القمة الروسية- الصينية والأزمة السورية

  • 7 يونيو 2012

حظيت زيارة الدولة التي قام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الصين في الفترة من الخامس إلى السابع من يونيو/ حزيران الحالي (2012)، والقمة التي عقدها خلالها مع نظيره الصيني، هو جينتاو، باهتمام واسع إقليمياً ودولياً، ليس فقط بسبب ما يتمتع به البلدان من تأثير وثقل كبيرين اقتصادياً وسياسياً على الساحة الدولية، وإنما أيضاً للوقوف على مدى التغيّر أو الثبات على مواقفهما المثيرة للجدل بشأن الأزمة السورية المتفاقمة، والتي وضعتهما في مواجهة مع أغلب القوى الغربية.

وبشكل عام، جاءت هذه القمة كاشفة عن أمرين مهمين، الأول: رغبة الطرفين في تعزيز التعاون الاقتصادي القائم فيما بينهما، والذي شهد تطورات مهمة خلال السنوات القليلة الماضية؛ حيث ازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2011 بنسبة 40% مقارنة بعام 2010 ليتجاوز مبلغ 83 مليار دولار، ما جعل الصين الشريك التجاري الأول لروسيا. وقد تعهد الجانبان بالاستخدام الفعال لكافة الإمكانات المتاحة من أجل تطوير علاقاتهما الاقتصادية والتجارية، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2015 وإلى 200 مليار دولار بحلول عام 2020. ومن بين الإجراءات المهمة التي تم إقرارها في هذا الصدد خلال الزيارة، الاتفاق على تعزيز بعض مسارات التعاون في مجال الطاقة النووية بين مؤسسة"روس آتوم" الروسية والوكالة الصينية للطاقة الذرية، ووضع اللمسات الأخيرة لإنشاء صندوق الاستثمار المشترك بين البلدين برأسمال قدره أربعة مليارات دولار، والذي يهدف إلى تعزيز الاستثمار المشترك في ميادين مثل الزراعة والنقل. ويرى بعض المحللين أن هناك فرصاً كبيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، ولاسيما في مجال الطاقة؛ حيث تعد روسيا أكبر منتج للنفط في العالم، فيما تعد الصين أكبر مستهلك له في العالم. يعزز من ذلك الأزمة الخانقة التي تمر بها الاقتصاديات الأوروبية في الوقت الراهن.

الأمر الثاني، يتعلق بتمسك البلدين بمواقفهما تجاه بعض القضايا الإقليمية والدولية المهمة، وفي مقدمتها الأزمة السورية، التي فرضت نفسها بقوة في الفترة الأخيرة على الأجندة الدولية، نتيجة تصاعد أعمال العنف الذي يمارسه النظام السوري ضد المعارضين له، والذي تجسد على أسوأ ما يكون في المجزرة التي ارتُكبت في مدينة الحولة السورية وراح ضحيتها 108 أشخاص من بينهم ما يقرب من خمسين طفلاً، والمجزرة التي وقعت في ريف حماة يوم 6 يونيو الحالي وراح ضحيتها 86 شخصاً بينهم نساء وأطفال. فعلى الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة التي مورست على البلدين لتغيير مواقفهما الداعمة للنظام السوري، لم يصدر عن القمة ما يشير إلى حدوث تغير في موقف البلدين، حيث جدد الرئيسان الروسي والصيني في البيان المشترك الصادر في ختام الزيارة معارضتهما الشديدة لأية محاولة لحل الأزمة السورية من خلال التدخل العسكري من الخارج، أو تغيير النظام بالقوة، وطالبا المجتمع الدولي بدعم خطة عنان ومهمة المراقبين الدوليين في سورية باعتبارها السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، كما حثا جميع أطراف الصراع على وقف أعمال العنف واستئناف الحوار السياسي.

وتعتبر روسيا والصين أكبر داعمين لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، حيث عملت الدولتان باستمرار على حماية هذا النظام، وعرقلة أي تحرك من جانب مجلس الأمن لإدانته أو فرض أية عقوبات عليه. ولجأتا في سبيل ذلك إلى استخدام حق النقص (الفيتو) مرتين خلال العام الحالي ضد قرارين لمجلس الأمن يهددان بفرض عقوبات على نظام الرئيس بشار الأسد. ولم يقتصر هذا الدعم، على الجانب السياسي، حيث اتُهمت روسيا تحديداً بالاستمرار في تزويد النظام السوري بالأسلحة طوال فترة الأزمة، وهو الأمر الذي انتقدته وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، معتبرة أنه يعزز نظام الأسد ويشجعه على مواصلة قمع معارضيه.

وبينما تبني كل من روسيا والصين موقفهما من الأزمة السورية على مبررات تريانها موضوعية، من أبرزها أن التدخل الخارجي في الأزمة قد يدفع البلاد بقوة نحو الحرب الأهلية، التي ستمتد آثارها إلى دول أخرى في المنطقة، الأمر الذي سيشكل تهديداً خطيراً للسلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمتها، يرى بعض المحللين أن هناك دوافع أخرى لتبني هذا الموقف من الأزمة السورية، ولاسيما بالنسبة لروسيا، من بينهما رغبة الرئيس بوتين في تعزيز نفوذ بلاده على الساحتين الإقليمية والدولية عبر البوابة السورية، وعدم رغبة موسكو في خسارة نظام الأسد الذي يعد أحد الأنظمة الحليفة لها في المنطقة. ويرى هؤلاء أن المشكلة في موقف روسيا تحديداً أنها لا ترغب حتى في إدانة النظام السوري أو تمرير أية خطوات تنطوي على توجيه رسالة واضحة لهذا النظام بأن الاستمرار في التعامل مع الأزمة بالعنف والقمع فقط ستكون له عواقب خطيرة على هذا النظام بما يردعه ويدفعه للتجاوب مع الضغوط الرامية لتسوية الأزمة سلمياً.

ومع استمرار أعمال العنف في سورية وتصاعدها، وتزايد حصيلة الضحايا التي بلغت ما يقرب من 15 ألف قتيل، تصاعدت في الفترة الأخيرة الضغوط الدولية الرامية إلى وضع حد للأزمة. وقد سارت هذه الضغوط في اتجاهين، الأول، تمثل في اتخاذ مزيد من الإجراءات بحق النظام السوري، ولاسيما بعد ارتكاب مجزرة الحولة، كان أبرزها، قيام 17 دولة غربية بطرد السفراء السوريين من أراضيها، وتصويت مجلس حقوق الإنسان لصالح قرار يطلب من لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سورية إجراء "تحقيق خاص" حول مجزرة الحولة من أجل تقديم مرتكبيها إلى العدالة، وهو القرار الذي صوتت ضده الصين وروسيا واعتبرتا أنه غير متوازن.

أما الاتجاه الثاني، فركز على محاولة إحداث تغيير في الموقف الروسي بشكل خاص على أساس أن موسكو هي الداعم الرئيسي لنظام الأسد، وأي تغيير في موقفها سيؤدي بالضرورة إلى حدوث تغيير في موقف الصين. فخلال زيارته إلى أوروبا مطلع الشهر الحالي تعرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لضغوط قوية من قادة فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي للتوقف عن دعم نظام الأسد، فيما ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، أن المسؤولين الأوربيين يتداولون فكرة على نحو سري تتمثل في مقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية المقررة تنظيمها في سوتشي الواقعة في القوقاز عام 2014، إذا ما واصلت روسيا دعمها للأسد. كما دعت وزيرة الخارجية الأمريكية الرئيسين الروسي والصيني إلى المساهمة في حل الأزمة السورية من خلال الضغط على نظام الأسد للإسراع بعملية الانتقال السياسي في البلاد، فيما أشارت مصادر إعلامية إلى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما يعتزم بحث سبل تطبيق النموذج اليمني في سورية في لقاء يجمعه مع الرئيس الروسي خلال قمة دول العشرين في المكسيك الشهر الجاري. كما دعا وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، الحكومة الروسية إلى الانتقال من تأييد النظام السوري، إلى المساهمة بإيجابية في وقف القتال وتحقيق انتقال سريع للسلطة في سورية، مشيراً إلى أن إقدام موسكو على تغيير موقفها سيحفظ مصالحها في سورية والعالم العربي.

ورغم بعض المؤشرات التي ظهرت مؤخراً وتشير إلى احتمال حدوث تغيير فعلي في الموقف الروسي بصفة خاصة، ومن ذلك تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، يوم 5 يونيو الحالي، الذي أعلن فيه أن بلاده لا تعتبر بقاء الرئيس السوري في السلطة شرطاً مسبقاً لتسوية الأزمة، وأنها مستعدة لبحث خروج الأسد من السلطة إذا كان ذلك نتيجة لحوار سياسي سوري دون تدخل أجنبي، فإن ما صدر عن زيارة بوتين للصين من تصريحات وبيانات، وما أعلنته موسكو من تحفظ على فكرة تطبيق النموذج اليمني على الأزمة السورية، وتحفظ الولايات المتحدة والغرب على اقتراح موسكو الأخير بعقد اجتماع بشأن سورية تحضره إيران وتركيا وبعض القوى الإقليمية والدولية بهدف دعم خطة السلام المتعثرة.. كل ذلك يؤكد أن الفجوة لا تزال واسعة بين مواقف روسيا والصين من جانب ومواقف معظم القوى الدولية الأخرى من جانب آخر بشأن كيفية تسوية الأزمة السورية.

ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الموقف الروسي- الصيني من الأزمة السورية غير قابل للتغيير أو الاختراق، فاستمرار أعمال العنف ونزيف الدماء وعدم وجود أفق سياسي للخروج من الأزمة الراهنة، ولاسيما في ظل تزايد المؤشرات على تعثر خطة المبعوث الأممي كوفي عنان لتسوية الأزمة، سيمثل بلا شك عامل ضغط مستمر على كل من روسيا والصين، وسيكون من الصعب عليهما الاستمرار في تبرير مواقفهما الداعمة للنظام السوري سياسياً وأخلاقياً.

Share