القيادة الحكيمة وتعزيز رفاهية المواطنين

  • 16 أغسطس 2011

تحقيق رفاهية المواطنين ورفع مستوى معيشتهم بشكل مستمر ليس ترفاً، وإنما هو هدف استراتيجي لكل الحكومات المسؤولة والفاعلة، وهو عنصر أساسي في عملية التنمية الاجتماعية المستدامة التي تتنافس دول العالم لتحقيقها. وقد مثَّل هذا التوجه على الدوام ركيزة أساسية في سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتعزز مع تولي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، حفظه الله، مقاليد السلطة، حيث تمضي الدولة وبقوة في متابعة السير وفق هذا المفهوم في بناء مستقبلها وتعزيز رفاهية مواطنيها وأجيالها الصاعدة.

لقد وضعت القيادة الإماراتية مواطنيها في بؤرة اهتمامها، ولم تأل جهداً في العمل من أجل الارتقاء بهم وتوفير كل سبل العيش الكريم لهم، استناداً إلى قناعة مؤداها أن الإنسان هو هدف التنمية وأداتها، ولم تتوان في اتخاذ أية قرارات أو سياسات تخدم مصلحة المواطن وترفع من شأنه في وطنه، وعلى رأس ذلك توفير المسكن الملائم لكل مواطن، وخلق فرص وظيفية له من أجل إكمال معادلة الرفاهية التي لم تدخر القيادة الرشيدة جهداً في سبيل تحقيقها على أرض الواقع، بوصفها ركيزة أساسية لإرساء دعائم الأمن الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للمواطنين، وبالتالي تقوية الأمن العام للدولة التي تحرص دائماً على تلبية متطلبات أبنائها واحتياجاتهم بشتى السبل والوسائل المتاحة والخلاقة لتتواكب مع مستجدات العصر.

يرى المتخصصون في علم الاجتماع الحضري أن السكن الملائم ضرورة من ضرورات الحياة الطبيعية للإنسان الذي يُراد منه المساهمة في العمران، ومفهوم "السكن الملائم" لا يقصد به الشكل الهندسي للسكن فحسب، وإنما الشكل الاجتماعي الذي يؤدي من خلاله هذا السكن الدور المنوط به، والمتمثل في توفير الشعور بالراحة والاطمئنان والسكينة للفرد عندما يستقر في هذا المسكن.

وفي دولة الإمارات تحرص القيادة الرشيدة على توفير السكن الملائم، وتوفير كل سبل الراحة في المساكن المخصصة للمواطنين، وتأمين كافة الخدمات المطلوبة لذلك من مواصلات وطرق واتصالات ومؤسسات تعليمية وصحية وغير ذلك، وهو ما يتجلى في حرصها على زيارة مواقع البناء للاطلاع على نماذج مساكن المواطنين، والتأكد من أنها تلبي احتياجاتهم، وتتوافر فيها كل المعايير التي تساهم في تحقيق الأمن الاجتماعي والنفسي لهم، الأمر الذي يسهم في زيادة عطائهم وتحفيز طاقاتهم الإنتاجية للصالح العام في المجتمع.

وفي تناولنا لموضوع الإسكان لا نرمي إلى حصر كل ما تم إنجازه في الدولة، بقدر ما نريد تأكيد أن ما كان يقوم به المؤسس الأول لهذه الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- من حرص وإشراف مباشر على كثير من إنجازات الدولة، لا زال قائماً ويشهد مزيداً من التطور، في ذريته حفظهم الله، وهذا جزء من حفظ العهد الذي تركه زايد الخير في أيدي أبنائه وكافة المسؤولين عن مسيرة التنمية المستدامة في المجتمع.

ومن بين المبادرات والإجراءات الأخيرة التي تؤكد هذا النهج على سبيل المثال لا الحصر، اعتماد المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ وتعليمات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، صرف دفعة جديدة من قروض المواطنين لـ1496 مستفيداً من هيئة قروض المساكن الخاصة للمواطنين في الإمارة بمبلغ قدره ثلاثة مليارات درهم، وهي جزء من موازنة العام 2011 الخاصة بقروض الإسكان التي تبلغ قيمتها 7 مليارات درهم، في تأكيد واضح على حرص القيادة على إنجاز المشاريع التي تخدم المواطنين في هذا المجال، والتي تستند إلى رؤية "أبوظبي 2030" التي يرعاها رئيس الدولة حفظه الله، ويشرف على تنفيذها ولي عهده الأمين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أمر صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله، كذلك بتخصيص 1236 قطعة أرض سكنية للمواطنين، في أبوظبي والعين والمنطقة الغربية، كما أصدر توجيهاته السامية بتوزيع 488 فيلا سكنية للمواطنين، في جزيرة ياس بأبوظبي. وتندرج هذه المساكن ضمن منظومة مساكن المواطنين التي أعلن عنها مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني خلال معرض سيتي سكيب 2011؛ إذ تم توقيع اتفاقيات لبناء مساكن جديدة تتضمن تشييد 7500 مسكن في كافة مناطق إمارة أبوظبي.

وتمتد مظلة الرعاية الإسكانية إلى مختلف إمارات الدولة، وفي هذا المجال شملت توجيهات رئيس الدولة حفظه الله، سرعة حصر المساكن القديمة للمواطنين وإحلالها، وقد أقرت لجنة المتابعة البدء فوراً في إحلال 342 مسكناً، منها 110 مساكن في الشارقة، و182 مسكناً في رأس الخيمة و50 مسكناً في الفجيرة. ويعني هذا أن مشروعات الإسكان لم تقتصر على المدن الرئيسية وإنما وصلت إلى المناطق البعيدة جغرافياً، حتى تلك التي في بطون الوديان ومجاريها، فمن بين الـ 182 مسكناً التي وافقت لجنة المتابعة على إحلالها في إمارة رأس الخيمة يوجد 7 مساكن في وادي ممدوح و24 مسكناً في وادي اصفني و17 مسكناً في وادي العيم و28 مسكناً في وادي كوب و9 مساكن في العيص و8 في إذن و11 مسكناً بالصفي.

وينطبق هذا النهج على إمارة الفجيرة التي تم فيها إحلال 50 مسكناً، منها 9 مساكن في وادي مي و12 في أحفرة و8 في الصرم و21 مسكناً في الحنية، كما قامت اللجنة كذلك بترسية أعمال إنشاء وإنجاز عدد 61 مسكناً بوادي القور بكلفة مقدارها 48 مليون درهم. وفي جميع الحالات هناك حرص واضح على أن يراعى في تصميم ومواصفات الفلل السكنية المعايير العالمية للاستدامة بما يحقق تطلعات المواطنين بالحصول على المسكن المميز.

وعلى هذا المنوال وتنفيذاً لتوجيهات نائب رئيس الدولة، اعتمدت مؤسسة محمد بن راشد دفعة جديدة من منح الأراضي السكنية، ومستحقي قروض الإسكان من مواطني دبي، وقد بلغ عدد المستفيدين في هذه الدفعة 266 مستفيداً من منح الأراضي السكنية، و43 مستفيداً من منحة مسكن حكومي، و9 مستفيدين من منحة صيانة وإضافة، كما اعتمد المجلس أسماء 214 مستفيداً من قرض مسكن جاهز، وبقيمة إجمالية بلغت حوالي 130 مليون درهم.

ويجب ملاحظة أن كل هذه الإجراءات وغيرها تمت في عام 2011 فقط، وهي جزء من الحراك والتطور الإسكاني المستمر بالدولة، ولو أردنا الإسهاب في هذا المجال لاحتجنا إلى دراسة موسعة حتى نفي الموضوع حقه.

ولو انتقلنا إلى الجزء الآخر من هذا التوجه العام نحو تحقيق رفاهية المواطنين، والمتمثل في عملية توظيف المواطنين، أمكننا أن نلحظ بسهولة أن هذه العملية أخذت حيزاً مهماً من اهتمام القيادة الرشيدة بالدولة؛ وذلك لإيمانها الراسخ بأن العمل هو الذي يعطي القيمة الحقيقية للإنسان، وهذا هو المنطلق الأساسي لغرس المواطن في أي موقع يخدم فيه وطنه.

ومن متابعتنا لقضية التوطين لعقود، وجدنا أن أكبر دفعة لعملية التوطين في الآونة الأخيرة قادها سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي بنفسه، حين وجّه دوائر أبوظبي والمؤسسات والشركات المملوكة للحكومة بتعيين 6 آلاف مواطن مباشرة، وهي مبادرة حكيمة تؤكد حقيقة إيمان القيادة بضرورة توفير لقمة العيش الكريمة للمواطن الذي يعد أعز ثروات الوطن.

وقد جاءت هذه المبادرة استكمالات لخطوات أخرى كثيرة، فخلال معرض أبوظبي للتوظيف (25- 27 يناير 2011)، تم توفير 2500 فرصة عمل للمواطنين، وذلك تفعيلاً للاستراتيجية الجديدة لمجلس أبوظبي للتوطين التي تم اعتمادها في 2008. وكان المجلس قد تلقى عشرة آلاف طلب توظيف في 2010، وقام بتوفير 4200 فرصة عمل للمواطنين.

وفي أحدث مشروع تم تدشينه في إمارة الفجيرة وهو مشروع المصفاة، تم توفير نحو 400 فرصة عمل للمواطنين والمواطنات من أصل 750 وظيفة يحتاجها المشروع، لتصل نسبة المواطنين والمواطنات في هذا المشروع إلى أكثر من 50% مما يعطي المشروع مردوداً اجتماعياً واقتصادياً يعود بالخير والنفع على أبناء المنطقة ويساهم في تنشيط  الاقتصاد.

هذه الأرقام النوعية في عملية التوطين وفي أكثر من إمارة، هي مجرد أمثلة وليس كل ما يبذل من جهد، ولا شك أنها تساهم مباشرة في خفض نسبة البطالة بالدولة إجمالاً، وإذا استمر الحال على هذا المنوال، وهو ما تحرص عليه القيادة الرشيدة بالدولة، فإن المجتمع، وبعد سنوات قليلة، سوف يلقي عن كاهله شبح البطالة، ولاسيما بعد فتح المجال أمام شباب المستقبل للاتجاه نحو تخصصات نوعية كجزء من احتياجات سوق العمل بالدولة في السنوات القادمة، كالطاقة النظيفة والمتجددة والهندسة الجينية وتقنية النانو وأخرى من مستجدات العصر.

إن السكن الملائم مع الوظيفة الملائمة توأمان يشكلان عمودين رئيسيين في الحفاظ على سقف البنيان  الاجتماعي والاقتصادي للدولة في حالة استقرار مستمر. ولم يغب ذلك عن فكر القيادة الحكيمة منذ النشأة، ولم تقف المبادرات في هذا الشأن عند سقف معين، فلا زالت الأيام تحمل الكثير من الخير العميم.

Share