذا النوع من الأزمات في ظل نظام سياسي "شبه ديمقراطي"، سيعاني مخاضاً عسيراً قبل التوصل إلى شكل نهائي للآليات التي تحكم العمل الديمقراطي للمؤسسات البرلمانية.

ولذلك كله، وجب التذكير بأن السنوات الست الماضية شهدت ولادة خمسة برلمانات، انتهت جميعاً بحلٍّ دستوري يتخذ قراره الأمير، لتليه انتخابات نيابية. وعلى الرغم من أن الأغلبية في كل المجالس، ما عدا الأخير، كانت محسومة للسلطة ولحكومات الشيخ ناصر المحمد، كون الوزراء يصبحون نواباً في الكويت بمجرد تعيينهم، فإن الأزمات مع المعارضة لم تتوقف. وقد اتخذت هذه الأزمات أشكال استجوابات متكررة شلت العمل الحكومي، واتهامات متنوعة بالفساد، وصلت إلى أقصى مداها العام الماضي، حين انكشفت فضيحة "الإيداعات"، والتي تورّط فيها 13 نائباً عبر قبض مبالغ مليونية من رئيس الوزراء لشراء الولاء. ثم أضيفت إلى "الإيداعات" قضية "التحويلات الخارجية"، والتي شكلت أيضاً محور استجواب لناصر المحمد، وجوهرها أنه كان يأمر بأن تحوِّل وزارة الخارجية عبر البنك المركزي مبالغ لحسابه الشخصي في الخارج على أساس أن يسددها في وقت لاحق.

أما ذروة الأزمة السياسية فكانت في نوفمبر 2011، عندما تجمع ما لا يقل عن عشرين ألف شخص (50 ألفاً حسب المنظمين) في "ساحة الإرادة" في العاصمة الكويتية وقيامهم، مع نوابهم القبليين والإسلاميين، باقتحام مجلس الأمة  لإسقاطه وإسقاط الحكومة، وهو ما حصل بالفعل. فقد استقالت حكومة ناصر المحمد، وحلَّ الأمير "مجلس القبيضة"، وحصلت انتخابات جديدة في فبراير 2012. وقد أسست نتيجة الانتخابات تلك للتطورات التي شهدناها ونشهدها حالياً. فعلى خلفية تحرك شعبي تجمَّع فيه المعارضون لناصر المحمد ونهجه، من سلفيين و"إخوان مسلمين" وقبليين وليبراليين متنوعين، بعضهم مستقل وبعضهم من مخلفات اليسار والقوميين، وفي ظل شعارات عالية اللهجة تندد بالتفرد والفساد، وتعد بالإصلاح والتغيير، وتتطلع بإعجاب وتأييد إلى "الربيع العربي" في محطاته التونسية والمصرية والليبية والسورية، جرت الانتخابات التي حولت المعارضة السابقة "المؤزِّمة" إلى أغلبية مؤثرة. فنال التجمع المذكور 35 مقعداً نيابياً من مجموع مقاعد المجلس النيابي البالغة خمسين مقعداً، وصار نوّابه يتمتعون بالحل والربط في شأن بقاء الوزراء من عدم بقائهم؛ كون "الوزراء – النواب" محرومين من الاقتراع في حالة طرح الثقة بأحدهم أو بالحكومة كلها.

وجاء تغيير ناصر المحمد وتعيين جابر المبارك رئيساً للوزراء تعبيراً عن رغبة السلطة في التعاون مع المجلس الجديد. فالمبارك معروف بعلاقاته الجيدة مع الجميع، وأعلن تكراراً نيته تسيير عجلة السياسة والاقتصاد والتنمية بالتوافق وليس بالتفرد، وبالتفاهم بعيداً عن التشنجات وإرباك العمل الحكومي بالاستجوابات. ومع ذلك، لم يمنع التوجه الحكومي الجديد أطرافاً في الأغلبية الجديدة وفي الأقلية من المسارعة إلى تقديم الاستجوابات. فشهدت الأشهر الأربعة من عمر الحكومة سبعة استجوابات؛ نوقش أربعة منها، وأدى أحدها إلى استقالة وزير المالية، وثلاثة حال إبطال المجلس دون مناقشتها. وحصل ما يمكن تسميته بفوضى برلمانية عكَّر فيها نواب الأقلية الموالون الأجواء على الحكومة، ومثلهم فعل بعض الأطراف غير المنضبطين في الأغلبية. وكانت الصدامات النيابية – النيابية داخل المجلس أسوأ وقعاً من الصدامات النيابية – الحكومية. فالثانية سياسية الطابع، أما الأولى فمعظمها أخذ طابعاً مذهبياً بين السنة والشيعة.

