القمة الخليجية الـ 25: إدارة الاختلاف وترسيخ الإنجاز

القمة الخليجية الـ 25: إدارة الاختلاف وترسيخ الإنجاز

  • 22 ديسمبر 2004

ثمة حقيقتان غابتا، سهواً أو عمداً، عن الغالبية العظمى من التقييمات التي صدرت بحق قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الـ 25؛ أولاهما: أن تلك القمة يمكن أن تصنف بين القمم الأكثر فاعلية وتحقيقاً للتقدم، وثانيتهما: أن الخلاف السعودي-البحريني الذي اختير، استسهالاً، أولوية في المعالجات الإعلامية للقمة، ما هو إلا دليل صحة ورشد ونضج سياسي وإجرائي عرفه المجلس، الذي ترسخ كمشروع هوية ومصلحة لدوله الست والملايين من مواطنيها. لقد أعطت المعالجات الإعلامية معظمها إشارات إلى المتلقين، سواء كانوا من أعضاء النخب أو الجمهور، تفيد بـ "هيمنة الخلاف السعودي-البحريني" على القمة، أو "إلقاء الظلال" عليها. وهو الأمر الذي دفع بعض الخبراء والمحللين إلى الحديث عن "شروخ خليجية"، أو "تعثر ومنازعات"، في وقت غاب فيه الحديث عن ملف ضخم من الإنجازات، وعن أسلوب "سياسي احترافي"، ملأ المساحة بين الشفافية والأعراف المرعية في إدارة الخلافات، دون التورط في التعتيم أو التلاسن. لقد اتخذت القمة عدداً من القرارات التي ستصب حتماً في مصلحة مواطني دول المجلس، والتي ستؤتي ثمارها قريباً؛ منها: إقرار توفير الحماية التأمينية لمواطني دول المجلس الذين يعملون في دول المجلس الأخرى، والتوجيه باستكمال الدراسات اللازمة لإنجاز مشروع إنشاء شبكة السكك الحديدية الخليجية، واستكمال العمل بمشروع "البطاقة الذكية"، لتكون بمنزلة هوية وطنية لمواطني دول المجلس. ومن بين تلك القرارات أيضاً إقرار المجلس عدداً من القوانين الموحدة في القطاعات الصناعية والزراعية، فضلاً عن عدد من القرارات ذات الصلة بالتعاون البيئي والتعليمي بين الدول الأعضاء، إضافة إلى تفويض وزراء العمل وضع خطة لمواجهة الآثار السلبية لظاهرة العمالة الأجنبية في دول المجلس. سياسياً، كان التوافق لافتاً بين دول المجلس إزاء القضايا ذات الاهتمام، كما جاءت القرارات، في هذا الصدد، منسجمة انسجاماً تاماً مع مواقف وتطلعات شعوب دول المجلس حيال تلك القضايا. فقد اتفق القادة على تعزيز التنسيق والتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب بأشكاله جميعها، لكنهم حرصوا كذلك على "التمييز بين الإرهاب والحق المشروع للشعوب في مقاومة الاحتلال". كما دعوا واشنطن إلى "الضغط على إسرائيل والعمل على تحريك عملية السلام". وأعلنوا تضامنهم مع شعب العراق، مؤكدين حرصهم على استقراره ووحدة أراضيه. ودعموا سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث التي تحتلها إيران، ودعوها إلى العمل على حل القضية بالطرق السلمية أو قبول اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. على أن الجدير بإلقاء الضوء أيضاً فيما تمخضت عنه القمة هو تأكيدها على المضي قدماً في طريق التحديث والتطوير بما يتلاءم مع تحديات العصر، لكن بشكل يراعي خصوصيات وظروف دول المجلس من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية. فإذا كان ما سبقت الإشارة إليه هو بعض ما تحقق في هذه القمة من إنجازات، فضلاً عن تعيينها أميناً عاماً مساعداً للشؤون الأمنية، وتجديدها للأمين العام للمجلس، فكيف اختصرت هذه القائمة بداية، ثم حورت في عنوان يدّعي: "الإخفاق"؟ حدث هذا الخلط نتيجة لخفض السعودية مستوى تمثيلها في القمة، وإثر تصريحات مسؤوليها التي تنتقد اتفاق التجارة الحرة البحريني-الأمريكي. كما تعزز نتيجة إصرار البحرين على المضي قدماً في تفعيل الاتفاقية، وانشغال القادة الستة لدول المجلس بمحاولة إدارة الاختلاف، ثم توافقهم في ختام القمة على "إحالة القضية على اجتماعات لاحقة يعقدها وزراء المالية والاقتصاد"، ما اعتبر تأجيلاً لحسمها. وبعيداً عن الاعتبارات التي بنى عليها كل طرف من أطراف المجلس سياسته في إدارة هذه المسألة، وبعيداً عن الأبعاد الموضوعية لمسألة توقيع دول المجلس منفردة اتفاقيات ثنائية مع أطراف أخرى، سواء من الناحية السياسية أو القانونية أو الفنية، فثمة خلاصة واضحة مبرهنة يمكن استشفافها من هذا الحدث. تنبني تلك الخلاصة أساساً على أن الخلاف الذي حدث هو خلاف مصلحي، ذو علاقة بموازنة أطراف في المجلس لرؤيتها لمصالحها السيادية من جهة وقراءتها لاستحقاقات عضويتها في هذا الكيان من جهة أخرى. كما أن هذا الخلاف، المبني على اعتبارات مصلحية موضوعية، وجد طريقه الطبيعي إلى "المحفل الموضوعي والإجرائي" الملائم للحل، سواء عبر قمة يجتمع فيها القادة، أو عبر قنوات في مستويات أقل سياسياً وأكثر تخصصية وملاءمة فنياً. كما تتعزز تلك الخلاصة بما يمكن تسميته "الإدارة السياسية الاحترافية" للخلاف من جانب قادة دول المجلس، وهو الأمر الذي تجنب آفة عرفتها السياسة العربية طويلاً تتمثل في شخصنة الخلافات والنزوع نحو إعادة إنتاجها شتائم وهجمات تشنجية. وقد مكنت تلك الإدارة من اتخاذ نحو 11 قراراً اقتصادياً حيوياً، ومتابعة أعمال واستحقاقات إجرائية، وبلورة مواقف سياسية مهمة، دون التخلي عن الاعتراف بوجود الاختلاف، ومحاولة حله، وتوجيهه إلى مساره الإداري الفني، بغرض تحسين شروط التعاطي معه والتوصل إلى حله. والواقع أن هذا الأمر هو ما تعرفه التجمعات الراشدة كلها؛ فثمة مصالح سيادية، أو رؤى قطرية لها من جهة، وثمة استحقاقات جماعية أو قراءات معينة لها من جهة أخرى. وهذا الأمر حدث كثيراً في موضوعات مثل دعم المنتجات الزراعية في دول الاتحاد الأوروبي، أو حقوق الصيد بين تلك الدول. كما حدث بين تجمع كالاتحاد الأوروبي ودولة كالولايات المتحدة في أزمة شهيرة تتعلق بواردات الصلب بين الجانبين. ومرت تلك الأزمات كلها بمراحل شبيهة بتلك التي تمر بها مسألة الاتفاقية البحرينية-الأمريكية، ثم وجدت طريقاً للحل عبر تقريب المسافات وإدراك الحلول الوسط. لا يمثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية سلسلة من الإنجازات لا تعرف إخفاقاً، كما أنه لا ينفصل عن سياق شامل يؤثر في منطقة مؤرقة بمشكلات ومخاطر، لكن مواطني دول المجلس، ومن ثم شعوب وحكومات دول المنطقة، يدركون ما يمثله هذا الكيان كمشروع هوية ومصلحة برّهن على قدرة شعوبه وقادته على تلبية أحد استحقاقات العصر الضرورية. فقمة "التعاون" تنعقد في مواعيدها المحددة، وقد تتباطأ وتيرة إنجازاتها، لكنها تمضي باطراد إلى الأمام. وهي تناقش بالضرورة التنسيق وتعظيم المنفعة، كما تبحث في الخلافات، وفي كل الأحوال، تنجز هذا الدور بالحس والمسؤولية اللازمين. ولهذا، فالمجلس الذي تأسس في 1981 في أجواء حرب إقليمية طاحنة، وتكرس مظلة تنزع نحو تحقيق الأمن ومصالح الشعوب، ومر بأنواء حربين مؤثرتين ونزاعات مريرة، وبدأ اتحاداً جمركياً في 2003، ويطلق اتحاداً نقدياً في 2005، ويدشن سوقاً مشتركة في 2007، ويطلق عملة موحدة في 2010، أثبت مراراً قدرته على تحقيق طموحات شعوب دوله.

Share