القضية الفلسطينية بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما

إبراهيم عبدالكريم: القضية الفلسطينية بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما

  • 26 مايو 2009

ينتظر القضية الفلسطينية، في التداول الجاري بين الطرفين الإسرائيلي والأمريكي، مساران رئيسان؛ أحدهما افتراضي مؤطّر بالنوايا والتوقعات، والآخر حقيقي تحدده السياسات والممارسات. وقد بدأت ملامح افتراق هذين المسارين وتعقيداتهما تزداد وضوحاً بعد لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن (يوم 18/5/2009)، والذي شكّل فرصة لعرض المواقف الأولية لكليهما.

ومن المعروف أنه خلال الأسابيع التي سبقت ذلك اللقاء، كان كل من الجانبين يبعث برسائل إعلامية وتسريبية تتعدى "حالة الاختبار"، لتعبّر عن مواقف متباينة، ظهر منها أن إدارة أوباما، خلافاً للإدارة السابقة، لا تلقي بالمسؤولية الكاملة عن الصراع على الفلسطينيين، بل تلقي هذه الإدارة جزءاً من المسؤولية على إسرائيل. فيما كانت حكومة نتنياهو ترى أنها لن تساق إلى اتخاذ مواقف لا تلبي مطالبها الأمنية والسياسية التي تضمنتها الاتفاقات الائتلافية بين مكوناتها الحزبية.

وكان "حل الدولتين"، الذي تتبناه إدارة أوباما، العنوان الأول للموضوعات الخلافية مع حكومة نتنياهو، التي تعتقد أن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ازداد حدة، بالرغم من تبني الحكومة الإسرائيلية السابقة هذا الحل. وعلى الخط المتصل بين فترتي ما قبل زيارة نتنياهو لواشنطن وما بعدها، يرفض نتنياهو وحكومته الالتزام بمبدأ "حل الدولتين"، مع المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كـ"دولة يهودية". ولكنه يرى، في الوقت ذاته، أن الفلسطينيين يستطيعون في ظل التسوية التمتع بصلاحيات إدارة أنفسهم، باستثناء عدد محدود من الصلاحيات العسكرية والخارجية.

وخلال قمة واشنطن، لوحظ أنه لم تكن هناك مفاجآت في الموضوع الفلسطيني. وبصرف النظر عن تبادل الابتسامات والإطراءات المتبادلة، لم يبرز ما ينفي وجود خلافات في الرأي تدور تقريباً حول كل المسائل المشتعلة؛ حيث دعا أوباما نتنياهو للعودة إلى "تفاهمات أنابوليس" وتحقيق "خارطة الطريق" وأعرب عن تأييده "حل الدولتين"، مؤكداً أنه سيعمل على دفعه إلى الأمام، وأبلغه بأن إدارته تُعنى باستئناف المفاوضات لإقامة دولة فلسطينية، وخلق صلة بين هذه المفاوضات والتقدم نحو "التطبيع والسلام الإقليمي" مع إسرائيل. لكن نتنياهو الذي ارتاح لفكرة "التطبيع والسلام الإقليمي"، تهرّب من الحديث عن "حل الدولتين"، واعتبر أن "التعبير ليس مهماً"، وشرح بأنه يؤيد إقامة "كيان سياسي فلسطيني" إلى جانب إسرائيل، دون جيش ودون إمكانية التسلح من الخارج. وشدد نتنياهو على أنه مستعد أن يبدأ المحادثات مع الفلسطينيين فوراً، وحين تستأنف هذه المحادثات "ينبغي للفلسطينيين أن يعترفوا بدولة إسرائيل كدولة يهودية".

وهنا كانت مواقف أوباما تشدد على أن كل الأطراف يجب أن تنفذ التزاماتها، وطالب إسرائيل باتخاذ "قرارات صعبة"، بتجميد البناء في المستوطنات وإخلاء "البؤر الاستيطانية غير القانونية". وواصل أوباما مطالبة إسرائيل بفتح المعابر أمام المنتجات الحيوية. وكان ردّ نتنياهو أن الفلسطينيين لم ينفذوا التزاماتهم حسب "خارطة الطريق"، وأن ما يتعلق بالمستوطنات لن يُنفّذ إلا في إطار تنفيذ التزامات الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. وجزم نتنياهو بأن تفكيك فصائل المقاومة الفلسطينية ونزع أسلحتها، يعد شرطاً لمنع تكرار ما حصل في قطاع غزة. ورأى أن إسرائيل ملزمة بأن تمنع "حماس" من إدخال مواد إلى قطاع غزة تعرض أمن إسرائيل للخطر.

وفي نهاية الأمر، قدّر المراقبون أن نتنياهو نجح في الملعب الأمريكي؛ إذ لم يؤجج الرفض، ولم يلزمه أوباما بآرائه في الموضوعات الإشكالية.. فما الذي يمكن أن يحدث في المدى المنظور؟

في محاولة لتخفيف حدة الخلافات في المواقف السياسية، قد يقترح نتنياهو على أوباما تشكيل فريق عمل مشترك، بغرض تقليص الفجوات بين الطرفين ومتابعة تطبيق التزامات الجانبين في "خارطة الطريق"، وبلورة "خارطة طريق جديدة"، ومناقشة الموضوعات الاستراتيجية المختلفة، ومنها السلام مع العرب والمسألة الإيرانية.

وأمام إصرار أوباما على "حل الدولتين"، من المرجّح ألا يرفض نتنياهو بشكل قاطع هذا الحل، ولكنه سيبحث عن صيغة لتجاوز الخلاف بشأنه، وسيسعى إلى فرض شروط شديدة، تعجيزية، لن تتمكن السلطة الفلسطينية من تلبيتها، واعتماد آليات عمل تتيح له التنصل من التنفيذ، بذريعة منع إقامة ما يسميه "دولة حماستان" أخرى في الضفة الغربية، وبالتالي تهيئة الظروف لنسف احتمال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وبخصوص الاستيطان، سيجد نتنياهو صعوبة حيال مطالب أوباما. ومن المقدر أن يكون هذا هو اللغم الحقيقي بينهما، إذ يدرك نتنياهو أن الكونغرس لن يؤيد إصرار إسرائيل على مواصلة توسيع المستوطنات، وأن اللوبي الصهيوني سيخسر في معركة كهذه. وبالمقابل، إذا قدم نتنياهو تنازلات في موضوع المستوطنات، فسيغضب رفاقه في الليكود وشركائه في الائتلاف، وهو ما سيجعله يرغب في إبعاد المستوطنات عن مركز الاهتمام، ربما عبر "تشكيل لجنة خاصة"، ستكون مهمتها الأولى إرضاء أوباما والليكود وشركائه في الائتلاف الحكومي في آن معاً.

ومن جانبه، يعتزم أوباما، حسبما أكدت تقارير متفرقة، الاستمرار بالتنسيق مع كل الأطراف المعنية، للمساعدة في تحقيق السلام بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين والدول العربية من جهة أخرى. فبعد المناقشة التي جرت خلال لقاء أوباما مع العاهل الأردني عبد الله الثاني، سيكون هذا الأمر حاضراً أيضاً خلال زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لواشنطن في الأسبوع الأخير من أيار/مايو الجاري.

ووفقاً للتقارير المنشورة، ينوي أوباما إطلاق "مبادرة سلام جديدة"، خلال كلمة سيلقيها في القاهرة، في الرابع من حزيران/يونيو القادم، تعكس رؤيته للشرق الأوسط، بمواصلة "رؤية بوش" لعام 2002، حين عرض "حل الدولتين". ومن المتوقع أن يكون أوباما أكثر التزاماً من سابقه بوش في هذا الاتجاه، والتطرق إلى مسألتي القدس واللاجئين اللتين تعتبر إسرائيل نفسها أنها حسمت النقاش حولهما. كما يتوقع أن يطلب أوباما في هذه المبادرة وقف بناء المستوطنات وحل البؤر الاستيطانية، ليكونا "بادرة طيبة" أولى، لدفع دول عربية للبدء بالتطبيع مع إسرائيل فوراً، وتعهده بعدم السماح لإيران بحيازة أسلحة نووية.

لهذا يُعنى نتنياهو حالياً بالتأثير على مضمون "مبادرة أوباما"، لتتخذ منحى التركيز على دعوة الدول العربية لإسراع التطبيع مع إسرائيل، وتجنب العوامل التي قد تضع إسرائيل في زاوية المواجهة مع الولايات المتحدة، أو إثارة مشكلات ائتلافية في حكومة نتنياهو. ومن الردود التي ستعتمدها حكومة نتنياهو، في مواجهة ذلك، الزعم بأن إخلاء البؤر الاستيطانية هو مسألة قانونية ويمكن حلها بالحوار، وعدم وجود أي مبرر أخلاقي أو قانوني أو سياسي لتقييد النمو الطبيعي في المستوطنات، ولاسيما في الكتل الاستيطانية الكبرى التي من المتوقع أن تحترم الإدارة الجديدة تعهدات الإدارة السابقة بشأنها. ولكن نتنياهو سيقدم وعداً بأن تنفذ إسرائيل تسهيلات ذات أهمية في موضوع المعابر والحواجز والإدارة والاقتصاد، ليس فقط بسبب المطالب الأمريكية، بل لأن الأمر يتناسب ونهجه الخاص بما يسميه "الحل الاقتصادي".

وفي ظل قناعة الإدارة الأمريكية بأن سياسة اللعب والمماطلة والتسويف والمناورات الإسرائيلية ستضعف مصداقية واشنطن، ليس من المستبعد أن تنشأ حالة احتكاك عنيفة قد تشعل النار في ملفات أوباما، الداخلية والخارجية على حد سواء، خاصة أن إسرائيل واللوبي الصهيوني يمتلكان من مقومات القوة ما يؤهلهما لخوض مواجهة حادة مع إدارة أوباما.

ولاستبعاد احتمال المواجهة التي قد تنشأ مع إدارة أوباما، من المرجّح أن تسير حكومة نتنياهو خطوات محدودة على طريق الحل الفلسطيني، بما ينسجم مع توجهاتها لتجسيد "الحكم الذاتي للفلسطينيين". ويقفز إلى الذاكرة قيام نتنياهو خلال ترؤسه حكومته الأولى بتوقيع "اتفاق واي ريفر" في تشرين الأول/أكتوبر 1998، الذي تعهد فيه نتنياهو بتسليم الجانب الفلسطيني 13% من المنطقة C (الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية)، منها 1% للمنطقة A (سيطرة فلسطينية كاملة) و12% من المنطقة B (سيطرة أمنية إسرائيلية وسيطرة مدنية فلسطينية).. فهل سيعود هذا الاتفاق ليشكل الإطار الذي تحدده حكومة نتنياهو للحل؟.. إنه تساؤل مبرر، ولاسيما أنه لا يوجد ما ينفي قابلية اعتماد مضمونه من قبل زعيم هدّد قبل نحو عشر سنوات بحرق واشنطن.

Share