وقد اتضح من سياق الأشهر القليلة التي أمضاها البرلمان الأخير أن علاقته مع الحكومة لن تكون سهلة على الإطلاق. فإضافة إلى الاستجوابات، شكلت لجان التحقيق البرلمانية ضغطاً على الحكومة، وفتحت باب المحاسبة والاتهام على رجالات سابقة في النظام. ولعل أبرز المدعوين إليها كان الشيخ ناصر المحمد الذي رفض الحضور بحجج قانونية تحتمل الاجتهادات. ولم تنفع المناشدات بإعادة جدولة الأولويات بين الحكومة والمجلس لتحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية بعيدة عن المنازعات السياسية. وكان مستحيلاً أن ينتهي التأزم في ظل أغلبية نيابية معارضة للحكومة. فلا الأولى تقبل بألا يكون لها رأيها الراجح في سير العمل الحكومي، ولا الثانية ترضى بأن تكون مكبَّلة بالمجلس النيابي وواقعة باستمرار تحت السيف المصلت للأغلبية عبر التصويت العادي على القوانين أو عبر طرح الثقة بالوزراء.

وربما أعطى الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح إشارة إلى تعطل المسيرة الحكومة – النيابية، فردّ عدداً من القوانين التي أقرها المجلس، وخصوصاً القانون المتعلق بإعدام "المسيء إلى الذات الإلهية والرسول". حتى كانت المفاجأة بحكم المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الأمة وإعادة المجلس السابق بناء على دعوى تقدمت بها إحدى المواطنات. وقد أدخل قرار "الدستورية" الأغلبية في إشكالية كبيرة. فرفضُها حكم المحكمة جلب عليها انتقادات شديدة من قوى سياسية وازنة، حذرت من المس بالقضاء والتشكيك به باعتباره الملاذ الأخير لكل الناس. وإذ اكتشف هؤلاء أن المعركة ضد حكم المحكمة خاسرة سلفاً، تراجعوا عن هذا المطلب في تجمع شعبي كبير ضم الآلاف، واستبدلوه برفع شعارات مهمة لتطوير النظام السياسي ستشكل حتماً برنامجهم الانتخابي بعد أن تنتهي الإجراءات الشكلية المتعلقة بإحياء "مجلس 2009" وتشكيل حكومة جديدة، ثم حلّه والدعوة إلى انتخابات قد تحصل في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل حسب معظم الترجيحات.

لم تُبرز الأحداث الأخيرة أن الممارسة السياسية النيابية والحكومية هي سبب الأزمات فحسب، بل أظهرت على نحو جلي أزمة النظام السياسي. فطبيعته المختلطة بين حكم الأسرة والنظام البرلماني، صارت تشكل عبئاً على الجميع، وتفرض وجوب ابتداع حلول تُمكِّن من إعادة تشكيل نظام سياسي قابل للحياة. وإذ رفعت "الأغلبية" شعار "الإمارة الدستورية" و"الحكومة الشعبية" أي تلك التي لا يشكلها شيخ بالضرورة وتحظى بثقة مجلس الأمة، فإن هذه الشعارات ستكون مدار سجال لا يقتصر على زمن الحملة الانتخابية المقبلة، بل يتعداها إلى المجلس المقبل وكل المجتمع السياسي.فهل تأتي الأغلبية نفسها إلى المجلس الجديد لتفرض شرطها الأول والثابت وهو ألا تتعاون إلا مع حكومة تمثِّل الأغلبية؟ أم تخسر أغلبيتها وتعود البلاد إلى المربع الأول وتستعيد "توازناً" أنجب أزمات؟ والسؤال بات مطروحاً على الناس وعلى النواب وعلى الأسرة وعلى كل النظام.

Share