القيادة العراقية ولحظة المسؤولية

  • 19 مارس 2003

بعد الإنذار الأمريكي الذي وجهه بوش إلى صدام حسين وأمهله فيه مدة ثمانٍ وأربعين ساعة للتخلي عن السلطة ومغادرة العراق مع ولديه، عدي وقصي، وإلا قامت الحرب، فإن الساعات القليلة المقبلة هي أهم وأخطر ساعات العراق والشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، لأنها الساعات التي تفصل بين الحرب والسلام، وبين القراءة المسؤولة والواعية للواقع ومتطلباته والقراءة الواهمة والخاطئة له، تماما مثلما كان الأمر قبل إنذار السابع عشر من يناير عام 1991 والذي صدق وقامت حرب الخليج الثانية، وسيصدق الإنذار الأخير ما لم يستجب صدام حسين له، وبالتالي يتحقق السيناريو الكارثة وتلحق بالمنطقة نكبة سعت دول العالم جميعها، تقريبا، إلى تفاديها بكل جهد خلال الشهور الماضية، وقد تجر وراءها نكبات. لقد توقفت الجهود الدبلوماسية كلها، وعبّرت كل القوى والأطراف، الإقليمية والدولية، عن مواقفها واتخذت قراراتها، والقرار الوحيد الآن هو للقيادة العراقية، فرغم كل شيء تستطيع هذه القيادة إنقاذ الشعب العراقي من الدمار والحرب إذا ما قرر صدام حسين التنحي، ولا شك في أن أطرافا عديدة في العالم ربما تساعده على تنفيذ هذا القرار، حيث لا أحد يريد الحرب.

لقد صدرت، خلال الفترة الأخيرة، دعوات بالتنحي لصدام حسين انطلقت من حس قومي وقراءة واعية لواقع الأحداث والظروف المحيطة، وإحساس بالمسؤولية التاريخية عن بذل كل جهد لإنقاذ الشعب العراقي من الحرب، وثرواته من التخريب، والعراق كدولة من مخاطر التشتت والفوضى، والأهم من ذلك أنها انطوت على ضمانات لحفظ ماء الوجه، إلا أن القيادة العراقية آثرت العناد وسوء التقدير وخطأ الحسابات، ففوتت فرصة ثمينة إلى أن تحوّل "التنحي" من مطلب أو مبادرة لها ضمانات إلى "إنذار" بالحرب. ورغم ذلك فإن بعضا من الفرصة ما زال متاحا إذا اختارت القيادة العراقية تجنيب العراق مخاطر حرب لا يعلم مداها ومخاطرها إلا الله، فالمسؤولية السياسية والوطنية لا تعني الوقوف الخاسر في وجه الطوفان، وتعريض البلاد والعباد للدمار والخراب ثمنا لشعارات الشجاعة والبطولة.

إن القيادة العراقية اليوم أمام خيار واختبار حقيقي، فإما تنحي صدام ومغادرة العراق وإما الحرب.. فهل تكون هذه القيادة على قدر مسؤوليتها وتعلن ترك السلطة وتنقذ بلدها وشعبها من الخراب؟ أم إنها ستكرر الأخطاء نفسها عام 1991 وتدفع بالعراق، مرة بعد مرة، إلى المجهول، مع ملاحظة أن الظروف الحالية ربما تكون أخطر بكثير على العراق مما كان سائدا من ظروف خلال عامي 1990 و1991، حيث الهدف الأساسي ليس مجرد إخراج الجيش العراقي من الكويت، وإنما الهدف الآن هو النظام العراقي الحاكم بكل تغلغلاته في مختلف أجزاء العراق، بما ينطوي عليه ذلك من احتمالات خطيرة أثناء الحرب وبعدها؟

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات