القمة السعودية-السورية: ماذا عن المحكمة والمستجدات؟

د. بشارة نصّار شربل: القمة السعودية-السورية: ماذا عن المحكمة والمستجدات؟

  • 22 أكتوبر 2009

قد لا تظهر بسرعة نتائج القمة السعودية-السورية التي عقدت في دمشق مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لكنها ستظهر تباعاً في أكثر من منطقة وملف خلافي، تبعاً لتطور الأحداث، وحجم العناصر الثالثة فيها، ومقدرتها على تعطيل التوافقات التي حصلت، أو إبطائها، أو تجميدها، أو الدفع إلى تدوير زواياها عبر مزيد من الاتصالات.

ما لا شك فيه أن اللقاء بين العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبد العزيز، والرئيس السوري، بشار الأسد، لم يكن مجرد لقاء عابر، أو زيارة مجاملة يؤديها الملك عبد الله لدمشق رداً على مشاركة الرئيس الأسد في افتتاح "جامعة العلوم والتكنولوجيا"، شمالي جدة، في سبتمبر/أيلول 2009. فالصفحة الجديدة بدأ طيها في قمة الكويت الاقتصادية، في يناير/كانون الثاني 2009، حين أمسك الملك السعودي بيد الرئيس الشاب وكأنه يقول: هذا هو الابن الذي نتوق إلى رؤيته عائداً إلى البيت العربي من رحلته الموغلة في إيران، وتلك هي الدولة التي لا نرضى أن تغرد خارج السرب العربي، أو يتسبب حلفها مع طهران في قطع الأمل بعودة الحيوية للنظام العربي، ودفن الحنين المستديم إلى عودة التنسيق الثلاثي السعودي?المصري?السوري الذي صمد أكثر من عقدين، على الرغم من المخاطر التي مرت بها المنطقة واختلاف التوجهات في شأن أحداث خطيرة، أبرزها الحرب العراقية-الإيرانية وسقوط بغداد.

لا جدال في أن ملف لبنان هو محك أساسي للتوافق السعودي-السوري. ففي هذا البلد تحديداً، حصلت المواجهة الأكثر حدة في المنطقة بين "محور الممانعة" و"محور الاعتدال." وعملياً، كان الملف اللبناني سبباً رئيساً في الشقاق بين السعودية وسورية بعدما تهيأت ظروف الخلافات في العراق. وفي مبادرتها بمد اليد إلى دمشق، تقرأ المملكة التطورات من خلال حركتها اليومية في المنطقة، ومن خلال التغيرات العالمية التي أتت بباراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، ودشّنت عهد "مقاربات الحوار" خصوصاً مع إيران وملفها النووي، وكذلك مع سورية مفتوحة الأبواب على مصراعيها مع ورثة بني عثمان، والتي توازن بين بقاء حلفها الممانع متيناً وبين مرونة الانفتاح على خصوم الأمس وأعداء التاريخ على السواء.

تعيد الرياض إذن وصل ما انقطع مع دمشق في ظروف تختلف كلياً عن المرحلة السوداء التي بدأت في 2005 إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، واتهام سورية بالوقوف وراء الجريمة، ومختلفة بالطبع عن أجواء التداعيات الناجمة عن انسحاب الجيش السوري من لبنان في نفس العام، ثم اندلاع "حرب يوليو/تموز" في 2006، التي أعقبها مباشرة وصف الرئيس الأسد لعديد من القادة العرب ـ مقيماً مواقفهم من الحرب ـ بأنهم "أنصاف رجال". فسورية اليوم أقل تأثيراً في مجموعة ملفات، مع أنها استطاعت الصمود في وجه الأنواء التي عصفت بها. فهي مؤثرة في لبنان، لكنها ليست الوحيدة هناك، بل إن حليفها القوي "حزب الله" هو في النهاية عاقد الولاء للولي الفقيه في طهران، وليس للرئيس الجالس في قصر المهاجرين في الشام. وهي مؤثرة في العراق، لكن أقل بكثير مما كانت عليه في السنوات الأولى التي أعقبت الاحتلال الأميركي لبغداد، في 2003. فالتعاون الأمني بينها وبين الأمريكيين مقبول، وتسرب المقاتلين عبر حدودها محدود، والدولة العراقية شكلت نواة تبدو قابلة للحياة، وفيها نفوذ لطهران أكبر بكثير من تأثير دمشق المتهمة من أطراف عراقية رئيسة بأنها وراء تفجيرات 19 أغسطس/آب في بغداد، ما دفع تلك الأطراف إلى مطالبة المجتمع الدولي بتشكيل لجنة تحقيق في التفجيرات، على غرار تلك التي شُكلت عقب اغتيال الحريري ومرافقيه.

أما الرياض، فهي أيضاً في حاجة إلى قلب الصفحة لجملة أسباب، أهمها- تأكدها من أن لا تغييرات عاصفة في المنطقة تضرب مفاعلات وتغير أنظمة ومعادلات، ولا قدرة لطرف من الأطراف على حسم الصراع، ولا مكان لاستمرار جمود، يولد فتناً سياسية ومذهبية في أكثر من بقعة، ويوقظ صراعات تدمر ما تبقى من تماسك ليس في النظام العربي الرسمي فحسب، بل داخل المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج.

لم تراهن الرياض في توجهها الجديد لملاقاة دمشق على فصمٍ لعرى التحالف بين عاصمة الأمويين وطهران، لكنها راهنت حتماً على لعبة توازن تخفف حدة الاصطفافات، وتسمح بخفض التوترات، وتتيح المجال للمساعي الدبلوماسية والعقلانية بأن تفعل فعلها، إذا خلصت النيات. وتدرك المملكة أن عودة دمشق إلى الحضن العربي هي مصلحة للطرفين، وعامل مؤثر في تخفيف قبضة طهران على أكثر من محور يخص الأمن العربي والمصلحة القومية العربية، بدءاً من لبنان وغزة، مروراً بالعراق، وانتهاء بتمرد الحوثيين على الطرف الآخر من الحدود السعودية الجنوبية مع اليمن. إذن، فهي الحاجة المتبادلة التي فرضت قمة دمشق. فسورية لا تستطيع الاستمرار في تحالف المائة في المائة مع إيران، والسعودية صاحبة مسؤولية إسلامية وعربية ووطنية كبرى، تجعلها تتغاضى عن العامل الشخصي لتسهيل تطبيع العلاقات.

لم تظهر إلى العلن بعد التفاهمات التي تمت بين الرياض ودمشق، لكن المتوقع أن تكون عميقة وقابلة للاستمرار. وإذ رشح أن التفاهم على موضوع العراق ودعم قيام الدولة فيه شبه تام، وأن سوريا ترفض تهديد وحدة اليمن ونظامها وأي اضطراب على حدود المملكة، فإنه رشح أيضاً أنها ستسهل المصالحة الفلسطينية، على الرغم من تحفظها عن الدور المصري في غزة ولبنان، وأنها ستخفف من غلواء "حماس"، وتمارس ضغطاً ممكناً عليها بسبب وجود قيادتها في دمشق، على الرغم من حلفها "المقدس" مع طهران.

أما في شأن لبنان، فيبدو أن صيغة "لا غالب ولا مغلوب" هي التي دفعت إلى سلة تفاهمات، وَعَدت دمشق بأن تظهر تباعاً ولو ببطء شديد، مع الأخذ في الاعتبار أن لإيران الكلمة الفصل في قرار "حزب الله" وحليفه الجنرال ميشال عون. ويحكى عن اتفاق شامل على تشجيع حكومة الوحدة الوطنية، وعلى تنفيذ مقررات الحوار الوطني المتعلق بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، ودعم الرئيس ميشال سليمان، وترك قضية المقاومة وسلاح "حزب الله" لحوار اللبنانيين؛ ما يعني عملياً التسليم باستمرار الوجود الضاغط الذي يمارسه هذا السلاح. وإذ يذهب مراقبون عديدون إلى القول بأن الرياض يئست من موضوع لبنان، وعادت لتسلم باستحالة تحقيق أهداف "14 آذار/مارس" في وحدانية سيادة الدولة وجيشها على أرضها ووحدانية القرار، فإنهم يستدلون على ذلك بالأجواء التي رافقت زيارة الملك عبد الله، ولا يتجاهلون مقال رئيس تحرير صحيفة "الرياض" الذي دعا إلى "إعادة لبنان إلى سورية"؛ لأنه "خطأ تاريخي صنعه الاستعمار"، رغم أن الكاتب عاد واعتذر وتراجع "عما تصورته وفكرت به خطأ"!

ومع ذلك، يبقى أكثر من سؤال أساسي مطروحاً على السعودية خصوصا بعد القمة "الحدث"، وما نتج عنها من تفاهمات، وما تسرب من حقائق وإشاعات. فماذا سيكون موقف الرياض إذا صدر عن المحكمة الدولية قرار اتهام يثبت تورط دمشق في اغتيال الحريري؟ أم هل هناك توافق ما على مآل المحكمة يضعها في خانة النسيان؟ ماذا سيكون موقف الرياض لو فرض الملف النووي على سورية تشدداً وعودة على بدء في كل الملفات؟… ثلاثة أسئلة فقط، على سبيل المثال.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات