الكاميرا صانعة الثورات المعولمة

د. بشارة نصار شربل: الكاميرا صانعة الثورات المعولمة

  • 4 أبريل 2005

سيصاب المناضلون ضد العولمة ووحشيتها بخيبة كبيرة، بلا شك، حين يدركون أن كل مساوئ سيطرة الشركات المالية على الاقتصاد العالمي وازدياد فقر الفقراء لا يساوي شيئاً في مقابل لحظة حرية تسببت بها عدوى العولمة المنتقلة من بلد إلى آخر، والمهددة لأنظمة الاستبداد بمصير أليم. وسيعلم أيتام اليسار وورثة الأحزاب الستالينية أن مشروعية المشاعر الإنسانية التي يعبرون عنها انطلاقاً من هواجس تركز رؤوس الأموال ونقص العدالة الاجتماعية لا تكتمل إلا بالاعتراف بأن ديمقراطية العولمة بما هي انتقال للمعلومات ولقيم حقوق الإنسان، تؤسس للعدالة الاجتماعية أكثر بكثير من الممانعة الوطنية والقومية إزاء الاجتياحات العابرة للحدود وللخصوصيات.

كلنا يتذكر أنه تحت سمع وبصر العالم سقط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي. ومنذ ذلك الحين بدأ "تلفزيون الواقع" يتوسع شيئاً فشيئاً وتتراكم مع اتساعه قناعات الشعوب بإمكان التغيير حين تتوافر الظروف. فلا شيء نهائياً ومطلقاً، ولا نظام يمكن أن يكون أبدياً. وما كان يستحيل تصوره صار حقائق ملموسة: بنية عسكرية وسياسية وأمنية تتفكك، وتماثيل تتهاوى، ودول تسترجع حدودها وحرياتها وتعبر عن مصالحها الوطنية الذاتية. أما المشاهد فمباشرة وحية. صار اعتقال الرؤساء على الهواء، ونهاية تشاوشيسكو نموذجاً، واقتياد ميلوسيفيتش عبرة. لكن كان ينقص كل ذلك حدث ضخم مثل جريمة 11 سبتمبر/أيلول لتنطلق دينامية سياسية من نوع استثنائي بالتوازي مع الحرب المعولمة على الإرهاب. وبالرغم من الإدانة المبدئية للهيمنة الأمريكية وسيطرة الأحادية على النظام العالمي الجديد، كان لا بد من الإقرار بأن هذه الهجمة سرَّعت أحداثاً كانت نوازعها كامنة، وتمثلت في سقوط طالبان وصدام حسين، وحصول انتخابات سواء في أفغانستان أو في العراق وفلسطين. وإذا كان من المبكر الحكم على النتائج النهائية فإن الأكيد أن ما يشهده لبنان أيضاً من اتجاه نحو إنهاء النظام الأمني يشي بتضخم كرة ثلج تتخذ من شعارات ذات طابع معولم وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية المحلية متأثرة بالطبع بما حصل في أوكرانيا، حيث تمكن 50 ألف متظاهر يرتدون اللون البرتقالي من تغيير مصير 50 مليون مواطن تعرضوا لعملية تزوير الانتخاب. وليس شعار "التزوير" الذي جرت في ظله ثورة كييف البيضاء إلا مرادفاً لشعار "الحقيقة" الذي رفعه اللبنانيون إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي يجري في ظله الضغط لتحقيق مطالب المعارضين، سواء في الاستقلال والسيادة أو في تفكيك التركيبة السياسية الأمنية المسيطرة على البلاد منذ 15 عاماً. وما يوازيهما من الشعارات قد نراه في قابل الأيام في أكثر من منطقة وبلد من البلدان.

من أوكرانيا الى قيرغيزيا وصولاً إلى بيروت، تجري ثورات يمكن القول ببساطة إنها تعتمد على شاشات التلفزيون وعلى البث المباشر للفضائيات وعلى رقابة المجتمع الدولي الذي يتابع الأحداث لحظة بلحظة ويعلق على أدق التفاصيل. سابقاً، كان يجري قمع حركات الاحتجاجات وخطف المعارضين واستخدام القوة بلا رقيب، أو بالأحرى في غياب العين الساهرة. أما الآن فمجلس الأمن حاضر والدول الكبرى المعنية لا تتردد في اتخاذ قرارات تغير مصائر شعوب ودول. وهكذا لم يكن للوضع الداخلي اللبناني المحتقن والمهيأ بسبب تراكم أخطاء السلطة والتمديد للرئيس إميل لحود أن يأخذ الاندفاعة التي أخذها لولا أن مجلس الأمن أصدر القرار 1559 في 2 سبتمبر/أيلول 2004، الذي شدد على الانسحاب السوري الكامل من لبنان وعلى ضرورة إجراء انتخابات نزيهة فيه ونزع سلاح الميليشيات. ومنذ ذلك الحين، لا يخلو نشاط يومي لدى زعماء العالم من الإشارة إلى وضع لبنان، وإلى المتابعة الحثيثة لحسن تنفيذ القرار.

شيئاً فشيئاً يبدو أن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان تحل محل السيادة الوطنية في الدول التي تعاني تناقضاً بين سلوكها وممارساتها وبين المعايير الدولية التي تعتمدها الأمم المتحدة. هذا طبعاً إذا التقت مصالح الولايات المتحدة مع ضرورة تطبيق هذه المعايير في بلد من البلدان. هكذا يتظاهر الشباب اللبناني، حاملاً العلم الوطني، على اختلاف توجهاته الطائفية والحزبية بأسلوب سلمي مستشف من ثقافة العولمة وتجارب الثورات المخملية، فيمزج المطالب الوطنية السيادية بقيم المجتمع الدولي متجاوزاً العقائد المشددة على الخصوصية، وكأن هذا الشباب يتظاهر من الخارج إلى الداخل وليس بالعكس، أو كأنه يريد أن يقول للعالم عبر الفضائيات: "نحن نشبه العالم الحديث وقيمنا مشتركة فلا تتركونا لسوء المصير".

بالمنطق نفسه الذي يتجاوز السيادة المحلية يتحول مطلب "جلاء الحقيقة" في ما يتعلق باغتيال رفيق الحريري إثر الجريمة مباشرة إلى مطلب تشكيل لجنة تحقيق دولية لسببين: الأول، هو اتهام السلطات المحلية والسورية. والثاني، هو فقدان الثقة بالقضاء المحلي. ولأن الدينامية السياسية المعولمة أظهرت قدرة على تجييش يلاقي تجاوباً دولياً ويتقاطع مع مصالح الدول الكبرى (الولايات المتحدة وفرنسا في حالة لبنان) تشكلت لجنة تقصي حقائق توصي بلجنة تحقيق دولية تنبئ بتغيير مصائر قادة ورؤساء، وبتغيير بنية النظام اللبناني، وإعادة تشكيل المشهد السياسي في شكل شبه كامل. وفي مواجهة هذه الموجة الأممية المعولمة التي لا تكتفي بالبيانات بل باتت تملك الأسنان، تتهاوى مواقع العقائد والأيديولوجيات المحلية، حتى كأنه لولا نقص الأهداف البريئة لدى الولايات المتحدة، لبدت شرعة حقوق الإنسان بديلاً كاملاً من العقائد المحلية والسيادة الوطنية التي تتغنى بالخصوصية.

صار واضحاً أن مفهوم السيادة الوطنية بات تحت الكاميرا، والكاميرا لا يضعها فقط "الأخ الأكبر". إنها لدى كل مواطن في العالم يتفاعل مع المشهد، يعلق عليه ويصوت عبر الإنترنت ويبدي رأيه. والإعلام المعولم بهذا المعنى صار سلاحاً حاداً لا يدين فقط من يقوم بالارتكابات، بل يدين أيضاً القادر الذي يسكت عنها ولا يحرك ساكناً لمنعها.

ولأن الحدث الأقرب إلى عالمنا العربي هو الحدث المستمر في لبنان، والذي لم يصل إلى خواتيمه بعد، من المهم ملاحظة كيف أن جريمة اغتيال الحريري، رغم أهمية الشخص ووزنه المحلي والإقليمي والدولي، لم تكن لتترتب عليها هذه التداعيات الضخمة لولا الصورة التي أظهرت بشاعة الجريمة من جهة وفداحة رد الفعل من جهة أخرى. فتشارك الجمهور عبر الشاشة في حزن عميم فجّر المكبوت في الدواخل. واشترك اللبنانيون في حداد مستمر حول صورة الضريح والعزاء المنقولة مباشرة، وانتفضوا عبر صورة التظاهرات التي بدأت تكبر على الهواء.

شكَّل الاعلام المحمي من المجتمع الدولي ومن عجز السلطة عن قمعه لئلا تتعرض للعقوبات، ركيزة لـ"انتفاضة الاستقلال" في لبنان، وهي انتفاضة تلفزيونية ومفترضة بقدر ما هي حقيقية. فحين تغيب الجموع عائدة إلى البيوت أو يرجع الطلاب إلى مقاعد الدراسة تحل صورتهم في التلفزيون لتذكّر بما قاموا به، ويتدخل مخرجون محترفون في إعادة رسمها مرفقة بأغاني تحريض أو تحريك للمشاعر. كليبات كاملة ترفع نسبة الإحساس والمشاركة لدى المشاهد من غير أن يكون مشاركاً، ثم عبر التكرار وصياغة الشعارات تخرجه من المنزل إلى الشارع لتصوره من جديد وتكبر صورة الاحتجاج. هذا الإعلام نفسه استطاع كسر الخوف من السلطة وتفجير الكامن من الآراء. والصورة مغرية، ودافع إلى شجاعة هي نتاج شعور بقدرة الجماعة على الحماية وقدرة المشاهدين على رد الأذى عمن يتجرأ على سطوة سلطة وقدرة العالم الافتراضية أيضا على تشكيل مظلة.

نقل التلفزيون في لبنان صور اللبنانيين يتظاهرون في عواصم العالم حاملين الشعارات نفسها، ومرددين الهتافات التي كانت تطلق في بيروت، بل جرى مهرجان خطابي في باريس نقل إلى "ساحة الحرية" في بيروت، حيث شارك أحد قادة المعتصمين مباشرة في المهرجان الباريسي. هذا الواقع المنقول في اللحظة نفسها عبر الفضائيات جعل كثيرين يعتقدون أن عين العالم ودعمه موجودان، وأن الانخراط في التغيير أيسر مما كان يعتقد ولا يعوقه تخويف. أما بث التلفزيون الدائم والمتكرر لمشاهد الحداد والفجيعة والبكاء، فالأكيد أنه كسر الخوف وجعل البوح بالمضمر السياسي وسيلة إلى الشفاء من الحزن، وحوّله في الوقت نفسه إلى فعل إرادة وتصميم.

من المبكر استنتاج أننا سنشهد انتقالاً سريعاً لظاهرة التظاهر السلمي المعولم والمناداة بمبادئ بديهية منصوص عليها في القانون الدولي. لكن ما لا نستطيع نكرانه هو أن العالم العربي، وبتأثير من الإعلام والشاشة أيضاً، يتأمل نفسه الآن ويعاود شبابه الحساب. قد ينظر البعض بعين المشاهد السلبي إلى ما جرى، لكن كثيرين ينتظرون حدثاً أو تطوراً يتيح لهم التعبير. فهذه الظاهرة لا تثير الرغبة في الانتقام أو الثأر من سلطة أو الانقلاب، إنها فقط تثير الحسد والشهوة إلى التقليد ومحاكاة التلفزيون، أو بالأحرى الحضور في الصورة لحماً ودماً وصوتاً ورأياً يلقى صدى وليس ثرثرة هي فسحة يمنحها الحكام هبة قابلة للاسترداد.

Share