الكونجرس وسياسة الولايات المتحدة في الخليج

د. كينيث كاتزمان: الكونجرس وسياسة الولايات المتحدة في الخليج

  • 16 سبتمبر 2007

ثمة تقليل في منطقة الخليج العربي من شأن الدور الذي يقوم به الكونجرس في صياغة السياسات الخارجية للولايات المتحدة، ولاسيما فيما يتعلق بسياستها تجاه دول الخليج. وهو سوء إدراك له ما يبرره. لأن أيّاً من الهيئات التشريعية في دول الخليج، على الرغم من كثرتها، لا يمتلك من النفوذ والسلطة ما يمتلكه الكونجرس داخل النظام السياسي في الولايات المتحدة؛ إذ يقتصر الفصل في المسائل الجوهرية للأمن والسياسة الخارجية بهذه الدول على السلطة التنفيذية، دون أن يكون لأي كيان تشريعي أو استشاري بها السلطة السياسية أو القانونية للتأثير في هذه المسائل الأساسية.

 أما الكونجرس الأمريكي فنقيض ذلك؛ إذ يمثل نظيراً ذا ثقل دستوري مكافئ للحكومة، ويتجلى تأثيره الحاسم على قرارات الحرب والسلام في قدرته على تقدير حجم الاعتمادات المقدمة للحكومة، ومنها الاعتمادات المخصصة للجيش وعملياته العسكرية. أما أشد ما يكون تأثير الكونجرس على السياسة، فساعة تتدنى مستويات شعبية رئيس الولايات المتحدة كما هي الحال الآن، فيتقدم بتوصياته لتعديل إحدى السياسات الجوهرية. وقد سبق له أن وقف بوجه التدخل الأمريكي في فيتنام، فقطع اعتمادات العمليات العسكريات الأمريكية واعتمادات دعم قوات فيتنام الجنوبية، متبنياً بذلك الرأي العام الأمريكي. وهذا السيناريو مرشح للتكرار الآن في العراق؛ إذ بلغت معارضة الرأي العام الأمريكي لتدخل الولايات المتحدة هناك مداها، وطالب بعض أعضاء الكونجرس فعلياً بقطع أية اعتمادات أخرى للعمليات العسكرية هناك.

 وفيما يمتلك الرئيس الأمريكي زمام الحل والعقد، نراه يصغي باهتمام إلى رؤى الكونجرس وتصريحات أعضائه عن العراق؛ لأنه يعي أهمية بياناتهم وتصريحاتهم لدى الرأي العام. فمما لاشك فيه أن كثرة المطالبات بالكونجرس لتنفيذ توصيات مجموعة دراسة الأوضاع في العراق، قد ساهمت في اتخاذ الولايات المتحدة قرارها بعقد لقاءات ثنائية مع إيران حول الاستقرار في العراق، وفي بعث الحيوية في المسار الديبلوماسي الفلسطيني الإسرائيلي. وقد قبل الرئيس في مايو من هذا العام مطالبات الكونجرس بتقييم جهود الحكومة العراقية في تسوية النزاع الطائفي في ضوء سلسلة مـن المعالم، وأرسل مسؤولين أمريكيين على أعلى مستوى لبغداد، ترسيخاً لعزم الولايات المتحدة على دعم حكومة المالكي وحثها على زيادة جهودها للوصول إلى مصالحة شاملة تراعي تظلم السنة العرب هناك.

الأكثر من هذا، أن بوش يخوض معركة شرسة مع أعضاء الكونجرس بشأن تقليص الـــتدخل الأمريكي بالعراق، ولا يقتصر هذا على الديمقراطيين بل يشمل أعدادا متزايدة من الجمهوريين. وحتى يستطيع الكونجرس إجبار الرئيس الأمريكي على اتخاذ قرار الانسحاب سيحتاج إلى تصويت أغلبية تقارب ثلثي مجلس النواب (435 عضوا) وثلثي مجلس الشيوخ (100 عضو). وذلك بتشريع قد يلزم الرئيس بتقليص عدد القوات الأمريكية بالعراق. وقد تنبأ بعض المراقبين بأنه ما لم تظهر علامات جديدة على الوفاق السياسي بالعراق، فستعمل الأغلبية بالكونجرس على إجبار الرئيس على تقليص الوجود العسكري هناك.

وأما في الشأن الإيراني، فلا يقل تأثير الكونجرس الحاسم على السياسة الأمريكية تجاهها، وإن اختلف توجهه هنا، فهو يعكس الرأي العام من خلال دعمه الإدارة في عملية منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية. وقد اتفق الديمقراطيون والجمهوريون في موقفهم، ولم يبد هناك انقسام حول هذا الشأن.

إن بوسع الإدارة الأمريكية الانتفاع بدعم الكونجرس في التضييق على إيران، وذلك عبر تفاوضها مع حلفائها حول فرض عقوبات اقتصادية دولية جديدة عليها، وبوسع الإدارة أن تقول في غضون تلك المفاوضات: إن أمريكا شعبا وحكومة قد توحدا في وجه إيران النووية. وهذا التناغم في المواقف هو ما عاد بالفعل على الإدارة بثمار يانعة في مساعيها لإيجاد موقف دولي موحد ضد إيران.

 لكن الإدارة الامريكية في الوقت ذاته، عمدت لمعارضة مساعي الكونجرس في حث حلفاء الولايات المتحدة على تبني نظام العقوبات الاقتصادية المطبق لديها . فجهدت في إقناع الكونجرس بأن دفع الشركات الأوروبية وغيرها ممن تستثمر في إيران على فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية، قد يذهب بلا طائل، إذ قد يوقع الشقاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وهؤلاء الحلفاء. حيث سيطغى هذا الاختلاف ويحل محل التركيز المشترك المطلوب للضغط على إيران، وتتحول الأنظار إلى النزاع التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، الأمر الذي سيؤدي إلى تقويض جهود الإدارة الأمريكية الرامية إلى حظر التعامل مع الشركات التي تستثمر في ايران.

ورغم أن الكونجرس لم يتبن في الوقت الراهن استخدام القوة العسكرية ضد إيران فإنه لا يبدي معارضة شديدة لاستخدامها. وفي مثل هذه الحالات التي لم يحسم فيها ميل الكونجرس لجانب أو آخر، يكون للرئيس اتخاذ الإجراء اللازم، وهو هنا من يقرر إعمال القوة أو اللجوء لما شاء من خيارات ديبلوماسية، من أجل الحيلولة دون وصول إيران إلى تصنيع أسلحة نووية.

وإذا ما فشلت العقوبات الدولية في الحد من برنامج إيران النووي، فقد يتحول الكونجرس لتأييد استخدام القوة العسكرية ضـدها. وعندها سيكون ذلك الدليل الراسخ للإدارة الأمريكية على تأييد الرأي العام للعمل العسكري، وهذا ما سيمكنها من تلافي آثار النقد الدولي للضربة العسكرية والعواقب السياسية التي قد تستجد جـراء الرد الإيراني. وفيما لن تـُلزم دعاوى الكونجرس الإدارة الأمريكية دستوريا كما يرى أغلب الخبراء، سيزيد دعم الكونجرس وانتفاء البديل المناسب لوقف التقدم الإيراني المطرد باتجاه القدرات العسكرية النووية، من احتمالات الضربة العسكرية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات